لماذا ''ترجّل'' المناضل التاريخي؟!



نصرالدّين السويلمي

أعلن القيادي النّهضاوي عبد الحميد الجلاصي عن وضع حدّ لمشواره مع حركة النّهضة، وتلك لا تعد خسارة مجرّدة لأنّ تلك الخسائر تنسحب على الأوزان الخفيفة والمتوسّطة، تنسحب على السطحي والشبه عميق وليس على العميق جدا، والثقيل جدا، هنا لن يخضع المشهد للربح والخسارة بقدر ما يخضع الهروب اللذيذ! البحث عن الراحة والتماس الخلاص الفردي بعيدا عن حركة تخوض معاركها على جبهات متعدّدة وحارقة، داخلية وخارجية. رفض الرجل الذي جابه بن علي وجابه السرطان وجابه الإغراءات وجابه الكبر والغرور، رفض الرجل النّظيف مواصلة معركته بشكل حرفي دون أن يخدش الجسم، لا أحد من بروليتاريا النّهضة الكادحة طلب منه أن لا يجابه ويفاوض ويحسّن من نسل مؤسّسات حركة تستحق الأفضل، فقط طلبوا منه أن يحافظ على الجسم وأن يكون الاحتكاك داخل البيت وليس في الشوارع والأنهج والأزقة ولا على أرصفة عبد الوهاب عبد الله، وإلا تحوّل الأمر إلى عربدة.



*تقديرات الجلاصي
لم يقرأ الجلاصي جيّدا وضع الغنّوشي داخل الحركة، ولا هو قرأ بشكل ذكي مفاهيم الحركات الإسلاميّة وعلاقتها بالزعيم وخاصّة بالرمز المؤسّس، ربّما أيضا يكون قد قرأ كلّ ذلك بشكل سليم لكن خانه الصبر وغلب عليه الإفراط في الشموخ فرفض الاقتراب أكثر من "المحرّك" لإصلاح أجدى وأكثر نجاعة، الجلاصي أيضا لم يراع في معاركه فارق الزمن ولا فارق الرمزيّة، وعوض أن يضع طموحه في مجابهة أو منافسة الطبقة الثانية انتقل هو إلى مجابهة طبقة التأسيس وأصبح يطلب الرأس المؤسّس صاحب اللّبنة الأولى، الرجل الذي ارتبط به اسم الحركة، أراد الجلاصي أن يخوض معاركه مع الغنّوشي باستعمال عصا الديمقراطيّة "السّاك" والمؤسّسات الجافّة، وتلك قراءة قانونيّة غير واقعيّة، تأزّمت أكثر واستحالت حين تتلفت قواعد النّهضة فتجد الغنّوشي تحت القصف اليومي المركّز من الثّورات المضادّة داخلية وإقليمية، وكلّما كانت الثّورة المضادّة أكثر قتامة كلّما كان الغنّوشي هدفها الأشهى! كيف إذا يلتقي الإصلاح الداخلي الذي يهجو الغنّوشي مع هجاء إعلام محمّد بن زايد والسيسي ومنابر الذئب الطبرقي! إنّه التقاطع حين يكون في خدمة الغنّوشي، وليس التقاطع للتشابه، فالجلاصي "البدري" ليس أكثر منه عداوة لبن زايد "الهتلري".

ما عرف عن عبد الحميد الجلاصي أنّه من المتواضعين الذين تركن إليهم الأفئدة، لذلك دعنا من مسألة صعوده إلى مستوى لبنة الجيل المؤسّس والغرور وسائر العبارات التي لا تنسحب على مناضل ثقة في حجم الجلاصي، لكن الأكيد عبد الحميد ارتضى إنزال الغنّوشي من منزلة الرمز المؤسّس، وعمل على تحييد تلك الرمزيّة ليكون النّزال متكافئا! أصلا كان الخطأ جسيما حين يتمّ إشعار الغنّوشي بأنّه تحت القصف، وأنّه محل تجاذبات داخل الحركة، كان يجب أن تدور معارك الطموح في محيط الغنّوشي وأكنافه ولا تستهدف رجلا ارتبطت الحركة باسمه وارتبط بها ولم يفكّر يوما في طلاقها، ولا حتى تنصّل ولا هو أسلمها، ثمّ كان يمكن التجاوز على رمزيّته والتجاسر عليه بتعلّة غياب المقدرة والكفاءة، لكن الرجل يشهد له الخصم قبل الصديق في فنّ الإدارة ثم في فن النجاح.. في المحصلة لقد خاض الجلاصي المعركة الخطأ، كان عليه وعلى الأطراف التي ترغب في خلافة الغنّوشي إدارة معاركهم بعيدا عنه وأن لا يستعجلوا خلعه أو رحيله، حتى اذا غيّبه الموت اصطفوا في جنازته يشيدون ويقسمون جهد أيمانهم أنّه من طينة الزعماء الكبار.. الآن تصلح الإشادة وليس حين يقضي القدر أمرا كان مفعولا.

