أمير النهضة : ماكيافللي



قيس بن مفتاح

"الخلاصة التي أصل اليها اليوم انه تم استنزاف الرصيد الاخلاقي والقيمي و الأركان التأسيسية مثل الصدق والاخلاص والتجرد والايفاء بالتعاقدات و الديموقراطية والانحياز الاجتماعي والتحرر الحضاري و النبض التغييري" هكذا أورد القيادي عبد الحميد الجلاصي نقطته السابعة من رسالة استقالته من حركة النهضة التي برزت طيلة السنوات الماضية بمحورية موقعها في المشهد السياسي ومساهمتها الفاعلة فيه ولكن عرفت أيضا بتفاعلها المتقلب مع الأحداث وتغيير المواقف من الإشكاليات المطروحة لتثير حيرة البعض من المتابعين للشأن الوطني وأيضا الخصوم وحتى بعض الأنصار ممن ينشد تحليل وإدراك خلفيات مواقف الأطراف السياسية واستشراف قادم التحركات ومآل الأوضاع الراهنة ..، لذلك يحاول هؤلاء كشف دليل الإجراءات الذي يسمح باستقراء مواقف الحركة وتحليل مواقفها لمعرفة الفكر المنتج له والذي يبيح هذا الكم من تغيير المواقف وتقلبها ويقف وراء تناقض التصريحات لعدد من قياديي الصف الأول للحركة بوتيرة تصاعدت في الأشهر الأخيرة وليس الموقف من حركة قلب تونس قبل الانتخابات وبعدها إلا أحدثهم حيث سبق ذلك تغير الموقف من مواضيع مختلفة مثل التحالف مع نداء تونس وقانون العزل السياسي والمصالحة الاقتصادية والاصطفاف الثوري وبمناسبة عرض حكومتي الجملي والفخفاخ على البرلمان..، فأي منهج أو فكر سياسي يبيح هذا التنقل من الشيء إلى نقيضه داخل حزب يتبنى ويصرح عاليا بأهمية الجانب القيَمي فيه.


لم يدم البحث طويلا في المراجع السياسية التي تنظر لمثل هذا النوع من السياسة فكتاب {الأمير} للإيطالي نيكولوماكيافللي* أحد أهم الكتب السياسية منذ القرن السادس عشر وخاصة الفصل الثامن عشرة منه {كيف يصون الأمراء عهودهم} يقدم لنا تقريبا الإطار النظري لهذا الشكل من العمل السياسي وممارسة السلطة فحسب ماكيافللي ورغم اعترافه بأن :"حفظ العهود يجلب للأمير(الحاكم) الثناء ويكون به مستقيما ونزيها وليس ماكرا إلا أن التجارب أثبتت أن من لم يحرص على ذلك أو اتبع منه القليل حقق الشيء الكثير وتمكن بالمكر من الالتفاف على عقول الناس والتفوق على من جعل من الولاء أساسا.."يذكر أيضا ماكيافللي :"أن الأمير(الحاكم) الحذر والحريص لا يحفظ عهدا يصير ضد مصلحته أو متى انتفت أسباب الارتباط به ولن يعدم تبرير ذلك والأمثلة المعاصرة كثيرة وهي تؤكد أن وعودا كثيرة لم يفي الأمراء بها وكان النجاح حليف من كان منهم كالثعلب ماكرا على أنه وجب عليهم مداراة تلك الصفة بالإضافة للمعرفة الجيدة بفن التمويه والإخفاء حيث أن الناس على قدر من البساطة تسهل انصياعهم للحاجة وقبولهم بالأمر الواقع والمُخادع سيجد دائما من يسمح بانخداعه.."

يضيف السياسي الإيطالي أنه :"ليس من الضروري أن يتحلى الأمير (الحاكم) بكل الخصال الجيدة التي يدعيها ولكن من الجيد أن يتظاهر بها "بل ويذهب ماكيافللي إلى أكثر من ذلك ليقول :"أن التحلي بها(الخصال) فعليا والمداومة عليها قد تضر صاحبها بينما التظاهر بها أكثر نجاعة، من المفيد مثلا أن يبدو الأمير رحيما وفيا إنسانيا متدينا صادقا ويمكنه أن يتصف فعليا بذلك ولكن في نفس الوقت يجب أن يكون سيد نفسه ومتحكما فيها لدرجة القدرة على التحلي بالصفات العكسية تماما عند الضرورة" ويستطرد قائلا:"يجب أن نعي جيد أنه من غير الممكن لأمير وخاصة إذا كان حديث العهد بالإمارة أن يحافظ في سيرته على كل ما يجعله بين الناس من الأخيار بل وكثيرا ما يضطر ولأجل الحفاظ على الدولة أن يقوم بأعمال وتصرفات ضد ما يؤمن به وتخالف إنسانيته دون رحمة وحتى ضد الدين يجب عليه إذن أن يكون صاحب روح مرنة مستعدة لمسايرة الريح وتقلبات الحظ الذي يحكمه ومثلما قلت يجب أن لا يترك طريق الخير قدر استطاعته وعند الضرورة يجب أن يعرف كيف يسلك طريق الشر."

