سنعود يـــــــــــــــــــــا كورونا..



نصرالدّين السويلمي

لا شكّ أنّ الصّلاة في البيت أفضل من الصّلاة في المسجد إذا اشتد الوباء وخيّمت العدوى، فلا يمكن للعبادة أن تتحوّل إلى مصدر لنشر الفيروسات لأنّ ثلث ديننا توعية وتوجيهات. لذلك لا لوم على الإجراءات التي تمّ اتخاذها في الكثير من البلدان الإسلاميّة وأوقفت صلاة الجماعة والجمعة إلى حين ييسّر الله أمر البشريّة فتقضي على هذه الآفة قبل أن تقضي عليها.


لكن لا أحد يلومنا على الحزن بل على الدموع التي تنهمر من عيوننا ونحن نشاهد الآذان ينادي ولا من مجيب! والطريق سالكة فلا ألغام ولا قنابل ولا شرطة معادية تمنع جموع المؤمنين من الوصول إلى ملاذهم الروحي.. لا شيء غير مصيبة قدّرها الله، نستقبلها بالرّضا والتسليم وبالكثير من الحزن والأسى.

ليس من اليسير أن نرى المساجد خاوية، حتى حين كنّا نتكاسل ونصلّي في بيوتنا، كنا نعول على غيرنا! ليس تعويل عبادة إنّما هو التعويل النفسي ربّما ايضا التعويل الحضاري، ندرك أنّنا لسنا هناك ولكنّهم هناك بأنفاسهم وجباههم، هناك متناثرون حول المحّراب يتسابقون إلى الصّفوف الأولى.. نحن كالأطفال في انحيازنا إلى بيوت الله، يشعر الأطفال بالأمان لأنّ آباءهم سيجابهون الأخطار عوضا عنهم، ونشعر نحن بالأمان لأنّ الذين عجّلوا حين أبطأنا الآن هم بصدّد إعمار بيوت الله.. حتى ونحن صغارا كنّا نرتاح كثيرا عندما تسأل الأمّ الأبّ العائد من الخارج "وين كنت؟" فيجيب "هاني كنت في الجامع"، الآن لا الأبّ ولا نحن ولا الذين احتمت عواطفنا بهم حين سبقوا إلى تلبية النّداء، لا أحد منّا هناك في الجامع... لا أحد يُنهي صلواته الإبراهيميّة.. يُسلّم.. يُسبّح.. ثمّ يتراجع إلى الخلف يبحث عن فسحة لركعتي السنّة.. لا ندري بالتحديد هل سننام هذه الليلة بغصّتنا أم سينام المسجد بغصّته.. ربّما كلانا، فالمساجد لم تعد تلك الجدران صمّاء مذ عرفتها جباه الأتقياء.. بعثت فيها الرّوح فهي تئنّ وتحنّ.

البعض لا يفهم هذه المشاعر! يقول" في غالب الأحيان يوجد الصّف إلى الصّفين وبالأكثر ثلاثة صفوف في الجامع! الآن أصبحتم تحبّون المساجد وكأنّها كانت مكتظّة بالمصلّين!؟ " ذاك ما نعني، الصّف إلى الصّفين! أو حتى أقل، لا بل حتى العمّ الطاهر المؤذّن والحاج منور وصهره الدهّان الخلوق والإمام، يكفي!!! خير ربّي.. تجزي تلك الجباه الطاهرة، حتى تعود إلينا دورتنا الإيمانيّة فتتكاثر الجباه.. ثمّ يعود المسجد إلى حيويّته الخالدة.. نعم يا صديقي ذلك ليس حنين التقوى، تلك نوعيّة من الحنين الحضاري، حنين التسلسل الزمني، تسلسل الأرحام الحديثة وتلك القديمة جدا، التي لم يثنها الفقر ولا الجوع ولا المسافات ولا المرض ولا المطر عن إعمار المساجد... نعم يا صديقي تلك مساجدنا نحبّها وتسكن بداخلنا حتى إن غبنا عنها هذه الأيام.. وهل يكره الطفل حجر أمّه حين يغفل عنها وعنه ويذهب بعيدا هناك مع أترابه.. سيعود يا صديقي سيعود ليحتمي به وبها...

سنعود يا كورونا، سنعود رغم انفك كما عدنا رغم انف التتار والمغول، رغم انف الاباطرة والأكاسرة، رغم انف سلسلة الطواغيت الطويلة، سنعود وعدا.. وان قتلتنا يا كورونا، سيعود أطفالنا، ليس للمرح في الجامع ولكن للعبادة والتبتل، حينها سيلهو احفادنا على سماط مساجدنا، ستضج المساجد بتقوى الكبار ولهو الصغار.. سنعود يا كورونا.. سنعود...
نحن لا نعترض.. نحن نشفق.. نحن نحزن.. لأننا نحن أحفاد قتادة بن النّعمان..
عَنْ أَبِي سَعِيد الخدري: أنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج ليلة لصلاة العشاء، وهاجت الظلمة والسماء، وبرقت برقة، فرأى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَادَة بْن النعمان، فَقَالَ: " قَتَادَة "؟ قَالَ: نعم، يا رَسُول اللَّه، علمت أنّ شاهد الصلاة الليلة قليل، فأحببت أن أشهدها، فَقَالَ لَهُ: " إِذَا انصرفت فأتني "، فلما انصرف أعطاه عرجونًا، فَقَالَ: " خذ هَذَا يضيء أمامك عشرًا، وخلفك عشرًا".

لقد حنّ جدّنا قتادة ونفر خوفا من قلّة الجباه الساجدة، هبّ رغم مشقّة الطريق والليلة الظلماء الممطرة.. فكيف لا نحِنُّ يا صديقي ونحن ندرك أنّ السجّاد بات يئنّ كما أنَّ الجذع حين هجره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.. الآن تنحدر دموعنا ليس غضبا من إجراءات الدولة، وإنّما هو الحنين إلى الملاذ الروحي الجميل.. قد يخذلنا العالم، وتضيق بنا الدّنيا فننتهي إلى سارية من سواري المسجد ندسّ بداخلها أوزارنا.. ولعلّنا نغفو فنرتـــــــــــــــــــــــاح!..

Commentaires


4 de 4 commentaires pour l'article 199760

RESA67  (France)  |Dimanche 15 Mars 2020 à 07h 56m |           

Sarramba  (France)  |Samedi 14 Mars 2020 à 15h 18m |           
سي السويلمي
من أخذ الصورة و ترك صلاة الجماعة؟؟؟

Zeitounien  (Tunisia)  |Samedi 14 Mars 2020 à 15h 11m |           
لقد عصى الفخفاخ كلام وزير الصحة وعلماء الشرع وطبق الشيوعية التي ينتمي إليها. ولقد عصى كذلك مبادئ حقوق الإنسان التي يزعم حمايتها فكان قراره مضطهدا للمسلمين فقط : إذ لم يغلق كنائس المصارى وبيع اليهود !

Faten  (Tunisia)  |Samedi 14 Mars 2020 à 09h 31m |           
بارك الله فيك، اللهم لا نسالك رد القضاء بل نسالك اللطف فيه