"صبيان باريس " و العلاج بالصدمة !



طارق عمراني

صبيان شيكاغو the chicago boys ...مجموعة من الطلبة تتلمذو في قسم الإقتصاد بجامعة شيكاغو الأمريكية على يد عالم الإقتصاد ميلتون فريدمان ( مستشار الرئيس الأمريكي رونالد ريغان و صاحب نظرية الإقتصاد الحر ) في ثمانينات القرن الماضي و قامت واشنطن بتجنيدهم في كل دول العالم لتنفيذ العلاج بالصدمة الإقتصادي


*نظرية العلاج بالصدمة
سنفرغكم ونعتصركم ثم سنملأكم من أنفسنا"
جورج اورويل


هو مصطلح علمي وطريقة علاج نفسي ظهر في خمسينات القرن الماضي حيث تعاونت وكالة الاستخبارات الامريكية مع الطبيب النفسي الكندي "ايوين كامرون" لإستخدام الصدمات الكهربائية علی أدمغة المرضی النفسيين وإرجاعهم إلی مستوی ادراكي اشبه بمستوی ادراك الرضيع لإعادة برمجته بمعطيات جديدة في اطار ما اسمي بالصفحة البيضاء او القيادة النفسية مما يتسبب في فقدان الذاكرة والنكوص السلوكي ،وفي كتابها "عقيدة الصدمة و رأسمالية الكوارث " انطلقت الكاتبة الكندية المناهضة للعولمة نعومي كلاين بمحاورة ضحايا تعرضوا للعلاج بالصدمات الكهربائية ضمن خطة علاجية توخاها الطبيب النفسي "ايوين كامرون" لدحض نظريات سيغموند فرويد ،لتحدد الكاتبة مكامن التشابه بين الصدمة النفسية مع الصدمة الإقتصادية لصاحبها "ميلتون فريدمان" رئيس قسم العلوم الاقتصاادية بجامعة شيكاغو التي تخرّج منها مفكرون ومحافظون جدد ونيوليبراليون علی غرار "دونالد رامسفيلد " وزير الدفاع الامريكي الاسبق نشروا عقيدة "فريدمان" في كل العالم واصبحت هذه العقيدة خطة عمل لصندوق النقد الدولي ولقبت نعومي كلاين انصار فريدمان بصبيان شيكاغو .

وتتمثل هذه العقيدة في الرأسمالية المستقلة والحرية المطلقة للاسواق والخصخصة وتسريح العمال ورفع الدعم عن المواد الاساسية وخفض الانفاق الاجتماعي واثقال كاهل المواطن بالضرائب والاداءات ،فعقيدة الصدمة تقوم علی استغلال كارثة سواء كانت انقلابا ام هجوما ارهابيا ام انهيارا للسوق ام حربا ام كارثة طبيعية أم وباء لتمرير سياسات اقتصادية يرفضها المواطنون في الحالة الطبيعية.
فالمخابرات الأمريكية ساندت انقلاب الجنرال العسكري بينوشييه في الشيلي سنة 1973 الذي طبق كل سياسات صندوق النقد في فترة حكمه وكانت النتائج كارثية بإستفحال الازمات الاقتصادية والاجتماعية ويبدو ان هذا السيناريو يتكرر اليوم بحذافيره في مصر المحروسة في ظل حكم الجنرال السيسي، وفي العراق كانت بصمة الولايات المتحدة وذراعها الاقتصادي صندوق النقد الدولية واضحة عقب اجتياح بغداد ولا غرابة في ذلك اذا كان وزير دفاع امريكا آنذاك "دونالد رامسفيلد" احد انجب تلاميذ "ميلتون فريدمان" ،فتم تدمير بنية العراق التحتية واثارة النعرات الطائفية والاثنية والقومية والتغاضي عن عمليات السلب والنهب لتتحول العراق الی صفحة بيضاء بالمفهوم السيكولوجي الجمعي ليقع تركيز سياسات اقتصادية نيوليبرالية كانت ترفضها عراق صدام حسين ،وفي خضم الفوضی والتفجيرات اليومية استأثرت شركات نفطية عملاقة بمعظم احتياطات العراق النفطية وفازت الشركات العقارية الامريكية بعقود اعادة الاعمار والاستثمار.

و للقارئ ان يتساءل ...ما دخل هذا في الحالة التونسية ؟

إن الملاحظ أن الإقتصاد التونسي اليوم يعيش فترة صعبة في سياق عالمي متحرك و هو ما يجعله رهن الجهات الدولية المانحة ،فالمتابع للحوار الصحفي الذي أجراه رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ يمكن أن يخرج بنقطة واضحة و هو تأكيد الفخفاخ على ضرورة إستمرار تعامل تونس مع صندوق النقد الدولي الذي يشترط إصلاحات جذرية و موجعة للإقتصاد للتونسي لصرف باقي الشرائح من القرض المتفق عليه و الذي ماطل الصندوق في صرفها لتونس لتعلله بعدم المضي في إصلاحات هيكلية ،و عليه فإن الحكومة الجديدة ملزمة بتنفيذ إملاءات الجهة المانحة المذكورة ،و ما يمكن ايضا ملاحظته في حوار الفخفاخ أنه سعى إلى مصارحة الرأي العام بدقة الوضع الإقتصادي و "التبشير" بتراجع نسبة النمو الإقتصادي لسنة 2020 و الإشارة لتداعيات إنتشار فيروس كورونا و هو ما يحيلنا إلى نظرية "العلاج بالصدمة " كما اسلفنا بالقول .

تصريح الفخفاخ تضمن أيضا تلميحا بتجميد الأجور و المضي في رفع الدعم عن المحروقات ...

من المبالغة ان نشبه الفخفاخ بصبيان شيكاغو و الإيغال في نظريات المؤامرة لكن المؤكد أن رئيس الحكومة الجديد فروكوفوني الهوى و التكوين الأكاديمي على غرار سلفه المتخلي يوسف الشاهد و من المفارقة ان الفخفاخ قد تحدث في خطاب التكليف عن بدايات صداقته بالشاهد و التي كانت في أحد مقاهي باريس... و لهذا كان التشبيه "صبيان باريس"

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 199392