يختم نيكولو ماكيافللي هذا الفصل الثامن عشر من مؤلفه الأمير بقوله:" يجب أن يحرص الأمير أن لا تفلت من لسانه كلمات لا تعبر عن الخصال الجيدة المذكورة سابقا حتى يبدو لدى رؤيته والإنصات إليه كله شفقة مؤمنا نزيها وخاصة متدينا فما يبرز للناس هو الأهم لأنهم لا يدركون حقيقتك بل يحكمون بما يرونه ظاهريا وقليل فقط من يدرك واقع الحال ولا يجرؤ على مواجهة رأي الكثيرين ممن تزيد قوتهم بفضل هيبة الدولة التي يدافعون عنها...ما يحسب في الأخير هو النتيجة ويجب على الأمير أن يفوز و يحفظ الدولة وستعتبر الوسيلة مشرفة وسيمدحها الناس فالعامة دائما يبهرون بالمظهر والأحداث..".

الغاية إذن تبرر الوسيلة حسب ماكيافللي وهي الأولوية وتصبح منهجا يقود السياسات ويطبع المواقف ليس عند قيادة حركة النهضة فقط بل لدى أغلب الطيف السياسي الوطني وما يعيشه البلد منذ سنوات وحتى اليوم في علاقة الأحزاب ببعضها وفي علاقتها بالمواطن أبلغ مثال على ذلك ولكن الأمر يكون أكثر وضوحا وأثره بالغ عندما تتخذه حركة في حجم وموقع النهضة في المشهد السياسي منهجا تضع به إستراتيجياتها وترسم به خططها وأظن ذلك ما ذهب إليه عبد الحميد الجلاصي في إستقالته بقوله:"(النهضة)هي بصدد التحول الى حزب ما يطلبه المستمعون دون تجذر قيمي و لا اجتماعي و كل شيء قابل للمقايضة من اجل ان نبقى نحن محور العملية السياسية و لكن من اجل اي رؤية و من اجل اي مشروع؟" لأضيف بدوري أنه بذلك يصبح أمير النهضة :"ماكيافللي" .


*نيكولو ماكيافللي : (3 مايو 1469 - 21 يونيو 1527) ولد وتوفي في فلورنسا،كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة ،أصبح مكيافيلي الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي. أشهر كتبه على الإطلاق، كتاب الأمير،والذي كان عملاً هدف مكيافيلي منه أن يكتب نصائح لـلحاكم ، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ماهو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية. ولقد فُصلت نظريات مكيافيلي في القرن العشرين.

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 199357

Mandhouj  (France)  |Dimanche 08 Mars 2020 à 06h 07m |           
في الأحزاب السياسية بصفة عامة ، هناك ياسر ناس تعبت ، و لم تعد تتحمل الفشل السياسي الحكومي في معالجة قضايا البطالة و تعطل المشاريع التنموية ، فتصب همها في النقاش السياسي الأحرف .. بمعنى ترجع لتحتمي بالداءرة الصغيرة التي يخيل دار امان، داءرة القيم الروحية أو داءرة الثوابت الاديلوجية .

فداءرة الثوابت الاديلوجية أو القيم الروحية، لها عديد منافع لصاحبها، تحقق له الأمن الروحي، ما يسمى الاطمءنان، و أنه داءماً على عهد مع الثوابت . لكن من مضارها على ذلك الفرد، تضيق له مساحة المشاركة و المساهمة الإجتماعية و السياسية. و هنا كبرى المعالجات النقدية تغيب و تكون غير كافية للمراجعات. و الاذكى من أولاءك الناس ، يبتعد دون إحداث صخب . و هذا قليلاً ما هم . يلزم الإنسان الفطن، يخلق مواقع فعل جديدة ، ينشط فيها ، حتى تأتيه لذة النشاط و العمل.