مريم هاني
صعب جدّا أن ترتدي فتاة لا تعتبر شعرها عورة ولا صوتها عورة ولا كونها فتاة عورة الحجاب.
منذ فترة كنت أتابع الدكتور طارق السويدان في سلسلة حصاد الفكر وهي بالمناسبة سلسلة متوفرة على اليوتيوب أنصح بمشاهدتها. تحدث في احدى حلقات البرنامج عن "الهوية". ماهي الهوية؟ ما الذي يجعل منك انت؟ وما الذي يجعل منه هو هو؟.
الهوية هي السمات + القيم التي تميز فردا أو مجتمعا ما. يقول الله سبحانه وتعالى "صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ". والصبغة هنا تأتي بمعنى الهوية. هذه الهوية تنقسم إلى جزئين، العناصر والمظاهر. أمّا العناصر فهي الدين والقيم والأخلاق والفكر والجغرافيا (أن تكون عربي، فارسي ... تونسي، هندي ...)، اللغة، التاريخ ... وأمّا المظاهر فهي الملابس، الفن، العمران، العادات، الأدب ...
العناصر ثابتة، فنحن نولد مسلمين بالفطرة فنتحدث العربية ولا سلطة لنا على تاريخنا ولا على انتماءنا الجغرافي. القيم و الأخلاق مُؤَسس لها من قبل الدين ونحن مطالبون بالالتزام بها. أما المظاهر فهي مفتوحة للناس لكنها محدودة بالأخلاق والأحكام المجمع عليها وبالنص (أحيانا). يقول الدكتور طارق السويدان "العناصر تمسّكوا بها والمظاهر تخلّقوا بها". أي اجعلوا من المظاهر انعكاسا للعناصر. وأنا أرى في الحجاب انعكاسا لفكري وتصوّري وفهمي.
كنت قد قلت في بداية هذا المنشور أن شعري ليس عورة. الحجاب لم يُفرض لحماية المرأة، لأن المحجّبة كغيرها من النساء تتعرض للاعتداء والتحرش. ولم يُفرض لتنظيم العلاقات بين الجنسين، فالعلاقات قد تكون منظّمة أكثر في دول ومجتمعات لا ترتدي فيها المرأة الحجاب. ولم يُفرض لخلق نوع من التمييز بين "المحجّبات" و"السّافرات"، فديننا لا يُميّز ولا فضل في الإسلام لفرد على اخر إلّا بالتقوى. ولَم يُفرض لمساعدة الرّجل على التحكّم في غرائزه لأننا لا نعيش مع حيوانات ولا نسطّر حياتنا وفقا لغرائز وهورمونات الرجل.
وكنت دائما بيني وبين نفسي أتسائل إن كان الغرض من وراء الحجاب السترة فلماذا لم يُفرض الاحتشام بدون غطاء الرأس؟. فعديد السافرات محتشمات في لبسهن أكثر من المحجّبات. لكن فسّرت هذا بالحرب التي شُنّت على الحجاب تاريخيا، بن علي في تونس أو حتّى أتاتورك (في تركيا وبعد انقلاب 1997، أجبر أربكان على امضاء اتفاقية واحد من بنودها هو منع الحجاب في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية ) وغيرهم لم يمنعوا اللبس المحتشم بل منعوا الحجاب وجعلوا من ارتداءه جرما. الحرب شُنّت على الحجاب كمكوّن لهوّية غير مرحّب بها وكرمز لفكر مختلف في دولة لا تقبل بالتعددية وتسعى إلى تغريب المجتمع. والحجاب فُرض لنفس الأسباب التي مُنع من أجلها: الهوية والرمزية!.
الأكيد هو أن الهوية ليست فستان standard يلبسه الجميع. تفاصيل الهوية وحدودها ومقوّماتها تعود إلى فكر وتصوّرات وفهم الفرد. الصورة التي يراني بها الناس في الشارع هي جزء من سلوك كامل يعبّر عن تصوّري لهذا الدين وأفكاري واقتناعاتي. لهذا الحجاب لا يجب أن يكون قطعة قماش تضعينها كل صباح. ارتداءه عن وعي هو الذي سيجعلك تتمسكين به وتعودين إليه إذا تركتيه. سلوك ارتداء الحجاب يجب أن يكون مبني على قاعدة فكرية صلبة. الحجاب مثقل بالمعاني فلا تجعلوا ارتداءه مجرّد روتين، ارتدوه كل يوم عن قصد وعن معنى وعن فهم وعن غاية.
