نصرالدين السويلمي
بعيدا عن صراعات التموّقع، بعيدا عن مغالبات السفسطة، وأيضا بعيدا عن العامل المذهبي، دعونا نبحث في علاقتهم النّامية بروسيا وإيران وعلاقة التوجّس التي نحملها تجاه روسيا وإيران، نتحدّث هنا عن الثّورات العربيّة بمعزل عن بقيّة القضايا، فشبكات المصالح المتشعّبة لم تعد تسمح بذلك الربط الأبله الساذج على غرار "الصين تقف في وجه أمريكا، إذا الصين صديقتنا" وعلى وقع "كيم هدّد واشنطن إذا كيم هو الزعيم الملهم"، وإن فعلنا وتورّطنا في ذلك الخلط، إذا نحن نكذب على أنفسنا وكيم يكذب على الأغبياء والصين تكذب على الأشقياء وأمريكا تكذب على الجميع.
من الواضح أنّ التيّار القومي والآخر اليساري وجانب لا بأس به من سلالة الأزلام، من الواضح أنّ تلك القوى المنتظمة حزبيا والنّافذة في المؤسّسات الإجتماعيّة والإعلاميّة تعمل على إضفاء الطهر المقدّس على سلوك الروس والإيرانيّين في المنطقة، وتقوم بتبيض جرائمهم وتقديمها كمنجزات بطوليّة التحم فيها الدّم الروسي بالدّم الفارسي بالدّم العروبي على أرض المعركة، وإن كانت صورة وأصنام رموز الدولة الإيرانيّة تملأ سوريا والعراق وبيروت وصنعاء، فإنّ البعض اقترح إنجاز تمثالا من البرونز للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لينتصب في قلب دمشق كعربون وفاء!
فلماذا تعشق قوى الردّة وقوى المُخاتلة الثّورية موسكو وطهران ولماذا نحذّر من نوايا البلدين؟ يحتاج ذلك إلى التجرّد والاستعداد للفهم وليس للمغالبة، يحتاج الى الباحث عن الحقيقة عبر تضميد المعطيات، ولا يحتاج إلى التفكير من داخل الداموس الستاليني، ولا من رتل الدبّابات الرثة، تلك التي جاءت في الستينات لترمي إسرائيل في البحر فساعدت الكيان على التوسّع وألقت بأحلام الشعوب العربيّة في برمودا الضياع.
تدرك القوى التي تعلّق قلبها بإيران وروسيا أنّها وحتى تظلّ على السطح السّياسي عليها أن لا تفتح صناديق الاقتراع على مصراعيها، بل يتحتّم عليها أن تعتمد الديمقراطيّة الحربيّة! قبل ذلك كانوا يحتاجون فقط إلى السلطة الحربيّة دون ديمقراطيّة، كان يكفي أن يهتف الزعيم بالقوميّة العربيّة ويدسّ الاشتراكيّة في أحد خطبه، لا يهم إن كان فعل ذلك تحت وقع الماريغوانا أو عبر تأثير الكوكايين، كان يكفيهم ذلك لتسليمه رقاب الشعوب، المهمّ أنّه قال كلمة السرّ البلهاء، أمّا اليوم وأمام تمدّد الديمقراطيّة وانتشار ثقافة حقوق الإنسان وتلفزتها وانفلاتها من المراقبة الرسميّة وانسيابها في فضاء العولمة، أصبح لا مناص من تغليف الدكتاتوريّات بشيء من الديمقراطيّة الهزليّة، تماما كصفوف الغلابة في مصر حين يحشرون لتأدية مراسم الانتخاب الجنائزي.
ولانّ روسيا تمثّل النموذج الذي تحتاجه القوى المرعوبة من التحرير الكامل للإرادة الانتخابيّة، وتصنّف ضمن دول الاستقرار النصف عنيف، ولأنّ إيران تضبط إيقاع ديمقراطيّتها بطريقة لا يمكن أن تخرج عن مُقرّرات قم، ولأنّها تصنّف ضمن دول الاستقرار العنيف، لذلك تركن قوى المخاتلة الثّورية إلى هذا النوع من الأنظمة لأنّه يمثل الأمل في وصولها إلى السلطة أو أقلّه لإبقائها تحت المجهر السّياسي وحمايتها من الانقراض، تلك القوى تدرك جيدا أنّ الحطب الأيديولوجي المحنّط بأصنافه الشيوعي العروبي الإسلامي لا يمكن أن يعمّر في زمن الشعوب التي استباحت الحواجز العسكريّة وهشّمت كلّ الأضواء الحمراء التي صنعتها الشموليّة لتسهيل التحكّم في تدفق جرعات الحريّة.
