الفايسبوك أرض المعارك الإفتراضية



حياة بن يادم

على خلاف الانتخابات التشريعية و الرئاسية 2014، الذي لعب فيها الإعلام الكلاسيكي الدور القوي في التأثير و في توجيه الناخبين و تحديد إتجاهات التصويت، و خاصة ما يعرف بالتصويت المفيد، نجد في انتخابات 2019، اكتساح الفايسبوك على حساب الاعلام الكلاسيكي. هذا ما لاحظناه في الدور الأول للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها.


إن قيس سعيد لم يقم بحملة انتخابية على الطريقة الكلاسيكية كبقية المترشحين. اذ اختار هدفه بدقة و ذلك بقيامه بحملة تفسيرية تفاعلية مع الشباب. و ليست انتخابية بقدر ما هي توعوية، و قام بدون تكلّف و بظهور باهت في وسائل الإعلام، بتمكين الشباب من حملته و بترجمة لغته الى لغتهم. ليختار الشباب أرض المعركة و هي الفايسبوك، و يصبح كل شاب مديرا و ناطقا رسميا لها.

يتعزز دور الفايسبوك في توجيه الرأي العام على حساب الإعلام الكلاسيكي المنتمي أغلبه الى "السيستام"، في المعركة الانتخابية التشريعية 2019 و الدور الثاني للانتخابات الرئاسية.
لكن ما لاحظناه و حتى بعد انتهاء الانتخابات، مازال الناشطون على الفايسبوك يؤثرون على المشهد السياسي، المتمثل في المشاورات التي تجريها حركة النهضة لتشكيل الحكومة.
أصبح الفايسبوك حلبة صراعات افتراضية، اذ نجد قواعد حركة النهضة دخلت في حملات ثلب ضد كل من يخالفهم الرأي. و لم يسلم منهم حتى حزب الرحمة، فبعد التعاطف معه على خلفية سحب مقعد له من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ثم فرحهم باسترجاعه للمقعد من طرف المحكمة الادارية، نجدهم ينخرطون في حملة ممنهجة ضد الحزب المذكور، واصفين إياه بحزب النور المصري الداعم لسلطة الانقلاب و ذلك على خلفية اختياره موقع المعارضة.

من جهة أخرى تستهدف قواعد حركة النهضة قواعد الأحزاب التي أصدرت شروط تعجيزية للمشاركة في الحكم. نذكر منها بالخصوص التيار الديمقراطي الذي يتابع بدقة و بحساسية مفرطة ازاء كل ما يتداول فيه لينعكس على سياسته.
و هذا كله يحدث تحت أنظار قيادات النهضة، التي تتبرأ بعضها من هذه الممارسات. و هذا يعكس عدم قدرة سيطرة الحركة على قواعدها، مثلما أشار سابقا رئيس حركتها خلال ظهور نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية، حيث صرح أن جزء هام من القواعد صوتت لقيس سعيد دون الرجوع للقيادة و الخروج على الانضباط الحزبي.

لكن الخصم يرى أن هذا يقع بمباركة من القيادة الحزبية لجعلهم تحت الضغط النفسي قصد ابتزازهم سياسيا.
ليكشف الانفعال الفايسبوكي عن وجود إزمة أخلاقية و قصر نظر، ليدلي بضلاله على الفعل السياسي المعقلن، المرتكز على فهم المصالح و التوازنات، فتضيع بسببها على الوطن فرصة تكوين حكومة مصلحة وطنية. في وقت يتطلع الشعب التونسي الى خوض المعركة الحقيقية و هي مكافحة الفساد و القضاء على الفقر، ليتم تحويل وجهته إلى الفايسبوك أرض المعارك الافتراضية.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 191592