حياة بن يادم
تعيش تونس رغم العيون الحاسدة و القلوب الباغضة، في هذا الخريف المبكر على وقع لغة الانتخابات، عوض لغة الدبابة و الدم، لتلقن درسا لأعدائنا و تبهر العالم بانتقالنا الديمقراطي، التي تعيشه بلادنا، منذ ان انتصر الشعب المقتنع بفكرة جميلة عنوانها الحرية و مضمونها الكرامة على آلة البطش المأمورة.
ايمانا مني بأهمية هذه المحطات الانتخابية في نجاح الانتقال الديمقراطي، و بضرورة المساهمة من أي موقع كان حتى و لو كان بسيطا، في صنع تاريخ تونس ثورة الحرية و الكرامة، قررت المشاركة كعضو مكتب اقتراع.
قمت بمهمتي بانسجام تام صحبة اثنين من خيرة شباب هذا الوطن، في تأمين العملية الانتخابية الاولى و المتمثلة في الدور الأول للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها و ذلك يوم 15 سبتمبر 2019. و لنواصل بنفس التركيبة تأمين الانتخابات التشريعية و ذلك يوم 6 اكتوبر 2019 في نفس مكتب الاقتراع عدد01 بالمدرسة الابتدائية نيابوليس نابل الذي يحتوي سجل الناخبين على 98 ناخب من كبار السن.
تم تكليفي بتسليم ورقة الانتخاب و السهر على عملية التحبير، و الشاب محمد مهمته التثبت من هوية الناخبين و أخذ إمضاءاتهم، أما الشاب عدلان و هو رئيس مكتب الاقتراع فمكلف بمراقبة الصندوق.
صدقا اعتبرت مهمتي الأسهل من بين المهمات المناطة بأعوان مكتب الاقتراع مراعات لسني مقارنة بالشابين المذكورين.
بدأ توافد الناخبين بكثرة من قبل حلول الساعة الثامنة، ساعة انطلاق العملية الانتخابية، فوجدنا أنفسنا في ضغط كبير من حيث العدد و من حيث تقدم سنهم، ليجعل من العملية غير سلسة كما في باقي المكاتب حيث الناخبين من الشبان.
و كانت المعضلة الكبرى تتمثل في عملية التحبير. إذ أغلبهم لا يفرقون بين الإصبع الأيمن و الإصبع الأيسر، إما لثقل سمعهم أو لمحدودية فهمهم نظرا لتقدمهم في السن، مما يضطرني أن أمسك بيد الناخب و أضع إصبعه في الحبر.. و الذي زاد من تعقيد الوضعية هو رفض جلهم عملية التحبير، وصل الحد بأحدهم مصطحبا معه مادة الجافال ليقوم حال تحبيره بتنظيفه .
فكان كل تركيزي و جهدي و حتى صوتي الذي يعتبر نسبيا مرتفعا لانحداري من بيئة ريفية، وظفته لاقناع الناخب بعملية التحبير. فكنت أقول إنه دواء و إنه حنة عرسنا الديمقراطي، وكنت ودودة معهم و أعاملهم كأطفال و أتغزل بجمالهم، لعل هذه العملية تمر على خير إذ من دونها لا يكتمل الانتخاب.
اذ وصل الحد بأحدهم تجاوز العقد التاسع رفض رفضا تاما عملية التحبير، إلا اذا أقنعته بجدواها و مصرا على القيام بالعملية الانتخابية، بينت له أن هذا الحبر ليس مضرا بالصحة و هو يشبه لون الحناء الذي يضعه الرجال في إصبعهم وإنه سيزول في أيام قليلة، لكن دون جدوى. تعطلت العملية الانتخابية في المكتب في ظل وجود كثيف وتذمر من بقية الناخبين. فسألته من اصطحبك الى مكتب الاقتراع بغية الاستنجاد به لإقناعه؟، فأجابني لا أحد، فقلت له و أين زوجتك لماذا لم تأت معك للانتخاب؟ فأجأبني بأنها رحلت عن الحياة منذ زمن و أنه يعيش وحيدا، أجبته بتلقائية ماذا لو وجدنا لك عروس تؤنس وحدتك هل ستغمس اصبعك في الحبر؟، ضحك و قال سأغمس كل أصابعي في الحبر.. الحمد لله وضع إصبعه اخيرا. و مرت العملية الانتخابية بسلام.
ناهيك عن عدم فهمم للورقة الانتخابية و حالتهم الصحية التي تستوجب مرافقا لكن القانون الانتخابي صارم في هذه المسالة مما صعب علينا الأمر.
لكن رغم صعوبة العملية، الا أننا قمنا بها بكل رحابة صدر، كما أضافت أطفال البراءة المصاحبين لأجدادهم جو من المرح، وقاموا بعملية التحبير متحدين رفض أجدادهم.
ليشاركنا في المكتب مراقبون و ممثلي أحزاب في جو هادئ و منسجم، دون أن نلحظ توترا بينهم مثلما وقع في انتخابات 2014، بل بالعكس الضحكة كانت حاضرة و الحلويات و الشاي كانت توزع على كامل من في المكتب. و كان الحديث أن العلاقات الأخوية التي تربط بينهم أكبر من الأحزاب .. الحمد لله أني رأيت اليوم الذي أقول فيه دائما، إنه عندما ولدنا لم يكن مكتوبا على جباهنا حزب فلتان أو حزب علّان بل ولدنا توانسة مسلمين عرب.