كنّا ندرك أن التلويح للغنّوشي والتعريض به واستعجال رحيله سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات وقائيّة، لوّحوا له بعلويّة سلطة المؤسّسات فاستعمل معهم المؤسّسات! كانت النّهضة في غنى عن ذلك، كان يمكن الاقتراب أكثر من الرجل وطمأنته ودفعه إلى أخذ مسافة واحدة من الجميع، كان يمكن العمل على خلاف ما تسعى إليه نخب العارّ التي تمنح التكريم للأسماء وفق صدامها مع الهويّة، كان يمكن أن تعمل رموز النّهضة على تكريم الغنّوشي والإحاطة به وترسيمه رغم أنف محاكم التفتيش الثقافي في ذاكرة تونس وفي صدر أرشيفها الوطني، كان يمكن الصبر بعض الوقت على تفاصيل تنظيميّة مقابل تمتين الرمزيّة الوطنيّة لزعيم النّهضة، ثمّ مقابل أن يكون بمثابة الأبّ الروحي لكلّ الأشقاء والشقوق لكلّ الفرق والفرقاء داخل الجسم الواحد، كان يمكن أن يكون الأبّ، ومن ثمّ العمل على حماية الأبّ من الحيف بين أبنائه.. كان يمكن الكثير لو خفت الاستعجال وحسن الطلب.

حول الغنوشي طبقات ثلاث، واحدة اختارت أن تتعامل معه وفق تلك الحسابات الرياضية القانونية التي لا تراعي الأعراف ولا يهمها في تفاصيل الصورة، تلك طبقة متخففة تماما من الاباعد التاريخية وليس لها أبدا في مسائل الأبوة والرمزية، طبقة اخرى بين بين، تسعى الى التوفيق بين هذا وذاك، بين المؤسسات والرمزيات، وطبقة ثالثة ترى أن أي منافسة تكون ما وراء خطوط الرمز المؤسس، وانه لا سبيل لمحاولة ركن الرجل والتلويح له بالإقالة والتفرغ للسفر والتجول في الحدائق العمومية.


*لماذا يصعب منازلة الغنّوشي على أرض النّهضة؟

بعد انتخابات 2011 التي تكلّمت بلكنة برلمانيّة، لاح وكأنّ مؤسّسات النّهضة تأقلمت مع النّظام البرلماني حين نقلت روح الترويكا إلى داخل كيانها ورأينا نوعا من توزيع الأدوار بأشكال طوباويّة جميلة، لكن ومع إطلالة أزمة الاغتيالات التي شهدتها البلاد، وعمليّة الجبالي التي أراد من خلالها تجاوز الحركة والذهاب في فعل وطني فردي، وحين خيّم الانقلاب المصري وشرعت الثّورة المضادّة التونسيّة في استنساخ الكارثة المصريّة، هنا أطلّ رئيس الحركة من جديد، وتقدّم خطوة إلى الأمام، وحاول إدارة المعركة بعقل جمعي يكون فيه المنسّق، لكن الإيقاع المتسارع للهجمة واقتراب أنفاس الانقلاب من التجربة والأحداث التي أصبحت تفرّخ نفسها على مدار السّاعة، كلّها عوامل دفعت بزعيم النّهضة إلى تضيّيق مساحة القرار وتسريعه، ثمّ شرع يبحث له عن مرونة أكبر تمكّنه من الحركة في مساحة ضيّقة في حيّز زمني أضيق، لقد وصل النسق في البلاد إلى مرحلة قرارات الدقائق وليست الأشهر والأسابيع، هنا برزت مشكلة كبيرة، إمّا أن يستتب الأمر للمؤسّسات ويأخذ السلوك السّياسي للحركة بعده الهياكلي بحرفيّته وما يعني ذلك من "بيروقراطيّة" في زمن الموت الزاحف من مصر والطافح من الداخل، أو البحث عن عقل وازن ثقة يتمتع بمرونة استثنائيّة، هنالك انحصر القرار وظهرت سياسة التفويض ذات الأبعاد المزدوجة المفيد منها والمبيدة.. فرصة اقتنصها الغنّوشي وأدار واحدة من أخطر المعارك السّياسيّة التي خاضتها النّهضة كما الثّورة.. فكانت المصيبة على البعض والبشرى للبعض الآخر! لقد نجح الغنّوشي وكشف عن وجهه الجديد في الاختبار السّياسي الأصعب منذ انطلاق مسيرته أواخر الستينات، نجاح سيكون له ما بعده...
تمكّنت المفاوضات والتنازلات التي جنّبت البلاد سيناريو المستنقع المصري والتي قادت إلى التوقيع على أول دستور تونسي ديمقراطي، تمكّنت من تزويد زعامة الغنّوشي للنّهضة بجرعة كبيرة مبشّرة لأنصار النّهضة "القويّة" منفّرة لأنصار النّهضة "الديمقراطيّة"..ثمّ كان أن خاض الغنّوشي واحدة من أعقد العمليّات السّياسيّة وأكثرها تشويقا، انطلقت بشراكة صوريّة تحت الرعاية السّامية للذات الباجيّة، وانتهت بتفكيك نداء تونس ومنع السبسي من إسقاط الحكومة وإعادته إلى ما وراء خطوط الصلاحيّات الرئاسيّة.
بعد تلك المعركة أصبح من المستحيل منازلة الغنّوشي القديم لصالح الزعيم الجديد، فالرجل مارس فنّ التجديد، وانتهت قصّة القديم المتصلّب وأصبح القديم علامة فاقعة للمرونة، لقد أسّس الغنّوشي لنوعيّة أخرى من الانتصارات لم تعهدها الحركات الإسلاميّة ولا حتى القوميّة واليساريّة، لخّصها الرجل في كلمة حين قال: إن خسرنا السلطة فسنعود إليها، وإن خسرنا الحرّيّة فقد خسرنا كلّ شيء"، وفعلا ضحّى الغنّوشي بالكثير من زخم النّهضة ووهجها مقابل الحفاظ على الحرّيّة، لكنّ حركته عادت إلى السلطة وظلّت الحرّيّة لم يمسسها سوء.


