هل سينجح الجلاصي في قضم النّهضة ؟



نصرالدّين السويلمي

من الواضح أنّ عبدالحميد الجلاصي انخرط منذ كان داخل القمرة في معركة خلافة الغنّوشي أو تحيّيده إن هو استعصى، توغّل في الجهات وصنع حزامه وأعدّ عدّته، لكن رياحه لم تجر كما أراد لها لأسباب متعدّدة، لعلّ أهمّها أنّ ركائز التنظيم وإن كانت تغريهم فكرة المؤسّسات والدمقّرطة، إلا أنّهم أدركوا أنّ الأمر يتعلّق برغبة في خلافة الغنّوشي وليس في تحسين جودة المؤسّسات والارتقاء بها إلى مستوى العلويّة.


غادر الجلاصي بعد أن تيقّن أن لا مؤتمر في الأفق، حتى إن تيسّر أمر المؤتمر مع تأخير بنصف سنة تزيد فحظوظه في خلافة الغنّوشي أصبحت تراوح الصفر، ذلك أنّ الحركة التي أشرفت على إدارة التوافق التونسي الاستثنائي ومدّت في حبال المرونة على يمينها ويسارها وذهبت إلى أبعد من ذلك، حركة بتلك المرونة لن تكون مستعدّة إلى الإشراف على عمليّة استلام وتسليم ناريّة عدائيّة يهرسل فيها القادم أخيه اللّدود السّابق ويقوم بتهشيمه معنويّا وما يعني ذلك من أضرار فظيعة ستلحق يقينا بالحركة ككلّ، يجب أن تتوفّر سياقات هادئة وعلاقات دافئة تمرّر المسؤوليّات بأشكال احتفائيّة تكرّم الشخصيّة الرمزيّة ذلك التكريم الذي يليق بمن سبق إلى اللّبنة وتُبقى على احترامه كاملا دون غمز ولا لمز.

قام الجلاصي بخطأ أوّلي ثم سرعان ما تعاقبت الأخطاء، أخطأ حين تسرّع وقام بإخلاء موقعه داخل الجسم وبذلك خسر مساحة العمل من الداخل، ثمّ خسر ثانية حين لم يركّز على الغنّوشي كخصم يطلب منصبه وذهب إلى المنابر الإعلاميّة يطعن في النّهضة ويسفّه باكورة إنجازاتها ويبشّر بمشروعه الجديد على إنقاذها، كانت تلك سقطة مريعة فالجلاصي يدرك أنّ الغنّوشي مهما علا شأنه ليس إلا أحد الأرقام المهمّة في جسد ثروته من الشهداء أكبر شأنا من ثروته من القادة، والغنوشي الذي يتصدر اليوم لن يحمل النّهضة إلى قبره حين يغادر، رغم ذلك ترك الجلاصي لبّ الخلاف مع الغنّوشي ونشب في النّهضة، فلماذا يا ترى؟

كان الجلاصي يركّز على الغنّوشي حين كان يطلب منصبه، أمّا وحين توقّف عن ذلك بإعلان استقالته، لم يعد الغنّوشي هو الهدف الأساسي، بل تحوّل التركيز على النّهضة التي يرغب في خلخلتها وهزّ جذعها بقوّة حتى تتساقط القواعد فيقوم بجنيها لصالح الجديدة! استعمل الجلاصي في ذلك منابر معادية استئصاليّة طالما قادت المعارك ضدّ الحركة وطالما حرّضت عليها الذئاب والضباع الكرونوكوريّة التي نهشتها من فوق عشرات المنابر.

يستغرب الكثير من أبناء النّهضة لما يركّز عليهم الجلاصي وعلى حركتهم ولا يركّز على الغنّوشي، ألم يكن خير له أن يوفّر الجهود في ملاحقة رئيس الحركة الذي يتّهمه بالترحيل المتعمّد للمؤتمر، إذا ما دخل القواعد والجسم والسّياسيّات والإنجازات التي بات يجرحها تباعا على منابر معادية؟ّ! طبعا لا يمكن وصف الجلاصي بالسطحيّة، فالرجل يملك من الذكاء والفطنة ما يملك، لكنّه يدرك أنّ إصابة المنتوج والتشكيك فيه وفي جودته سيربك المهنّدس والعامل والموزّع والشّاري والبائع، ذلك هو الحجر الواحد الذي سيلطم سرب من العصافير.

من على منابر الإعلام المعادي، حدّد الجلاصي معركته القادمة، لم تعد أبدا مع الغنّوشي لأنّه لن ينازعه على ما تبقى من عهدته، لم تعد أيضا مع خليفة الغنّوشي لأنّه لن يؤثر في حظوظه من خارج الجسم، أصبحت معركته مع الجسم ككلّ، لا يريد عبدالحميد تهشيم النّهضة ذلك التهشيم الانتقامي، ولا يرغب في تجريمها ولا تسليمها وليمة منهكة إلى مطاحن الاستئصال، لا أبدا! يرغب الجلاصي في استنزافها لصالحه وليس لصالح اليسار أو اليمين، يملك الرجل فكرة سيقتحم بها قريبا، هو يرى أنّها كفيلة بجمع النّهضاويّين حولها، لذلك لا سبيل غير إقناعهم بأنّ المنتوج النّهضاوي السّابق يعاني من هزل بائن وهذه شهادة من قيادة مرموقة سيسهل تصديقها! كما أنّه أشار إلى مستقبل النّهضة المحفوف وأنهكه بالتشكيك، وأنّ مصيرها سيكون كمصير الحزب الدستوري وربّما النّداء والتجمّع ، لذا لا فائدة من البقاء في ركابها! ذلك هو لسان حال القيادي المنسلخ.. وما الحلّ إذا...؟! هل سيتشرد أبناء النّهضة ويهيمون على وجوههم في الصحراء 40 عاما..؟! لا أبدا ثمّة المشروع الجلاصي الذي سيكون بديلهم السحري...

