بقلم حامد الماطري
حدّث الهاروني فقال: الأحزاب "المحسوبة على الثورة" خذلت النهضة...!
أتمنّى على كلّ من يتآهب للقراءة ان يمهلني حتى اخر المقال قبل ان يردّ علي بالشجب او بالموافقة.
العقل النهضاوي هو عقل تونسي بامتياز.. يرفض مراجعة الذّات او تحمّل المسؤولية او الاعتراف بالخطأ، ويفضّل تصدير كلّ المسؤولية على ظهر "الآخر"...
جميل ان نرى اليوم كيف ان الهاروني وأصحابه الذين أصدروا الفتاوي لتبرير قانون المصالحة وصوّتوا له منذ سنتين فقط، وسياساتهم التي كرّست العودة الى الحزب الدولة، والتي اعادت انتاج المحسوبية والابتزاز، وغطّت على مجرمي الأمس أملاً في استقطابهم، يعتبرون أنفسهم "ضحيّة" وقع خذلانها في "مسارها الثوري"!!!
يؤسفني ان اقول ذلك، وأقوله متحرّراً عن أيّ انتماء حزبي او موقف سياسي: على الهاروني وامثاله ان يتذكّروا انّ حركة النهضة هي التي خذلت الثورة، واكثر من مرّة...
اتحدّث عن النهضة لانني اعتقد ان احدى اكبر انتكاسات الثورة كان في انقلاب حركة النهضة من ريادة الخطّ الثوري في البداية، لتتحوّل تدريجيّاً -لكن عمليّاً- نحو الخطّ المعادي للثورة...
لا اسعى لتسطيح المفاهيم، فاذا كان الشارع التونسي لا يزال ينظر للحركة كأحد مكوّنات المشهد الثوري، فهذا لأنّ الجميع يدرك أنها، وكأيّ حزب كبير، فيها توجّهات عدّة، و اغلب قادتها ورموزها هم من الوطنيين المخلصين الذين ناضلوا من اجل الثورة ويؤمنون بأهدافها.

بعيد انتخابات 2011، والذي اقترن بانتصارات شبيهة في دول الربيع العربي، اعتقدت النهضة انها في طريق مفتوح لحكم البلاد لعقود متّصلة، فتنكّرت لفكر الثورة وحاولت تطويع الحراك الثوري لحسابها، مقابل تقارب موضوعي بين المنظومة القديمة مع شق واسع من المعارضة الكلاسيكية لكسر جناح النهضة وكبح جماحها.
مثّل اعتصام الرحيل في جويلية-أوت 2013، والذي لا يمكن عزله عن الوضع الإقليمي الذي فرضه الانقلاب العسكري في الشقيقة مصر، قمّة الصّدام بين المعسكرين، ونقطة انعطاف في السياسة النهضوية... نجحت الحركة وقتها في إثبات قدرتها على الصمود وان سيناريو المحرقة التي نصبت للإخوان في مصر لا يمكن تكراره في تونس، حيث أن فاتورة المواجهة كانت لتكون مكلفةً جدّاً، لدرجة ان المنظومة (The Establishment) راجعت استراتيجيّتها وتجاوبت مع الايادي الممدودة، والرسائل المبعوثة من قبل النهضة، وصولاً إلى لقاء باريس واعتماد "سياسة التّوافق" التي يمكن تلخيصها في عنوان بسيط: "لنتقاسم البلاد بدل ان نتقاتل من اجلها".
بعد ستّ سنوات كاملة من "التّوافق"، لا يختلف اثنان اليوم ان رصيد الثّقة، والخزّان الانتخابي، وأسهم "الثّوريّة"، التي تحملها حركة النّهضة عند التونسيين ما فتئت تتقلّص على امتداد السّنين والمحطّات، مواطنين وأحزاب، بل وحتى بين انصارها أنفسهم، فصارت الحركة موصومة بالانتهازية وتقلّب الخطاب حسب تغيّر المصالح..
