حكومة كفاءات .. أم حكم بقفازات؟



بقلم توفيق رمضان

كل القراءات كانت تؤكد أن تحالف النهضة وقلب تونس مفروغ منه، وأن الجملي ليس إلا «صباب شاي» في قصر الضيافة، سعى إلى تعويم المشاورات وتعميمها لتشمل كل الاطراف حتى المرفوضة من أغلب الاحزاب المفترض وجودها في الحكومة فقط ليعطي أكثر وقت للنهضة لتضع خارطة طريق تحالفها مع قلب تونس الذي ظهرت بوادره في الجلسة البرلمانية الاولى إذ لا يتصور أن اتفاق بذلك الشكل حصل بين لحظة وأخرى تحت القبة يومها بل سبقته جلسات وتدبيرات بالليل.


بعد اعلان التيار وحركة الشعب عدم مشاركتهما في الحكومة بعد الرجوع الى المفاوضات في اطار مبادرة قام بها جوهر مبارك والحبيب بوعجيلة سعيا من خلالها تقريب وجهات النظر ،استدعى رئيس الجمهورية ممثلي الاحزاب داعيا اياهم لمزيد التشاور لكن تم رفض مقترحه من زعيم حركة النهضة .إن ما يثير الانتباه أكثر هو الندوة الصحفية لرئيس الحكومة المكلف التي جاءت مفاجئة وفي نفس وقت لقاء الرئيس بممثلي الاحزاب .أعلن الجملي خلال هذه الندوة أنه سيذهب في خيار حكومة كفاءات غير متحزبة وانه لم يتشاور حتى مع الحزب الذي كلفه حول هذا التمشي .الواقع والعقل لا يصدقان مثل هذه رواية لان تشكيل حكومة كفاءات دون مشاورة اطراف سياسية بعينها هو ضرب من العبث ،فماذا لو لم تنل ثقة البرلمان ؟هل يعقل ان يذهب الجملي للبرلمان بحكومة لم تشارك في رسمها النهضة أساسا ولم تهيأ لها الاغلبية المطلوبة تحت قبة باردو ؟ فتصديق رواية الجملي يعني سقوط حكومته في البرلمان والمرور الى سيناريو حكومة الرئيس وهو ما يعتبر هزيمة للنهضة رمزيا على الاقل لأنها تريد ان تبقى لاعبا رئيسيا في المشهد ولن تسمح للرئيس بحمل اللواء والراية. وهذا ما يفسر رفض الغنوشي لمقترح الرئيس لأنه اراد قطع الطريق امامه للعب دور مهم ونيل شرف ايجاد الحل ربما.

ندوة الجملي صدر قبلها بيانان واحد للنهضة وآخر لقلب تونس جاء في النقطة الخامسة في كلا البيانين: تكوين حكومة كفاءات مستقلة وهذا ما يؤكد الاتفاق المسبق الحاصل بين الحزبين ورئيس الحكومة المكلف بقي فقط ايجاد المسوغ والبحث عن اخراج مقنع لأنصار النهضة خصوصا بعدما احدثه انتخاب رئيس البرلمان ونائبه الاول من ردود متباينة لدى النهضويين لكن نجح الغنوشي في اقناعهم كعادته من خلال نظرية فصل المسارات وتأسيسا على مبدأ ما أكرهتم عليه.

أثناء المشاورات حول الحكومة يصرح شيخ النهضة بأن حركته لن تكون في حكومة فيها قلب تونس في حركة تمويهية لإظهار الجملي كرجل قوي وان الامر له من قبل ومن بعد وله اليد الطولى يدخل من يشاء في الحكومة ويخرج منها من يشاء. النهضة لا تريد تحالفا مع التيار أو حركة الشعب لأنها لا تريد شريكا بل أداة أو كمبارسا طيعا لا يعصي النهضة ما تأمره ويفعل ما يؤمر مقابل بعض المصالح والحماية من التتبع وهذا ما تنبأنا به منذ خروج القروي من السجن وقلنا أن طبق المقرونة بالحمام يطبخ على نار هادئة وجيء بالجملي فقط لتحضير فنجان الشاي ليساعد ذلك في الهضم. النهضة كما قلب تونس طيلة حملتيهما الانتخابيتين كل منهما قال في الاخر مالم يقل مالك في الخمر رغم انهما حزبان يمينيان يشتركان في اغلب التوجهات ان لم نقل كلها لذلك امكانية تشكيل حكومة مشتركة بينهما هو الاقرب للمنطق والواقع ، بقي الاشكال فقط هو لفّ حكومة كهذه بغلاف الكفاءات المستقلة .من جهة تجنبا للإحراج مع القواعد وحتى لا يتهما بالتنكر لتعهداتهما القاضية بعدم التحالف ومن جهة ثانية امكانية التفصي من المسؤولية في حالة الفشل وهو المتوقع .حكومة الكفاءات ستكون حكومة قلب النهضة بقفازات اي ان النهضة وقلب تونس لن يضعا ايديهما في« الطنجرة» مباشرة لان النار تحتها حارقة ويخافان الاكتواء بها لذلك ادارة الشأن من وراء حجاب افضل وتحريك الاحداث من خلف الستار أسلم .فإن نجحت الحكومة فهما عراباها وجوهرها وان فشلت يتم تحميل الحكومة ورئيسها ذلك وتقع الدعوة لتكوين حكومة جديدة سياسية تملك النهضة الجرأة لطلب مشاركتها فيها لأنها لم تكن تحكم في الحكومة السابقة. حكومة الكفاءات هي كذبة ما بعد الثورة فاغلب من أوتي بهم على أساس انهم كفاءات مستقلة رأيناهم فيما بعد في قائمات حزبية بل أسسوا أحزابا. لن يطول الامر كثيرا لان التشكيلة تقريبا حاضرة فقط حتى لا يقال ان الاتفاق سابق سيقع التمطيط ليوم او يومين. ستكون حكومة «استرني نسترك وغطي عليا نغطي عليك» وسيقتصر دورها على التصرف في الموجود وتزييت ماكينة التوافق القديم التي تعطلت في مرحلة ما وهو ما يعني انها ستكون حكومة تصريف فساد متماهية مع منظومته وسيستامه.

الامل كان كبيرا لكن التكتيكات والمفاوضات فوق الطاولة مع طرف وتحتها مع طرف آخر ومد اليد اليمنى للثورة واليسرى لأعدائها لا يستقيم، ربما سينجحون في تكوين حكومة تنال الثقة في البرلمان لكن هل ستقدر على الايفاء بالتعهدات وتلبية الاحلام والتطلعات لشباب صبر كثيرا؟ هل بحكومة مع قلب تونس تستطيع النهضة السير في ركب الثورة ؟

اسئلة تطرح ولو أن الاجابة معلومة مسبقا فلا أظن القروي أفضل من الباجي ولا قلب تونس أفضل من النداء ولا 38مقعدا أكثر صلابة من 86مقعدا. هي اكيد ستكون خمس عجاف لأنه نفس التوافق السابق لكن بتوزيع جديد وسيقود الى نفس النتائج لكن بمذاق جديد.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 195061