هل سيقتنع أبناء النّصف قرن القادمين من عمق الشهداء والمحن ومن عبق عبدالقادر سلامة والإخوة والزرن والزوّاري، ومن نفحات سحنون وصرخة بركات الأخيرة قبل أن يصمت أبدا ومن خجل الصبايا حين يقتحم عليهن البوليس في ليالي الشتاء الباردة، ومن عروس فارقها عريسها قديما ثمّ عاد بعد أن غاض الرّحم.. هل سيقنع النّهضاويّون بخلع تاريخ الرعيل والتنصّل من ملاحم السجون، هل سيتخلى النّهضاويّون عن ملحمة فنّ البقاء على قيد الحياة تحت المحنة، وفنّ البقاء على قيد الحياة في بهو الدولة الملغّم.. هل بعد لقب النهضاويّون سيقنع أبناء الجماعة والاتجاه والنّهضة بلقب الجلاصيّون أو حتى الغنّوشيّون أو العريضيّون أو البحيريّون.. تلك إذا نهاية حمقاء لتاريخ حافل مرصّع قد تتجالد عليه الرجال بالسيوف لتدخل فيه وتنتهي به وتموت على نخبه.

Commentaires


3 de 3 commentaires pour l'article 199367

Sarramba  (France)  |Dimanche 08 Mars 2020 à 16h 37m |           
سي الجلاصي أخطأ التقييم ، ربما انه ذكي و لاكن في السياسة و صراعاتها الذكاء لا يكفي لوحده
بل الدّهاء و التّحالفات و النفس الطويلة و حتى "الغدر" والانقلاب على المبادء الشّريفة هي التكتيكات و الخصال التي مفروض أن يتوخاها كل من أراد فك الحكم و الزعامة. و الأمثال في التاريخ العالمي كثيرة
أضيف مقولة طريف بدون أي محقرانية: سي الجلاصي "قادومة هاجمة على جبل" و افهم يلي تفهم

Mandhouj  (France)  |Dimanche 08 Mars 2020 à 09h 36m |           
الإتحاد الديمقراطي الفرنسي الذي كان على راسه فالري جسكار دستان، تفرقع بهكذا محاولات من عديد قيادات. هل سيحدث للنهضة مثل هذا ؟

الأحزاب السياسية التونسية لا تعيش نفس مستوى العقل الديمقراطي الفرنسي، لكن يبدو أن حزب حركة النهضة، بلغ شوطا متقدما على الأحزاب السياسية القومية، اليسارية، و حتى ما يسمى أحزاب العاءلة الديمقراطية الوسطية.

هل هذا الواقع الديمقراطي داخل حزب حركة النهضة سيفكك الصعاب التي تعترض مسار الحزب ؟ أم سيفكك الحزب نفسه ؟

طبيعي هناك من يتساءل هل هناك واقع ديمقراطي داخل حركة النهضة ؟؟؟

حزب النهضة، 1قام على فكرة و رؤية، 2له برنامج ذا أهداف كبرى، اساسها دمقرطة الحياة الإجتماعية و السياسية لضخ قوى المجتمع في مشروع مجتمعي و تنموي، لبيرالي إجتماعي اصلاحي ، لا يتنافى مع الثوابت المجتمعية للشعب التونسي، و ليس عدو للمدنية .

3
الحزب يسيير حسب عقد بين القاعدة و القيادة، نابع من خلال مؤتمر .

هذه مجرد قراءة .

ما الذي يربك بعض قيادات النهضة اليوم ؟
حسب ما ألاحظ، أن المؤتمر الأخير أعطى الرئيس صلاحيات معينة، و ترى تلك القيادات، أن الواقع تغيير و لا مجال لتلك الصلاحيات . الرئيس يرى العكس .

في أي حزب من الأحزاب في العالم ، الأحسن انتظار المؤتمر لإعادة الهيكلة و بناء تموقع جديد في المجتمع و الساحة السياسية . كل الأحزاب التي اعرفها في العالم و عولت قيادات منها على الضغط من خارج الحزب، تلك القيادات انتثرت و قليل من نجحوا في بناء ذات سياسية جديدة تنازع في الإنتخابات و تؤثر على سياسات الحكومة و الحكومات.

لكن ما يحدث في النهضة اليوم جد طبيعي. كل واحد و مستوى تقديره الاشياء.

و هذا حدث في النداء، في الجبهة.

Ra7ala  (Saudi Arabia)  |Dimanche 08 Mars 2020 à 08h 58m |           
الغنوشي رجل تحسد عليه النهضة إذ يندر وجود رجل مثله في الأحزاب الخرى في تونس والأفضل أن يستمر على رأس النهضة لتبقى متماسكة وفي موقع ريادي كما هي منذ الثورة، لكن الحسد يعمي الأبصار والبصائر ويضر أكثر خاصة عندما يأتي من الرفاق القدامى،
الذي غادروا النهضة لم تتأثر كثيرا لغيابهم مهما علا وزنهم او كثر عددهم لكن قد يختلف الوضع كثيرا لو غادرها الغنوشي مرغما
هذه شهادتي الشخصية في الأستاذ الغنوشي بالرغم من اختلافي الكبير مع توجهاته