نحن في مجتمع ينظر للمتحجبة بعين النفرة ويعاملها بسلوك يسوده الاقصاء (قالت لي صحفية تونسية أنني لن أجد لنفسي مكانا في شاشات التلفاز لأنني متحجّبة و المتحجّبة تخفي نصف الحقيقة ... لن أردّ عليها الان. أؤجل الرد لقادم الأيام)... أفهم وأتفهّم أن ترتادكن الشكوك والوسوسات في مجتمع يعاملكن بهذه الطريقة. لكن لا طريق لاجتثاث الشكوك والتردد غير الفهم. لا ثابت ولا باقي سوى ما بني على الفهم الصحيح والتفكّر.
هذا البوست قد لا يناسب بروفايل بنت وجدت لنفسها مكانا في الساحة السياسية "الليبيرالية" ودائرة المجتمع المدني. لكن أنا أدعوكم للتواجد في هذه الدوائر بهويّاتكم وسمتكم وصورتكم التي تمثلكم أنتم. ليس مطلوب منكم أن تتقمصوا الصورة النمطية السائدة. تمسّكوا بهويتكم وقدّروها لكي يقدّرها غيركم.
ملاحظة: الثوب الفلسطيني في الصورة هو جزء من هويّتي كذلك ... وأنا أؤمن بما قاله محمود درويش " احمل بلادك أنى ذهبت .. كن نرجسيا إذا لزم الأمر كي يعرفوك". وأنا لم أشعر بالعزّة والشموخ والسكينة من قبل كما أحسستها في هذا اللباس: الثوب الفلسطيني والحجاب.
احملوا هويّتكم وقضاياكم أنى ذهبتم ... ودعوا مفاتيح عودتكم تلازمكم فإنّ أبواب الأرض تنتظر من يدّقها وإنّ الديار اشتاقت أهلها و إنّ غدا لناظره قريب.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صعب جدّا أن ترتدي فتاة لا تعتبر شعرها عورة ولا صوتها عورة ولا كونها فتاة عورة الحجاب.
منذ فترة كنت أتابع الدكتور طارق السويدان في سلسلة حصاد الفكر وهي بالمناسبة سلسلة متوفرة على اليوتيوب أنصح بمشاهدتها. تحدث في احدى حلقات البرنامج عن "الهوية". ماهي الهوية؟ ما الذي يجعل منك انت؟ وما الذي يجعل منه هو هو؟.
الهوية هي السمات + القيم التي تميز فردا أو مجتمعا ما. يقول الله سبحانه وتعالى "صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ". والصبغة هنا تأتي بمعنى الهوية. هذه الهوية تنقسم إلى جزئين، العناصر والمظاهر. أمّا العناصر فهي الدين والقيم والأخلاق والفكر والجغرافيا (أن تكون عربي، فارسي ... تونسي، هندي ...)، اللغة، التاريخ ... وأمّا المظاهر فهي الملابس، الفن، العمران، العادات، الأدب ...
العناصر ثابتة، فنحن نولد مسلمين بالفطرة فنتحدث العربية ولا سلطة لنا على تاريخنا ولا على انتماءنا الجغرافي. القيم و الأخلاق مُؤَسس لها من قبل الدين ونحن مطالبون بالالتزام بها. أما المظاهر فهي مفتوحة للناس لكنها محدودة بالأخلاق والأحكام المجمع عليها وبالنص (أحيانا). يقول الدكتور طارق السويدان "العناصر تمسّكوا بها والمظاهر تخلّقوا بها". أي اجعلوا من المظاهر انعكاسا للعناصر. وأنا أرى في الحجاب انعكاسا لفكري وتصوّري وفهمي.
