لتشكيل الحكومة، اذهبوا إلى كلمة سواء.



عبد الرزاق قيراط

في خضمّ المشاورات الموازية التي ظهرت في المنابر الإعلاميّة، بدأ التونسيّون يتذمّرون من جدل تشكيل الحكومة المنتظرة، بسبب الخلافات المتعاظمة بين الأحزاب والقوى المعنيّة بتحديد برامجها وتعيين وزرائها. ومن المعوّقات التي ظهرت مبكّرا، إصرار حركة النهضة على أن يكون رئيس الحكومة من قياديّيها، والأسماء المتداولة كثيرة، وعلى رأس القائمة الشيخ راشد الغنوشي، الذي لا يحظى في واقع الأمر بالترحيب، لدى معارضيه وحتّى في صفوف الكثير من مؤيّديه، وهو في الحقيقة سياسيّ معروف بنشاطه الدؤوب في الكواليس، وخلف الحجب، يتوافق مع البعض، ويتشاحن مع البعض .... فإذا ظهر للعموم، انكشفت عيوبه قولا وفعلا، وكثرت أخطاؤه ، بسبب افتقاره إلى القدرة على التجميع لإقناع عموم التونسيين الذين لا تهمّهم مصلحة النهضة والأحزاب المنافسة لها بقدر ما تهمّهم مصلحة الوطن.



عندما يتكلّم الغنوشي في العلن، غالبا ما يوجّه خطابه إلى أنصاره، فيبرّر بعض سياسات النهضة بتعلاّت تعود بالوبال عليه وعلى الحركة، والأمثلة كثيرة آخرها، ما وقع بعد حديثه عن التوافق مع الرئيس الراحل قايد السبسي، باعتباره احتضانا "تكتيكيّا" لمنافس أو عدوّ في حلبة ملاكمة... وعليه فمن المفيد للحركة وللبلاد إقناع الغنوشي بالتخلي عن فكرة رئاسة الحكومة، وله أن يبقى خطيبا بين أنصاره ومحبّيه في الكواليس لا في العلن، قبل أن يحال على التقاعد، ويتكفّل التاريخ بإنصافه أو التثريب عليه.

تمتلك حركة النهضة، في المقابل، عددا لا بأس به من ذوي الكفاءات، وأصحاب "الكاريزما"، فيمكنها أن تكلّف أحد قياديّيها الشبّان بتشكيل الحكومة بوصفها الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى، ولكنّها قادرة على العفو. ونقصد بالعفو، أن تمدّ يدها إلى الأحزاب الأخرى التي عبّرت عن استعدادها مبدئيّا للمشاركة في الحكم، فتقبل ببعض شروطها لا كلّها، وتتنازل مثلا عن رئاسة الحكومة لشخصيّة توافقيّة تتوفّر لديها شروط محدّدة يمكن اقتباسها من خطاب الرئيس، شخصيّة تشبه الرئيس في حزمه وصدقه، فتتعهّد أمام الشعب بتحمّل الأمانات التي أحصاها قيس سعيّد في قوله: "شعبنا أمانة ودولتنا أمانة وأمننا أمانة وأنّات الفقراء والبؤساء أمانة وابتسامة الرضيع في المهد أمانة... فلنحمل هذه الأمانات كلها بنفس الصدق والعزم".
إنّ المطلوب اليوم من كلّ الصادقين الراغبين في تغيير الواقع الصعب للتونسيّين، أن يذهبوا إلى كلمة سواء، فيقبلوا تحمّل الأمانة التي عُرضت عليهم، في يوم مشهود أذهل العالم، فلا وقت للمهاترات، وليس الشعب الذي سبقكم إلى البناء معنيّا بحجج هؤلاء وهؤلاء.. وليس من مصلحة النهضة أن تصرّ، ولا من مصلحة الأحزاب الأخرى أن تلحّ، وليس من مصلحة التونسيين الذهاب إلى انتخابات جديدة تلبّي عناد نخبتها السياسيّة، وتهدر المزيد من الوقت والفرص الكفيلة بإنقاذ الدولة من الانهيار...
يمكن للمختلفين أن يصطفّوا وراء كلمة "الزعيم"، كما وصفه الفيلسوف التونسيّ، الأستاذ محمّد محجوب، حيث قال:" كان خطاب سعيّد خطاب زعيم لا خطاب رئيس حديث الانتخاب، ربّما لأنّ خطاب الرمز هو الوحيد الذي يمكن أن يغيّرنا. كان يطلب منّا أن نؤمن بأنفسنا... قام بعمل لم يقدر عليه سواه ... تحويل رمزية المآل إلى رضى الضمير الصادق ... لم يتنكّر لنفسه كأستاذ،وكلّم التونسيّين موقظا، موقدا.."

فاسمعُوا وعُوا، واذهبوا إلى كلمة سواء لتشكيل حكومة التونسيّين جميعا لا حكومة الأحزاب والسراب.


Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 191936

Sarih  (Tunisia)  |Vendredi 01 Novembre 2019 à 08h 21m |           
سي عبد الرزاق
كن عادلا قليلا لماذا أقلقك فقط تمسك النهضة بأن تختار احدا منها لرئاسة الحكومة وأنا معك بأن لايكون الغنوشي و و رغم هذا الحق كفله تلدستور ول يقلقك تمسك التيار بثلاث وزارات بعينها؟؟!!!!! والذي هو ليس من الديتور بشيئ قليلا من الموضوعية وااحياد النسبي ولم أطلب الحياد التام لأنه غير ممكن وغير معقول ايضا، لأن اليوم اصبح جل إن لم نقل جميع التونسيين وخاصة الطبقة المثقفة ونصف المثقفة والمتابعة للشأن العام من بعيد أو من قريب محايدة

Karimyousef  (France)  |Jeudi 31 Octobre 2019 à 21h 58m |           
Le peuple se reconnaît dans kais Saïd parce qu'il est indépendant.le peuple n'aime les partis politiques. Ghannouch est perçu comme chef d'un clan et non un homme fédérateur.
Il vaudrait mieux une personnalité nationale d'expérience comme chahed pour former le gouvernement.