*المهمّة الصّعبة

تبدو مهمّة الجلاصي التي استقال من أجلها صعبة بل مستحيلة، يصعب إقناع الرأي العامّ النّهضاوي أنّه الأصدق والأكثر نزاهة من رموز مثل العريض والبحيري والهاروني والمكّي، أيضا يصعب عليه إقناع الرأي العامّ النّهضاوي أنّه الندّ المنطقي للغنّوشي، يصعب أيضا إقناعهم أنّ الإستقالة تعني الولاء الكامل للجسم والإشفاق عليه، كما يصعب إقناعهم أنّ الإستقالة جاءت بعد أنّ تفطّن إلى ما لم يتفطّن له كلّ أبناء النّهضة بمختلف شرائحهم... الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقنع الرأي العامّ النّهضاوي، أن يعود هذا القيادي المرموق عن استقالته الجارحة لثقافة الولاء والصبر والإيثار، وأن يضع نفسه في مقام جيل نموت هنا ونحيا هنا، وليس جيل التخلّي حين تبدأ الشمس في الانحناء وتنطلق رحلة غروبها، يجب أن يدرك الجلاصي أنّ تيّارين فقط من المشهد الإسلامي برمّته نجحا في الحفاظ على وحدتهما خلال المنحة والمحنة، الإخوان في مصر وحركة النّهضة في تونس، تصارع جماعة الإخوان من أجل الثبات تحت أنياب المحنة وتصارع النّهضة من أجل التماسك تحت خمرة المنحة.. نجح الإخوان هناك في التماسك تحت مجنزرات السيسي ومازال الله يسترهم من" إذ انبعث أشقاها"، وتنجح النّهضة هنا في الحفاظ على وحدتها ومازال الله يحفظها من" إذ انبعث أشقاها".

*مع من يدور الصواب؟

يدور الصواب مع جسم متماسك، نجحت في تأهيله الكثير من اسماء السطح وأكثر منها من الأسماء التي يعرفها الميدان ولا تعرفها الصورة ولم يتناقلها الخبر، يدور الصواب مع الايثار ومع المعالجات الدافئة التي لا تمل ولا تكل، يدور مع الوعي الذي يدرك ان كل المعارك التي خاضتها الأحزاب التونسية وفشلت فيها هي معارك التماسك والتجانس والحفاظ على وحدة الكيان، يدور الصواب مع كل الذين يعتقدون ان عملية الاصلاح الداخلي سنة ماضية وأن وحدة الكيانات فريضة ماضية.

Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 199236

Karimyousef  (France)  |Jeudi 05 Mars 2020 à 17h 54m |           
لا بنبغي ابدا ان تنسى أننا نتحدث عن اناس مثل الجميع و بالتالي هناك نرجسيات و اختلافات و مواقع .هذا الرجل عاني الأمرين في سجون بنعلي و قضي شبابه في المحن .و هاهو الآن على عتبة الستين يقيم حياته و بالتالي من الطبيعية ان يتساءل لماذا اصرار الغنوشي على أخذ كل المناصب.

Karimyousef  (France)  |Jeudi 05 Mars 2020 à 15h 54m |           
Certes ghanouchi est l'objet d'attaques de beaucoup d'adversaires.mais cela ne doit pas être une excuse pour faire taire tout examen de critique de ses actions.
D'abord Ghannouchi n'apporte pas de sérénité au parlement,au contraire sa présence attisé les tensions.
Ensuite,il semble qu'il y ait beaucoup d'arrivistes qui se sont rassemblés autour de lui parce qu'il était au pouvoir.
Enfin,rester 50 ans à la tête d'un parti politique est antidémocratique et prouve que ce monsieur n'a aucune envie de passer le relais,il attend l'inaptitude totale ou la mort .ce n'est pas normal dans un parti qui se veut démocratique.
Bref,Les questions posées par Monsieur jlassi sont légitimes.