كنت قد قلت في بداية هذا المنشور أن شعري ليس عورة. الحجاب لم يُفرض لحماية المرأة، لأن المحجّبة كغيرها من النساء تتعرض للاعتداء والتحرش. ولم يُفرض لتنظيم العلاقات بين الجنسين، فالعلاقات قد تكون منظّمة أكثر في دول ومجتمعات لا ترتدي فيها المرأة الحجاب. ولم يُفرض لخلق نوع من التمييز بين "المحجّبات" و"السّافرات"، فديننا لا يُميّز ولا فضل في الإسلام لفرد على اخر إلّا بالتقوى. ولَم يُفرض لمساعدة الرّجل على التحكّم في غرائزه لأننا لا نعيش مع حيوانات ولا نسطّر حياتنا وفقا لغرائز وهورمونات الرجل.
وكنت دائما بيني وبين نفسي أتسائل إن كان الغرض من وراء الحجاب السترة فلماذا لم يُفرض الاحتشام بدون غطاء الرأس؟. فعديد السافرات محتشمات في لبسهن أكثر من المحجّبات. لكن فسّرت هذا بالحرب التي شُنّت على الحجاب تاريخيا، بن علي في تونس أو حتّى أتاتورك (في تركيا وبعد انقلاب 1997، أجبر أربكان على امضاء اتفاقية واحد من بنودها هو منع الحجاب في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية ) وغيرهم لم يمنعوا اللبس المحتشم بل منعوا الحجاب وجعلوا من ارتداءه جرما. الحرب شُنّت على الحجاب كمكوّن لهوّية غير مرحّب بها وكرمز لفكر مختلف في دولة لا تقبل بالتعددية وتسعى إلى تغريب المجتمع. والحجاب فُرض لنفس الأسباب التي مُنع من أجلها: الهوية والرمزية!.
الأكيد هو أن الهوية ليست فستان standard يلبسه الجميع. تفاصيل الهوية وحدودها ومقوّماتها تعود إلى فكر وتصوّرات وفهم الفرد. الصورة التي يراني بها الناس في الشارع هي جزء من سلوك كامل يعبّر عن تصوّري لهذا الدين وأفكاري واقتناعاتي. لهذا الحجاب لا يجب أن يكون قطعة قماش تضعينها كل صباح. ارتداءه عن وعي هو الذي سيجعلك تتمسكين به وتعودين إليه إذا تركتيه. سلوك ارتداء الحجاب يجب أن يكون مبني على قاعدة فكرية صلبة. الحجاب مثقل بالمعاني فلا تجعلوا ارتداءه مجرّد روتين، ارتدوه كل يوم عن قصد وعن معنى وعن فهم وعن غاية.
نحن في مجتمع ينظر للمتحجبة بعين النفرة ويعاملها بسلوك يسوده الاقصاء (قالت لي صحفية تونسية أنني لن أجد لنفسي مكانا في شاشات التلفاز لأنني متحجّبة و المتحجّبة تخفي نصف الحقيقة ... لن أردّ عليها الان. أؤجل الرد لقادم الأيام)... أفهم وأتفهّم أن ترتادكن الشكوك والوسوسات في مجتمع يعاملكن بهذه الطريقة. لكن لا طريق لاجتثاث الشكوك والتردد غير الفهم. لا ثابت ولا باقي سوى ما بني على الفهم الصحيح والتفكّر.
هذا البوست قد لا يناسب بروفايل بنت وجدت لنفسها مكانا في الساحة السياسية "الليبيرالية" ودائرة المجتمع المدني. لكن أنا أدعوكم للتواجد في هذه الدوائر بهويّاتكم وسمتكم وصورتكم التي تمثلكم أنتم. ليس مطلوب منكم أن تتقمصوا الصورة النمطية السائدة. تمسّكوا بهويتكم وقدّروها لكي يقدّرها غيركم.
ملاحظة: الثوب الفلسطيني في الصورة هو جزء من هويّتي كذلك ... وأنا أؤمن بما قاله محمود درويش " احمل بلادك أنى ذهبت .. كن نرجسيا إذا لزم الأمر كي يعرفوك". وأنا لم أشعر بالعزّة والشموخ والسكينة من قبل كما أحسستها في هذا اللباس: الثوب الفلسطيني والحجاب.
احملوا هويّتكم وقضاياكم أنى ذهبتم ... ودعوا مفاتيح عودتكم تلازمكم فإنّ أبواب الأرض تنتظر من يدّقها وإنّ الديار اشتاقت أهلها و إنّ غدا لناظره قريب.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





Om Kalthoum - فكروني
Commentaires
1 de 1 commentaires pour l'article 198923