نحن ندعوهم اليوم إلى التخلّص من وهم الوصول إلى السلطة عبر الديمقراطيّات الشكليّة المسيّجة، ندعوهم إلى الانتهاء من الرهان على عسكرة الحريّة ومدفعَة الديمقراطيّة، ندعوهم إلى وضع جميع بيضهم في سلّة الشعوب، والتوقف الفوري عن الرهان على اقتناء الدولة بضمانات عسكرية، فالشعوب حين تمنحك اصواتها تنصّبك عليها ثم تنصرف الى شؤونها، أما الدبابة فحين تمنحك الانتصار إنما تحولك الى سلّم مدني تصعد فوقه لعسكرة القصور السيادية، الثكنات حين تصطف معك لا تمنحك النصر السياسي وإنما تمنحك العار الصباحي والخزي البرادعي! وإنكم لأنتم الأدرى بأنّ ميزانيّات كاملة تصرف لحماية الحاكم في الأنظمة الشموليّة، ميزانيات مرصودة لحماية الجلاد بطون الشعوب والمدارس والمرافق أولى بها.
ثمّ على هذه القوى التائهة المرتبكة أن تدرك أنّها ستكون ضحيّة في كلّ الحالات، فأن تكون ضحيّة شريفة تقضي عليها الديمقراطيّة في صورتها الحاليّة وتجبرها الشعوب على إعادة إنتاج نفسها بما يتوافق مع العصر الحرّ، خير من أن تنتحر من خلال التمكين للنموذج الروسي الإيراني، فإن كان الخيار روسيا، فلا شكّ أنّ الأزلام هم الذين سيحكمون، لأنّ بوتين عميل الكا جي بي يعيد إنتاج التسلّط السوفييتي القديم مع غمسه في سوق المال المتوحّش والاستسلام إلى التجربة الروسيّة يعني الاستسلام إلى الأنظمة القديمة، أمّا الاستنجاد بالتجربة الإيرانيّة المحروسة دينيّا، فهذا يعني تسليم الأمر الدينية الشموليّة! إذا أنتم تتمسّحون بنماذج ستقودكم إلى ديكتاتوريّة زلميّة أو إسلاميّة، أوليس خيرا لكم أن تستسلموا إلى الصناديق التي ستقودكم إلى ديمقراطيّة زلميّة أو إسلاميّة وتفتح لكم باب الاجتهاد لعلّها تأتي دولتكم حين تنصرفون من أمام الثكنات وتنزلون من على أسطح المنظّمات الإجتماعيّة وتغوصون في شارع النّاس، وتحبّون تونس أكثر من حبّكم لحفتر وتحلمون بريادة سبعطاش ديسمبر بدل حلمكم البائس بكورونا 30 يونيو.
بعيدا عن صراعات التموّقع، بعيدا عن مغالبات السفسطة، وأيضا بعيدا عن العامل المذهبي، دعونا نبحث في علاقتهم النّامية بروسيا وإيران وعلاقة التوجّس التي نحملها تجاه روسيا وإيران، نتحدّث هنا عن الثّورات العربيّة بمعزل عن بقيّة القضايا، فشبكات المصالح المتشعّبة لم تعد تسمح بذلك الربط الأبله الساذج على غرار "الصين تقف في وجه أمريكا، إذا الصين صديقتنا" وعلى وقع "كيم هدّد واشنطن إذا كيم هو الزعيم الملهم"، وإن فعلنا وتورّطنا في ذلك الخلط، إذا نحن نكذب على أنفسنا وكيم يكذب على الأغبياء والصين تكذب على الأشقياء وأمريكا تكذب على الجميع.
من الواضح أنّ التيّار القومي والآخر اليساري وجانب لا بأس به من سلالة الأزلام، من الواضح أنّ تلك القوى المنتظمة حزبيا والنّافذة في المؤسّسات الإجتماعيّة والإعلاميّة تعمل على إضفاء الطهر المقدّس على سلوك الروس والإيرانيّين في المنطقة، وتقوم بتبيض جرائمهم وتقديمها كمنجزات بطوليّة التحم فيها الدّم الروسي بالدّم الفارسي بالدّم العروبي على أرض المعركة، وإن كانت صورة وأصنام رموز الدولة الإيرانيّة تملأ سوريا والعراق وبيروت وصنعاء، فإنّ البعض اقترح إنجاز تمثالا من البرونز للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لينتصب في قلب دمشق كعربون وفاء!
فلماذا تعشق قوى الردّة وقوى المُخاتلة الثّورية موسكو وطهران ولماذا نحذّر من نوايا البلدين؟ يحتاج ذلك إلى التجرّد والاستعداد للفهم وليس للمغالبة، يحتاج الى الباحث عن الحقيقة عبر تضميد المعطيات، ولا يحتاج إلى التفكير من داخل الداموس الستاليني، ولا من رتل الدبّابات الرثة، تلك التي جاءت في الستينات لترمي إسرائيل في البحر فساعدت الكيان على التوسّع وألقت بأحلام الشعوب العربيّة في برمودا الضياع.