وتواصل العرض لحلقات أخرى بين الدُّور الثاني للرّئاسيات وبعدها التصويت على رئاسة المجلس بالأمس، وصولا الى تجاذبات التشكيل الحكومي اليوم. في كلّ مرّة تركب النهضة من جديد موجة الثورية تارةً لتقفز فجأة على حبل الانتهازية تارةً أخرى، وهي في كلّ مرّة تحمّل "الآخرين" ذنب "خطيئتها".
أكثر ما آلمني هو حجم الاحباط الذي لمسته عند أصدقائي من مناصري النهضة، الذين تمنّوا ان يروا الحركة تعود اخيراً الى مكانها الأصلي والطبيعي في قلب الخطّ الثوري، فخاب أملهم من جديد ووجدوا النهضة -من جديد- في تحالف موضوعي جديد-قديم مع من سبق وأن وصفوهم بالفاسدين.
طبعاً، وقع تحميل المسؤولية للآخر، الاحزاب التي كان يفترض ان تكون شريكة في "الحكومة الثّوريّة"، فخذلت النهضة ودفعتها في احضان الخطيئة من جديد..! كلام استغرب كيف تصدّقه العقول، وكأنّ القيم الاختيارات المبدئية هي مسألة مزاجيّة تتحكَّم بها الظّروف!
بغضّ النّظر عن مواقف الاحزاب الأخرى، ان كانت النهضة تؤمن حقّاً بشعار الثّوريّة كما تدّعي، فقد كان باستطاعتها ان تفرض اختيارات لا يزايد عليها أحد. كان بإمكان النهضة ان تزايد هي على الآخرين وتقترح اسماء لرئاسة الحكومة وللدّاخليّة أفضل بكثير مما قدّمت، شخصيّات مستقلّة وكفأة لكن ثوريّة، والسّاحة تعجّ بهم، ومنهم القريب للنهضة (العياشي الهمامي مثالاً).
هل من يقدّم الحبيب الجملي لرئاسة الحكومة -كاختيار لمجلس الشورى- يبحث حقّاً عن الاصلاح؟ أهو حقّاً أفضل ما كان بإمكان الحركة ان تقدّم من الأسماء؟
الاكيد هو أنّه كان بمقدور النهضة سحب البساط من تحت التيار لو ارادت حقّاً، لكنّها قطعاً لم تسعى لذلك. كانت مجرّد مسالة تبريرات.. ربّما أعطاهم التيار والشعب ما أرادوا، ولكن هذا لا يغيّر من الامر الكثير..
نحن ننسّب، ونرفض ان نضع كلّ النهضة في سلّة واحدة، ونرفض ان نسقط في ما ذهب اليه الاستئصاليون من جعلها خصومة مبدئية ايديولوجية مع الحركة.. لكن على منتسبي النهضة والمتعاطفين معها كذلك أن يفهموا انّ إصلاح الحركة والقيام بالمراجعات الضرورية حول خياراتها وسياساتها، ليس مسؤوليتنا نحن، ليس مسؤولية الشّارع ولا القوى الثورية أو الأحزاب الاخرى، بل هي مسؤوليّتهم هم، وهي مهمّة محوريّة ملقاة على قواعد النهضة وقياداتها الأوفياء للنهج الثوري...
الحقيقة، ومن دون مواراة، انّه ما دام العرباوي والبحيري ورفيق عبد السلام و وامثالهما هم من يتحكّم بالقرار داخل الحركة فهي ستواصل على نفس الطّريق، حتّى تكتشف القواعد أخيراً -آجلا او عاجلا- انهم قد غرِّر بهم واستعملوهم في معارك غير تلك التي اعتقدوا انهم يخوضونها..
سيجادلني البعض في الامر، لكن يكفيني ان أقول أنّه ما دام نور الدين البحيري (مثلاً، وبكلّ ما يمثّله الرّجل) يفوز في كل انتخابات داخلية تنظّم على مستوى مجلس الشورى او الكتلة بالبرلمان، بكلّ الديمقراطية التي يفتخر بها أبناء الحركة، فيفترض بالنهضويين ان يدركوا ان الأمر بين أيديهم، ان يبحثوا عن المشكل بداخلهم، لا ان يحاولوا تصدير الحلّ/المسؤولية نحو غيرهم!
