منع تعدد الزوجات مكسب افتراضي في غياب الانجازات الحقيقية



كريم السليتي

لقد ملّ المواطن التونسي اللغة الخشبية التي صُدّعت بها آذان التونسيين طوال 65 سنة حول "المكاسب الحداثية للمرأة التونسية" والتي تُختصر في منع تعدد الزوجات واعتبار ذلك أكبر انجاز تاريخي تم تحقيقه. لقد ملّ المواطن التونسي هذه الترهات، والمبالغات وتصوير التفاهات على أنها منجزات عملاقة في ظل غياب الانجازات العملاقة الحقيقية وتتالي التجارب التنموية الفاشلة في تونس.




المواطن التونسي يعلم بأنها شعارات سياسية فضفاضة ترفعها الأنظمة الموغلة في العلمانية في تونس للتغطية على العجز عن بناء دولة حديثة ومتطورة حقيقية. إلى متى يتحمل المجتمع التونسي التكلفة الاجتماعية العالية لهذه القوانين التي أسهمت في الرفع في نسب العنوسة والطلاق والتفكك الأسري إلى مستويات غير مسبوقة. إلى متى التغاضي عن الآلام والمآسي الاجتماعية، إلى متى هروب الدولة إلى الأمام وتغافلها عن كل هذه المعاناة الاجتماعية لفئات واسعة من الشعب التونسي. إلى متى التمادي في ثقافة المنع مع كل ما هو موروث إسلامي وتطبيق ثقافة الاباحة مع كل ما هو تغريبي؟



ثم ان المواطن التونسي يتساءل: طيب لدينا "المكاسب الحداثية للمرأة التونسية" منذ نصف قرن فماذا جنينا مقابلها؟ هل تحصلت امرأة تونسية على احدى جوائز نوبل، لا، بالعكس تحصلت عليها امرأة يمنية. هل أصبحت المرأة التونسية رئيسة وزراء أو رئيسة دولة أو حتى وزيرة داخلية أو عدل أو خارجية أو دفاع؟ لا، يحدث هذا في باكستان وسريلنكا وبنقلاداش لكن ليس في تونس. هل صعدت امرأة تونسية للفضاء، لا، بل حققته امرأة من أصول إندونيسية.



اذن ما الفرق بين الدول الاسلامية الاخرى التي ليس بها "مكاسب حداثية للمرأة" وتونس الرائدة في الحداثة؟ لا شيء سوى أننا نعاني من نسب طلاق هي الأعلى في العالم، وانعدام التوازن الّأسري في كثير من العائلات (كي لا نقول انتشار الخيانة الزوجية) وما ينجر عنه من أثار سلبية على الاطفال من اضطرابات نفسية وفشل مدرسي وحتى شذوذ في بعض الاحيان. نعاني أيضا من أبشع استغلال وتحرش جنسي بالنساء خاصة في وسائل النقل العمومية وأماكن العمل، الفتاة التونسية تعاني من تأخر سن الزواج وشبح العنوسة واستغلالها ماديا بعد الزواج بتعلة المساواة وإذا طُلقت أو أصبحت أرملة فإن حظوظها في الزواج تصبح تقريبا منعدمة – فمن يسمع من الحداثيين معاناتها؟



عند الحديث عن تعدد الزوجات يذهب تفكير البعض مباشرة للجانب الجنسي من المسألة، وفي الحقيقة فإن الجانب الجنسي ليس سوى la cerise sur le gateau لأن الحياة الزوجية أوسع وأشمل بكثير من مجرد العلاقة الحسية.



والاسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يتزوج سوى بكرا واحدة فقط. وبالتالي فإن هدف تعدد الزوجات هو كفالة المرأة المسلمة مهما كانت وضعيتها الاجتماعية (بكر، مطلقة، ارملة...) وضمان عزتها وكرمتها وعدم امتهانها أو تركها فريسة سهلة للقلوب المريضة والنفوس الدنيئة وعبّاد الشهوة.



ثم أليس الحداثيون من العلمانيين و الالحاديين دعاة للحرية المطلقة، فلماذا في هذه النقطة بالذات يتشبثون بمنع التعدد و يجيزون تعدد الخليلات و العلاقات العابرة خارجة الزواج، بل و يشجعون على التحرر من الضوابط الاجتماعية و ينادون بحرية التصرف في الجسد و ...و... أليس في هذا تناقض كبير، أم أن كل همهم هو مخالفة القرآن والسنة وجر المسلمين الى الوقوع في الحرام وتطبيعه في حياتهم.



لنترك للمرأة الحرية في الاختيار وللرجل كذلك. أم أننا لابد أن نلتزم بالديانة النصرانية المحرفة التي تمنع التعدد وتحرم الطلاق الى الأبد، أليس في منع التعدد اقتداء بالنصرانية ومخالفة للنصوص القرآنية التي أجازت التعدد لمن يستطيع.

ثم أنظر كيف جعلوا من منع التعدد نصا مقدسا لا يقبل النقد بل واعتبروا كل من ينتقده وكأنه كذب بمحرقة اليهود. وربما لو فاز العلمانيون بالانتخابات لجرموا من ينتقد منع التعدد. والدليل على ذلك منع النشر في هذا الموضوع في كل الجرائد التونسية تقريبا و عدم طرحه للنقاش على شاشات التلفزة و في الاذاعات، اللهم الا لكيل السب و الشتيمة لمن ينادي بالحرية –حرية التعدد- و اعتبار من يفعل ذلك رجعيا و ظلاميا و متنازلا عن المكاسب الحداثية للمرأة. بل إني أقول إنه من النادر وجود كتابات تنادي صراحة بطرح الموضوع على النقاش وبالقضاء على هذا "الطابو" الذي لازمنا أكثر من نصف قرن، علينا أن نتحرر من الخوف ونتجرأ على المواضيع التي صُنمت وأُلهت، في حين أنها مباحة في ديننا ودنيانا ومطروحة للنقاش بل ومباحة في جميع الدول الاسلامية وحتى الغربية. لذلك فإننا مدعوون لتغيير النموذج الفكري السائد داخل كل واحد منا "Paradigm shift" والذى يطبع علاقتنا بالتعدد وقبول هذا الموضوع، وعدم تصنيفه من المنوعات أو من الخطوط الحمر.



عندما أقول هذا الكلام فهذا لا يعني أن كل التونسيين سيعددون وأن حلمهم هو الزواج بأكثر من واحدة، ولكن حلم كثير منا هو ألا يمنع ما أحل الله وأن نتقي الله في نسائنا اللاتي وصى النبي الأكرم بإكرامهن وعدم اذلالهن وبأن يبقين عزيزات. لا نريد أن نرى المرأة التونسية محتاجة، تعرض مفاتنها في إعلانات الحذاء والسيارة والثلاجة كي تكسب القليل من المال لتعيل نفسها وعائلتها، وعندما تكبر وتهرم يلقى بها على قارعة الطريق، لا نريد أن نراها عانسا ينظر إليها الطيبون بالشفقة والخبيثون بالطمع في جسدها. نريدها مكرمة عزيزة ومصونة متوازنة في بيتها مع زوجها وأبنائها، نريد أن نراها عقلا وعلما وعفة وحياء... لا إغراء وميوعة.



* كاتب وباحث تونسي



Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 197746