مريم هاني
الرئيس الدكتور محمد المنصف المرزوقي يعتزل السياسة.
رئيس عربي يخرج من عالم السياسة مرفوع الرأس لأنه لم يقتل ولم ينهب ولم يفسد. رئيس عربي سابق يسكن في بيته، لا تتابعه تهم قضائية ولا يقبع في السجن. هذا في حد ذاته انجاز في زمن شوّهت فيه أخلاق السياسة وانتشرت فيه البذاءة وانتهكت فيه المبادئ.
قصّتي مع هذا الرجل شخصية جدا… استأمنني على المصدح وقدمني للناس في حملته الانتخابية وهذه الصورة بالذات كانت خلال اختتام حملته الانتخابية في سنة 2014، وكان أصرّ يومها على أن يعطيني المصدح مرّة أخرى و أن يستأمنني على قضية فلسطين واضعا علمه على أكتافي قائلا: " الشباب هو المسؤول على فلسطين".
استقبلني وهو رئيس واستقبلني وهو مفكّر في مكتبه. أذكر أول مرّة كنت ذاهبة فيها إلى مكتبه برفقة أمي، كنت متحمسة وكان ينتابني الكثير من الفضول. كنت صغيرة في السن، وأتساءل يا ترى كيف يعيش الرؤساء؟ كيف هي مكاتبهم؟ هل سأجده جالسا على أريكة يقرأ جريدة ويحتسي كوبا من القهوة، مثل الرؤساء في الأفلام يعني؟ ... دخلت المكتب ولم يكن يقرأ جريدة ... ولم يكن يحتسي القهوة ... ولم يكن في المكتب أصلا ... كان يشرب كأسا من العصير في الشرفة ودخل المكتب ما إن رآني. كان مكتبه بسيط وكان هو أبسط. إنسان على سجيته وعفوي للغاية. أجلسني أمامه. في البداية لم أكن أرغب في الإطالة بالحديث، قلت له بأنني لا أريد أن آخذ من وقتك الكثير، لكنه قاطعني ليقول لي بأنه يستمتع بهذه المحادثات.
تحدثنا عن تونس وعن المهجر، عن السياسة والثقافة، عن الدراسة والآفاق ... كنت أتمنى أنني لست بصدد قول أشياء خالية من المعنى ... وكان يؤكد لي في كل مرّة بأن ما أقوله مهم.
لم أره ولم أزره، ربما بسبب تقصير مني، لمدّة سنتين. ثم سمحت الفرصة لأن ألتحق بأحد المسامرات الرمضانية التي ينظمها. أوّل ما قاله لي "مريم كيف أحوال بيروت والجامعة الامريكية؟"، نظرت إلى أمي وقلت لها "لماذا يتذكر اسمي والمدينة التي أعيش فيها وجامعتي؟ ". هو أهم من أن يتذكر هذه التفاصيل" ... وتحدثنا مرة أخرى، عن تونس مرة أخرى وعن المهجر مرّة اخرى ... وعن العودة إلى تونس لأول مرّة.
لم أتعود الجلوس إلى حاكمي ومناقشته ... ولما جلست معه لم يعلمني التصفيق ولم يعلمني الثغاء ولم يدجّن صوتي.
أنا أكنّ لهذا الرجل الاحترام، وإلى جانب الاحترام الكثير الكثير الكثير من الحب، لأنه آمن بي رغم صغر سني حينها، راهن على صوتي وعلى أفكاري، فتح لي أبواب مكاتبه في وقت كانت فيه معظم الأبواب تقفل في وجهي. لما قررت الدراسة في الخارج، أذكر أنني طلبت رسالات توصية recommendation letters من العديد ممن اشتغلوا معي وممن يعرفونني حق المعرفة، وطلبت من الدكتور المنصف المرزوقي كذلك. أذكر أنه كان أول من اتصل بي ودعاني الى مكتبه وكتب لي رسالة الدعم. في حين أن هناك من يعرفني أكثر منه ولم يكلّف نفسه عناء الردّ على رسالتي حتّى.
أنا أحب الانسان في هذا الرجل، الإنسان الذي لم يكسبه الكرسي لا بطشا ولا غرورا ولا تكبّرا.
سيدي الرئيس، أنت اعتزلت السياسة، لكن أبناء مدرسة مانديلا، التي هي مدرسة محمد المنصف المرزوقي كذلك، لا يزالون هنا ... سنعود إلى تونس، فما كان لنا إياها أمنية لو طالعتنا ليلة القدر ... سنعود وعلى أيدينا بشائر النصر ... سنعود لننبت ونزهر. ونحن أبناء مدرسة الحرية نملك ما لا يملكه غيرنا: الحب. نحن نحب هذه البلاد كما لا يحبها أحد. أرض الياسمين الحزين، نحن ابتسامتها. وليل هذه الأرض الطويل، نحن فجره. ونحن السّواعد التي يهتز فوقها العلم. ونحن الكرام. ونحن العظام.
هذه الأرض لنا و إن كرهوا و كادوا و لنا ربيعنا و لنا الحصاد.
أو أسوة بك دعني أنهي بهذه: ولا بدّ لليل أن ينجلي.
الرئيس الدكتور محمد المنصف المرزوقي يعتزل السياسة.
