الإسلاميّون حين سبقوا غيرهم..



نصرالدين السويلمي

لغة جميلة مهذبة متآلفة مع روح الإنسان وحرمته تلك التي هي أكبر من حرمة قواعد البيت التي رفعها إبراهيم وإسماعيل، لغة مبشّرة تلك التي بدأت تظهر عوارضها على العقل الإسلامي الحديث، "وليس أبدا ذلك العقل المخاتل الذي ينفذ إلى دواخل النصوص لينسفها" بدأ العقل الإسلامي المتجدّد ينجح في الكثير من المحطّات ويتجاوز الكثير من المطبّات، كانت التجربة الإسلاميّة قد تعثّرت في الجزائر حين لجأت إلى السلاح الشعبي لمناطحة السلاح الرسمي فانتصر السلاح الرسمي وانحرف السلاح الشعبي، هي أيضا فشلت في السودان حين كانت ملهوفة على منصّات الحكم بأدوات خصومها، ثم جنحت نحو التعافي في مصر حين امتنعت الشرعيّة عن حمل السلاح وبدل ذلك سيّرت المظاهرات واعتمدت المعارك المدنيّة ما أمكنها، وارتضت الانكفاء الإيجابي ولم تفزع إلى المقاومة السلبيّة عبر استعمال البارود ومناطحة مخازن السلاح الرسميّة.


تعرّضت التجربة الإسلاميّة إلى امتحان الثورات، فحققت نجاحات كاسحة في ذلك نسبة إلى غيرها، حيث انتقل الوجدان الإسلامي في مجمله من مساندة سابقة للثورة الإيرانيّة على حساب قوى الاستكبار العالمي، إلى رفض السلوك الإيراني العدواني حين تراجعت مخالب دولة المستضعفين ونبتت بغزارة مخالب دولة العنصر والمذهب. كان الوجدان الإسلامي رحّل عواطفه كلها تجاه حزب الله نسخة حرب تموز، ثم سحب من هذا الحزب كل منسوب التعاطف حين سقط من بروج ملحمة 2006 إلى مستنقعات ما بعد 2011 أين ولغ في دماء الشعب السوري وسحق حريّة الشعوب لصالح تدعيم أوتاد المذهب.

إيران وحزب الله، ثنائيّة أثبتت أنّ بوصلة الإسلاميّين أصبحت بعيدة جدا عن العائلات الفكريّة الأخرى، فحين كان الصراع مع أمريكا والكيان كانت قلوب الإسلاميّين مع إيران وحزب الله، فيما غيرهم يتحدّثون عن تصدير الثورة والغزو الفارسي وأذرعه في المنطقة العربيّة، وعندما أصبح الصراع مع الشعوب العربيّة وحرّيتها وتقرير مصيرها، انصرف الإسلاميّون عن إيران وحزبها اللبناني بينما عاد غيرهم بعد عداوة قديمة يطلب ودّ إيران ويثمّن سطوتها على المنطقة، ثبّتت لهم إيران أركان نظام بشار الأسد ومنعته من السقوط فقدّموا لها عواطفهم بالجملة والتفصيل.

ثمّ وحين انطلقت الثورة السودانيّة لاح وكأن بعض الإسلاميّين يتردّدون في مناصرتها، وكأنّهم جنحوا إلى البشير الإسلامي كما جنح القوميّون واليسار إلى بشّار "القومي" لكن سرعان ما ذهب الارتباك وانحازوا إلى ثورة الشعب، وحتى بعد أن سيطر تجمّع المهنيّين السودانيّين"يسار" على مقاليد السلطة الانتقاليّة، وجنح الى العبث، لم تظهر أصوات الإسلاميّين لتندّد بالثورة التي سحبت الإسلامي وتقدّم بموجبها اليساري، أي نعم بدأت مطالب التصحيح والتحذير تعلو لكن ظلّت الثورة كحركة شعبيّة ناسفة لحكم العسكر هي البوصلة.


