أحدّثكم عن أمّ مكلومة منذ عقود، تبحث عن ابن مفقود.. لعلّها تجده في أحد الجسور



تتواصل جلسات المحاكمات التاريخية، حيث انعقدت يوم الثلاثاء 28 جانفي 2020، أمام الدائرة الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بالمحكمة الابتدائية بقابس، الجلسة الثامنة لمحاكمة قتلة شهيد الجسر كمال المطماطي الذي اختفى على عائلته منذ 7 أكتوبر 1991.

تعتبر هذه القضية واحدة من أكثر القضايا البشعة و المرعبة و الأكثر إثارة للجدل، عنوانها "اختطاف فتعذيب فاغتيال ثم إخفاء للجثة و إخفاء للحقيقة ثم إظهار جزء من الحقيقة و إلى اليوم إخفاء مكان الجثة". كل هذا و دفتر الشهيد مفتوح منذ عقدين من الزمن دون الوصول الى الحقيقة الكاملة، و التي تعمل الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية على كشفها.


سمي بشهيد الجسر بعد الثورة، و بعدما قام الشيخ عبد الفتّاح مورو بعد صمت طويل، في تصريح تلفزي سابق، هزّ الرأي العام بأن أحد الكوادر الامنية قد أخبره بأن جثة كمال المطماطي دفنت بخراسانة من الاسمنت بأحد الطرقات.

جلسة أثث أركانها محامين و شهود و متهمين تمحورت حول حيثيات تعذيب و قتل و اتلاف جثة و لا زال مكان دفنه مجهولا إلى الآن.

حيث اعترف رئيس الفرقة المختصة بقابس سابقا " بان كل الاجراءات كانت تتم في إطار اللّاقانون.. و أن جثة الشهيد كمال المطماطي تمت معاينتها من طرف طبيب بمنطقة الامن الوطني بقابس.. و أن نقل الجثة تم بترخيص ordre de mission دون تحديد نقل ماذا".

لكن الشهود و منهم الاستاذ البشير الترهوني فنّد مزاعم رئيس الفرقة المذكور و حمّله المسؤولية المباشرة على عمليات التعذيب خلال فترة اشرافه على الفرقة سنة 1991.

منذ عقدين و والدة شهيد الجسر و هي في رحلة البحث المريرة، عنوانها شهادتها "قولولي ولدك هنا، ما نشوفاش ميسالش". حيث بقيت تبحث عن الابن "الحي" في اروقة السجون و المستشفيات و حتى الثكنات العسكرية و الاتصال بكل السلطات دون معرفة الحقيقة. حيث علمت بموته فقط في سنة 2009 أي بعد 18 خريفا قاسيا.

لكن المأساة لم تنتهي بمعرفة قتل ابنها. لتبدأ رحلة البحث الجديدة الأكثر مرارة و الأكثر بشاعة و لم يشهد التاريخ حالة مماثلة لها، و هي معرفة مكان دفن الجثة. و إن صحّ كلام الشيخ مورو فأي جسر من جسور تونس دفن الشهيد؟.

لا يمكن لأي عدالة أرضية أن تطفئ الحريق المشتعل منذ تسعينات القرن الماضي في كبدة و جوارح الام المكلومة التي كان و لازال طلبها "معرفة تفاصيل موت كمال و مكان دفنه.. و محاسبة الجلادين".

أما عن تفاصيل موت كمال فان جلسات المحاكمة التاريخية، كشفت في جانب تفاصيل الجريمة النكراء. و أما عن محاسبة الجلادين فبعضهم اعترف و اعتذر و انكر مسؤوليته المباشرة. محملين المسؤولية على النظام الحاكم وقتها. اما رأس النظام المستبد فهو الآن بين يدي الديّان هناك مع الشهيد كمال، وعند الله يلتقي الخصوم.

ما تعيشه والدة كمال من عذابات و آلام لا يعلم مرارتها إلا الله. لكن لونها الشاحب و صوتها الذي تعتريه حشرجة من قهر و ظلم تتصدع له الجبال، كأني بها تقول تنازلت عن حقي في من عذّب كمال، و عن من قتل كمال، فقط اعطوني جثة كمال، أواريها الثرى، أقرأ على قبره فاتحة القرآن الكريم، قبل أن ألقى الكريم.
مكان دفن الشهيد كمال هي مسؤولية وطن بأكمله.. إن كان دفن بأحد الجسور .. فلتتهاوى كل الجسور ان لزم الأمر.. و لترتاح أم الشهيد كمال الشهيدة الحية.. حسبنا الله و نعم الوكيل..

حدّثتكم عن أمّ مكلومة منذ عقود، تبحث عن إبن مفقود.. لعلّها تجده في أحد الجسور.


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 197058