تدرك القوى التي تعلّق قلبها بإيران وروسيا أنّها وحتى تظلّ على السطح السّياسي عليها أن لا تفتح صناديق الاقتراع على مصراعيها، بل يتحتّم عليها أن تعتمد الديمقراطيّة الحربيّة! قبل ذلك كانوا يحتاجون فقط إلى السلطة الحربيّة دون ديمقراطيّة، كان يكفي أن يهتف الزعيم بالقوميّة العربيّة ويدسّ الاشتراكيّة في أحد خطبه، لا يهم إن كان فعل ذلك تحت وقع الماريغوانا أو عبر تأثير الكوكايين، كان يكفيهم ذلك لتسليمه رقاب الشعوب، المهمّ أنّه قال كلمة السرّ البلهاء، أمّا اليوم وأمام تمدّد الديمقراطيّة وانتشار ثقافة حقوق الإنسان وتلفزتها وانفلاتها من المراقبة الرسميّة وانسيابها في فضاء العولمة، أصبح لا مناص من تغليف الدكتاتوريّات بشيء من الديمقراطيّة الهزليّة، تماما كصفوف الغلابة في مصر حين يحشرون لتأدية مراسم الانتخاب الجنائزي.
ولانّ روسيا تمثّل النموذج الذي تحتاجه القوى المرعوبة من التحرير الكامل للإرادة الانتخابيّة، وتصنّف ضمن دول الاستقرار النصف عنيف، ولأنّ إيران تضبط إيقاع ديمقراطيّتها بطريقة لا يمكن أن تخرج عن مُقرّرات قم، ولأنّها تصنّف ضمن دول الاستقرار العنيف، لذلك تركن قوى المخاتلة الثّورية إلى هذا النوع من الأنظمة لأنّه يمثل الأمل في وصولها إلى السلطة أو أقلّه لإبقائها تحت المجهر السّياسي وحمايتها من الانقراض، تلك القوى تدرك جيدا أنّ الحطب الأيديولوجي المحنّط بأصنافه الشيوعي العروبي الإسلامي لا يمكن أن يعمّر في زمن الشعوب التي استباحت الحواجز العسكريّة وهشّمت كلّ الأضواء الحمراء التي صنعتها الشموليّة لتسهيل التحكّم في تدفق جرعات الحريّة.
نحن ندعوهم اليوم إلى التخلّص من وهم الوصول إلى السلطة عبر الديمقراطيّات الشكليّة المسيّجة، ندعوهم إلى الانتهاء من الرهان على عسكرة الحريّة ومدفعَة الديمقراطيّة، ندعوهم إلى وضع جميع بيضهم في سلّة الشعوب، والتوقف الفوري عن الرهان على اقتناء الدولة بضمانات عسكرية، فالشعوب حين تمنحك اصواتها تنصّبك عليها ثم تنصرف الى شؤونها، أما الدبابة فحين تمنحك الانتصار إنما تحولك الى سلّم مدني تصعد فوقه لعسكرة القصور السيادية، الثكنات حين تصطف معك لا تمنحك النصر السياسي وإنما تمنحك العار الصباحي والخزي البرادعي! وإنكم لأنتم الأدرى بأنّ ميزانيّات كاملة تصرف لحماية الحاكم في الأنظمة الشموليّة، ميزانيات مرصودة لحماية الجلاد بطون الشعوب والمدارس والمرافق أولى بها.
ثمّ على هذه القوى التائهة المرتبكة أن تدرك أنّها ستكون ضحيّة في كلّ الحالات، فأن تكون ضحيّة شريفة تقضي عليها الديمقراطيّة في صورتها الحاليّة وتجبرها الشعوب على إعادة إنتاج نفسها بما يتوافق مع العصر الحرّ، خير من أن تنتحر من خلال التمكين للنموذج الروسي الإيراني، فإن كان الخيار روسيا، فلا شكّ أنّ الأزلام هم الذين سيحكمون، لأنّ بوتين عميل الكا جي بي يعيد إنتاج التسلّط السوفييتي القديم مع غمسه في سوق المال المتوحّش والاستسلام إلى التجربة الروسيّة يعني الاستسلام إلى الأنظمة القديمة، أمّا الاستنجاد بالتجربة الإيرانيّة المحروسة دينيّا، فهذا يعني تسليم الأمر الدينية الشموليّة! إذا أنتم تتمسّحون بنماذج ستقودكم إلى ديكتاتوريّة زلميّة أو إسلاميّة، أوليس خيرا لكم أن تستسلموا إلى الصناديق التي ستقودكم إلى ديمقراطيّة زلميّة أو إسلاميّة وتفتح لكم باب الاجتهاد لعلّها تأتي دولتكم حين تنصرفون من أمام الثكنات وتنزلون من على أسطح المنظّمات الإجتماعيّة وتغوصون في شارع النّاس، وتحبّون تونس أكثر من حبّكم لحفتر وتحلمون بريادة سبعطاش ديسمبر بدل حلمكم البائس بكورونا 30 يونيو.





Om Kalthoum - فكروني
Commentaires
1 de 1 commentaires pour l'article 197718