رئيس عربي يخرج من عالم السياسة مرفوع الرأس لأنه لم يقتل ولم ينهب ولم يفسد. رئيس عربي سابق يسكن في بيته، لا تتابعه تهم قضائية ولا يقبع في السجن. هذا في حد ذاته انجاز في زمن شوّهت فيه أخلاق السياسة وانتشرت فيه البذاءة وانتهكت فيه المبادئ.
قصّتي مع هذا الرجل شخصية جدا… استأمنني على المصدح وقدمني للناس في حملته الانتخابية وهذه الصورة بالذات كانت خلال اختتام حملته الانتخابية في سنة 2014، وكان أصرّ يومها على أن يعطيني المصدح مرّة أخرى و أن يستأمنني على قضية فلسطين واضعا علمه على أكتافي قائلا: " الشباب هو المسؤول على فلسطين".
استقبلني وهو رئيس واستقبلني وهو مفكّر في مكتبه. أذكر أول مرّة كنت ذاهبة فيها إلى مكتبه برفقة أمي، كنت متحمسة وكان ينتابني الكثير من الفضول. كنت صغيرة في السن، وأتساءل يا ترى كيف يعيش الرؤساء؟ كيف هي مكاتبهم؟ هل سأجده جالسا على أريكة يقرأ جريدة ويحتسي كوبا من القهوة، مثل الرؤساء في الأفلام يعني؟ ... دخلت المكتب ولم يكن يقرأ جريدة ... ولم يكن يحتسي القهوة ... ولم يكن في المكتب أصلا ... كان يشرب كأسا من العصير في الشرفة ودخل المكتب ما إن رآني. كان مكتبه بسيط وكان هو أبسط. إنسان على سجيته وعفوي للغاية. أجلسني أمامه. في البداية لم أكن أرغب في الإطالة بالحديث، قلت له بأنني لا أريد أن آخذ من وقتك الكثير، لكنه قاطعني ليقول لي بأنه يستمتع بهذه المحادثات.
تحدثنا عن تونس وعن المهجر، عن السياسة والثقافة، عن الدراسة والآفاق ... كنت أتمنى أنني لست بصدد قول أشياء خالية من المعنى ... وكان يؤكد لي في كل مرّة بأن ما أقوله مهم.
لم أره ولم أزره، ربما بسبب تقصير مني، لمدّة سنتين. ثم سمحت الفرصة لأن ألتحق بأحد المسامرات الرمضانية التي ينظمها. أوّل ما قاله لي "مريم كيف أحوال بيروت والجامعة الامريكية؟"، نظرت إلى أمي وقلت لها "لماذا يتذكر اسمي والمدينة التي أعيش فيها وجامعتي؟ ". هو أهم من أن يتذكر هذه التفاصيل" ... وتحدثنا مرة أخرى، عن تونس مرة أخرى وعن المهجر مرّة اخرى ... وعن العودة إلى تونس لأول مرّة.
لم أتعود الجلوس إلى حاكمي ومناقشته ... ولما جلست معه لم يعلمني التصفيق ولم يعلمني الثغاء ولم يدجّن صوتي.
أنا أكنّ لهذا الرجل الاحترام، وإلى جانب الاحترام الكثير الكثير الكثير من الحب، لأنه آمن بي رغم صغر سني حينها، راهن على صوتي وعلى أفكاري، فتح لي أبواب مكاتبه في وقت كانت فيه معظم الأبواب تقفل في وجهي. لما قررت الدراسة في الخارج، أذكر أنني طلبت رسالات توصية recommendation letters من العديد ممن اشتغلوا معي وممن يعرفونني حق المعرفة، وطلبت من الدكتور المنصف المرزوقي كذلك. أذكر أنه كان أول من اتصل بي ودعاني الى مكتبه وكتب لي رسالة الدعم. في حين أن هناك من يعرفني أكثر منه ولم يكلّف نفسه عناء الردّ على رسالتي حتّى.
أنا أحب الانسان في هذا الرجل، الإنسان الذي لم يكسبه الكرسي لا بطشا ولا غرورا ولا تكبّرا.
سيدي الرئيس، أنت اعتزلت السياسة، لكن أبناء مدرسة مانديلا، التي هي مدرسة محمد المنصف المرزوقي كذلك، لا يزالون هنا ... سنعود إلى تونس، فما كان لنا إياها أمنية لو طالعتنا ليلة القدر ... سنعود وعلى أيدينا بشائر النصر ... سنعود لننبت ونزهر. ونحن أبناء مدرسة الحرية نملك ما لا يملكه غيرنا: الحب. نحن نحب هذه البلاد كما لا يحبها أحد. أرض الياسمين الحزين، نحن ابتسامتها. وليل هذه الأرض الطويل، نحن فجره. ونحن السّواعد التي يهتز فوقها العلم. ونحن الكرام. ونحن العظام.
هذه الأرض لنا و إن كرهوا و كادوا و لنا ربيعنا و لنا الحصاد.
أو أسوة بك دعني أنهي بهذه: ولا بدّ لليل أن ينجلي.





Lotfi Bouchnak - الحلم العربي
Commentaires
1 de 1 commentaires pour l'article 193310