حدّث الهاروني فقال: الأحزاب "المحسوبة على الثورة" خذلت النهضة...!
أتمنّى على كلّ من يتآهب للقراءة ان يمهلني حتى اخر المقال قبل ان يردّ علي بالشجب او بالموافقة.
العقل النهضاوي هو عقل تونسي بامتياز.. يرفض مراجعة الذّات او تحمّل المسؤولية او الاعتراف بالخطأ، ويفضّل تصدير كلّ المسؤولية على ظهر "الآخر"...
جميل ان نرى اليوم كيف ان الهاروني وأصحابه الذين أصدروا الفتاوي لتبرير قانون المصالحة وصوّتوا له منذ سنتين فقط، وسياساتهم التي كرّست العودة الى الحزب الدولة، والتي اعادت انتاج المحسوبية والابتزاز، وغطّت على مجرمي الأمس أملاً في استقطابهم، يعتبرون أنفسهم "ضحيّة" وقع خذلانها في "مسارها الثوري"!!!
يؤسفني ان اقول ذلك، وأقوله متحرّراً عن أيّ انتماء حزبي او موقف سياسي: على الهاروني وامثاله ان يتذكّروا انّ حركة النهضة هي التي خذلت الثورة، واكثر من مرّة...
اتحدّث عن النهضة لانني اعتقد ان احدى اكبر انتكاسات الثورة كان في انقلاب حركة النهضة من ريادة الخطّ الثوري في البداية، لتتحوّل تدريجيّاً -لكن عمليّاً- نحو الخطّ المعادي للثورة...
لا اسعى لتسطيح المفاهيم، فاذا كان الشارع التونسي لا يزال ينظر للحركة كأحد مكوّنات المشهد الثوري، فهذا لأنّ الجميع يدرك أنها، وكأيّ حزب كبير، فيها توجّهات عدّة، و اغلب قادتها ورموزها هم من الوطنيين المخلصين الذين ناضلوا من اجل الثورة ويؤمنون بأهدافها.

بعيد انتخابات 2011، والذي اقترن بانتصارات شبيهة في دول الربيع العربي، اعتقدت النهضة انها في طريق مفتوح لحكم البلاد لعقود متّصلة، فتنكّرت لفكر الثورة وحاولت تطويع الحراك الثوري لحسابها، مقابل تقارب موضوعي بين المنظومة القديمة مع شق واسع من المعارضة الكلاسيكية لكسر جناح النهضة وكبح جماحها.
مثّل اعتصام الرحيل في جويلية-أوت 2013، والذي لا يمكن عزله عن الوضع الإقليمي الذي فرضه الانقلاب العسكري في الشقيقة مصر، قمّة الصّدام بين المعسكرين، ونقطة انعطاف في السياسة النهضوية... نجحت الحركة وقتها في إثبات قدرتها على الصمود وان سيناريو المحرقة التي نصبت للإخوان في مصر لا يمكن تكراره في تونس، حيث أن فاتورة المواجهة كانت لتكون مكلفةً جدّاً، لدرجة ان المنظومة (The Establishment) راجعت استراتيجيّتها وتجاوبت مع الايادي الممدودة، والرسائل المبعوثة من قبل النهضة، وصولاً إلى لقاء باريس واعتماد "سياسة التّوافق" التي يمكن تلخيصها في عنوان بسيط: "لنتقاسم البلاد بدل ان نتقاتل من اجلها".
بعد ستّ سنوات كاملة من "التّوافق"، لا يختلف اثنان اليوم ان رصيد الثّقة، والخزّان الانتخابي، وأسهم "الثّوريّة"، التي تحملها حركة النّهضة عند التونسيين ما فتئت تتقلّص على امتداد السّنين والمحطّات، مواطنين وأحزاب، بل وحتى بين انصارها أنفسهم، فصارت الحركة موصومة بالانتهازية وتقلّب الخطاب حسب تغيّر المصالح..
وتواصل العرض لحلقات أخرى بين الدُّور الثاني للرّئاسيات وبعدها التصويت على رئاسة المجلس بالأمس، وصولا الى تجاذبات التشكيل الحكومي اليوم. في كلّ مرّة تركب النهضة من جديد موجة الثورية تارةً لتقفز فجأة على حبل الانتهازية تارةً أخرى، وهي في كلّ مرّة تحمّل "الآخرين" ذنب "خطيئتها".