بعد تجربة طويلة ومحن أطول، اقتنع الإسلاميّون بأنّ الحريّة ودولة القانون والمؤسّسات وتكافؤ الفرص والانحياز إلى خيار الشعب عبر الصناديق هو الحلّ الأمثل والأضمن لخروج الأمّة من ثلاثيّة الدبّابات والقصور والدم، وصولا إلى تداول احتفالي مهرجاني على السلطة بدل تداول الجنائز والسجون والقمع والتطهير والكثير الكثير من الأضرحة وحركة دؤوبة تشهدها المقابر في مواسم تغيير الطواغيت. قبل ذلك تردّت العديد من القوى الأخرى حين انتصرت للانقلابات العسكريّة ووقفت بلا هوادة مع الجلّادين ضدّ شعوبهم، وارتبكوا وبالغوا في الارتباك حين داهمتهم ثورة الحريّة والكرامة ثورة سبعطاش ديسمبر.

هذه الفلْترة للذهن الإسلامي تجلّت بشكل واضح في تونس من خلال تجربة حركة النهضة، التي فنّدت إلى غير رجعة فرية أن "الإسلاميّين يتمسّكنون حتى يتمكّنون ثمّ ينقلبون" انتهت هذه الأكذوبة إلى غير رجعة وقُبرت في تونس، ثم تقدّمت النهضة أكثر حين نسجت فلسفة التعايش بينها وبين التيار العلماني في تجليّاته المختلفة، ثم ذهبت بعيدا حين سنّت سنّة التنازل الإيجابي وجنحت إلى تنضيب التوتر من التجربة كلّما خيّم عليها وأنهكها وكاد يصيبها في مقتل، ثمّ مضت أبعد في نسج توافقات حرمت قوى الثورة المضادّة من مظلّة جامعة ومن ثمّ استعمال مراكز القوى التقليديّة لإعادة إنتاج شموليّة قد تكون أخطر من سابقاتها. لقد أسّست النهضة لنوع من الفقه السياسي الجديد، يمكن تسميته بالسياسة المقاصديّة أسوة بالفقه المقاصدي، لم يكن هدفها الترتيبات والترتيب والتموّقع بقدر ما كان الهدف تأمين الإقلاع السليم وقطع خطوط العودة بشكل نهائي إلى ما وراء 17 ديسمبر 2010، قد نعود إلى 15جانفي 2011 أو 20 فيفري من نفس السنة أو 22 أكتوبر أو أي من التواريخ التي أعقبت زلزال سبعطاش ديسمبر، كلّ تلك التواريخ لم تكن لتخيف النهضة، لأنّ التراجع والارتباك والجمود والتذبذب كلّها من الصفات التي عادة ما تخالط مراحل الانتقال الديمقراطي، هي عبارة عن رجّات وهزّات، أمّا الانهيار فقد دفعت النهضة كلّ شيء حتى تتلافاه، كان شعارها كلّ شيء إلا العودة إلى ما قبل التهاب الولد.


لم يعد يغري الإسلاميّين الداعية المفوّه والمفكّر الجهبذ والزعيم المقدام، لم تعد تغريهم عمامة نصرالله ولا تستهويهم لحية محمد حسان ولا خجل العفاسي المعلّب، لا ولا يستميلهم صوت قاسم سليماني حين يزمجر في فيلق قدسه.. انتهت العواطف المجانيّة لصالح الاختبارات والتمحيص وما بعد المحنة، غرّبت شمس دعاة الاستعراض لصالح شمس الشعوب، وأجزم أنّ إسلاميي اليوم بعد مرورهم بالمصفاة تلو المصفاة تلو المصفاة، لو خيّروهم بين عبير موسي من داخل الصناديق أو ابن خلدون على ظهر دبّابة لاختاروا صناديق عبير على دبابة ابن خلدون، لم يعد العقل الإسلامي مطيّة للانتصارات العابرة تتبعها الهزائم الاستراتيجيّة، أصبحت الأنفس جاهزة للتعامل مع الهزائم العابرة المتبوعة بانتصارات استراتيجيّة.. ثم إنه وبموجب المراسيم التي فرضتها الحرية، وقف العقل الإسلامي الحديث مع برهان غليون ضد كل العمائم السوداء في قم وكل العمائم البيضاء في المسجد الأموي..

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 195512

Hedibg  (Tunisia)  |Samedi 04 Janvier 2020 à 09h 26m |           
لو تتفضل سيد نصر الدين السويلمي و تعطينا تصورك لسوريا والمنطقة لو لم يتدخل حزب الله و إيران و روسيا إلى جانب النظام السوري رغم مساوءه اللتي لا تحصى