أكثر ما آلمني هو حجم الاحباط الذي لمسته عند أصدقائي من مناصري النهضة، الذين تمنّوا ان يروا الحركة تعود اخيراً الى مكانها الأصلي والطبيعي في قلب الخطّ الثوري، فخاب أملهم من جديد ووجدوا النهضة -من جديد- في تحالف موضوعي جديد-قديم مع من سبق وأن وصفوهم بالفاسدين.
طبعاً، وقع تحميل المسؤولية للآخر، الاحزاب التي كان يفترض ان تكون شريكة في "الحكومة الثّوريّة"، فخذلت النهضة ودفعتها في احضان الخطيئة من جديد..! كلام استغرب كيف تصدّقه العقول، وكأنّ القيم الاختيارات المبدئية هي مسألة مزاجيّة تتحكَّم بها الظّروف!
بغضّ النّظر عن مواقف الاحزاب الأخرى، ان كانت النهضة تؤمن حقّاً بشعار الثّوريّة كما تدّعي، فقد كان باستطاعتها ان تفرض اختيارات لا يزايد عليها أحد. كان بإمكان النهضة ان تزايد هي على الآخرين وتقترح اسماء لرئاسة الحكومة وللدّاخليّة أفضل بكثير مما قدّمت، شخصيّات مستقلّة وكفأة لكن ثوريّة، والسّاحة تعجّ بهم، ومنهم القريب للنهضة (العياشي الهمامي مثالاً).
هل من يقدّم الحبيب الجملي لرئاسة الحكومة -كاختيار لمجلس الشورى- يبحث حقّاً عن الاصلاح؟ أهو حقّاً أفضل ما كان بإمكان الحركة ان تقدّم من الأسماء؟
الاكيد هو أنّه كان بمقدور النهضة سحب البساط من تحت التيار لو ارادت حقّاً، لكنّها قطعاً لم تسعى لذلك. كانت مجرّد مسالة تبريرات.. ربّما أعطاهم التيار والشعب ما أرادوا، ولكن هذا لا يغيّر من الامر الكثير..
نحن ننسّب، ونرفض ان نضع كلّ النهضة في سلّة واحدة، ونرفض ان نسقط في ما ذهب اليه الاستئصاليون من جعلها خصومة مبدئية ايديولوجية مع الحركة.. لكن على منتسبي النهضة والمتعاطفين معها كذلك أن يفهموا انّ إصلاح الحركة والقيام بالمراجعات الضرورية حول خياراتها وسياساتها، ليس مسؤوليتنا نحن، ليس مسؤولية الشّارع ولا القوى الثورية أو الأحزاب الاخرى، بل هي مسؤوليّتهم هم، وهي مهمّة محوريّة ملقاة على قواعد النهضة وقياداتها الأوفياء للنهج الثوري...
الحقيقة، ومن دون مواراة، انّه ما دام العرباوي والبحيري ورفيق عبد السلام و وامثالهما هم من يتحكّم بالقرار داخل الحركة فهي ستواصل على نفس الطّريق، حتّى تكتشف القواعد أخيراً -آجلا او عاجلا- انهم قد غرِّر بهم واستعملوهم في معارك غير تلك التي اعتقدوا انهم يخوضونها..
سيجادلني البعض في الامر، لكن يكفيني ان أقول أنّه ما دام نور الدين البحيري (مثلاً، وبكلّ ما يمثّله الرّجل) يفوز في كل انتخابات داخلية تنظّم على مستوى مجلس الشورى او الكتلة بالبرلمان، بكلّ الديمقراطية التي يفتخر بها أبناء الحركة، فيفترض بالنهضويين ان يدركوا ان الأمر بين أيديهم، ان يبحثوا عن المشكل بداخلهم، لا ان يحاولوا تصدير الحلّ/المسؤولية نحو غيرهم!





Sonia Mbarek - كذّاب مالو أحباب
Commentaires
2 de 2 commentaires pour l'article 195621