فاقت نسبة المشاركة بالمكتب المذكور 70 بالمائة، في حين لم تتجاوز النسبة في بقية المكاتب و التي أغلب ناخبيها من الشباب نسبة 30 بالمائة. لنستنتج أن الشيوخ هم من يختارون مستقبل الشباب مع الأسف.
الملاحظ أن المشرفين على العملية الانتخابية في هذا المركز من رئيس و مساعدين للرئيس و رؤساء و أعضاء مكاتب اقتراع و ممثلي المجتمع المدني و الأحزاب أغلبهم من الشباب.
بانتهاء عملية الفرز و تأمين المعطيات و المؤيدات للعملية الانتخابية لدى رئيس مركز الاقتراع، قمنا بتنظيف القاعة و إرجاع الطاولات الى أماكنها، دون أن أنسى أن أكتب على السبورة بسعادة، و كأني طفلة مازالت تحاول فك الحروف، تحية للإطار التربوي و لكل تلاميذ المدرسة المذكورة، آملة ان يكونوا عند بلوغ سن الانتخاب أول المؤتمنين على العملية الانتخابية و أن يكونوا اسيادا في اختيار مستقبلهم.
ثم قمنا بشكر قوات الجيش و الأمن الساهرة على تأمين هذا العرس الانتخابي، لأرجع الى بيتي في حدود الساعة العاشرة ليلا بعد يوم مرهقا، لأكتشف و أنا أنظر في المرآة و أن وجهي مزركش بالحبر و كأنه "حرقوس" غلبتني الضحكة. و رفعت يدي داعية، ربي بقدر حبي للوطن، و بقدر اعتزازي بلغة انتخابات الوطن، و بقدر فخري بهذا الحبر الذي زركش وجهي المنهك، و بقدر حزني على باقي الوطن، استبدل لغة دبابة باقي الوطن، بلغة انتخابات الوطن، و استخدم الحبر السحري للانتخابات لإسعاد شعوب باقي الوطن.
تعيش تونس رغم العيون الحاسدة و القلوب الباغضة، في هذا الخريف المبكر على وقع لغة الانتخابات، عوض لغة الدبابة و الدم، لتلقن درسا لأعدائنا و تبهر العالم بانتقالنا الديمقراطي، التي تعيشه بلادنا، منذ ان انتصر الشعب المقتنع بفكرة جميلة عنوانها الحرية و مضمونها الكرامة على آلة البطش المأمورة.
ايمانا مني بأهمية هذه المحطات الانتخابية في نجاح الانتقال الديمقراطي، و بضرورة المساهمة من أي موقع كان حتى و لو كان بسيطا، في صنع تاريخ تونس ثورة الحرية و الكرامة، قررت المشاركة كعضو مكتب اقتراع.
قمت بمهمتي بانسجام تام صحبة اثنين من خيرة شباب هذا الوطن، في تأمين العملية الانتخابية الاولى و المتمثلة في الدور الأول للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها و ذلك يوم 15 سبتمبر 2019. و لنواصل بنفس التركيبة تأمين الانتخابات التشريعية و ذلك يوم 6 اكتوبر 2019 في نفس مكتب الاقتراع عدد01 بالمدرسة الابتدائية نيابوليس نابل الذي يحتوي سجل الناخبين على 98 ناخب من كبار السن.
تم تكليفي بتسليم ورقة الانتخاب و السهر على عملية التحبير، و الشاب محمد مهمته التثبت من هوية الناخبين و أخذ إمضاءاتهم، أما الشاب عدلان و هو رئيس مكتب الاقتراع فمكلف بمراقبة الصندوق.
صدقا اعتبرت مهمتي الأسهل من بين المهمات المناطة بأعوان مكتب الاقتراع مراعات لسني مقارنة بالشابين المذكورين.
بدأ توافد الناخبين بكثرة من قبل حلول الساعة الثامنة، ساعة انطلاق العملية الانتخابية، فوجدنا أنفسنا في ضغط كبير من حيث العدد و من حيث تقدم سنهم، ليجعل من العملية غير سلسة كما في باقي المكاتب حيث الناخبين من الشبان.
و كانت المعضلة الكبرى تتمثل في عملية التحبير. إذ أغلبهم لا يفرقون بين الإصبع الأيمن و الإصبع الأيسر، إما لثقل سمعهم أو لمحدودية فهمهم نظرا لتقدمهم في السن، مما يضطرني أن أمسك بيد الناخب و أضع إصبعه في الحبر.. و الذي زاد من تعقيد الوضعية هو رفض جلهم عملية التحبير، وصل الحد بأحدهم مصطحبا معه مادة الجافال ليقوم حال تحبيره بتنظيفه .
فكان كل تركيزي و جهدي و حتى صوتي الذي يعتبر نسبيا مرتفعا لانحداري من بيئة ريفية، وظفته لاقناع الناخب بعملية التحبير. فكنت أقول إنه دواء و إنه حنة عرسنا الديمقراطي، وكنت ودودة معهم و أعاملهم كأطفال و أتغزل بجمالهم، لعل هذه العملية تمر على خير إذ من دونها لا يكتمل الانتخاب.
اذ وصل الحد بأحدهم تجاوز العقد التاسع رفض رفضا تاما عملية التحبير، إلا اذا أقنعته بجدواها و مصرا على القيام بالعملية الانتخابية، بينت له أن هذا الحبر ليس مضرا بالصحة و هو يشبه لون الحناء الذي يضعه الرجال في إصبعهم وإنه سيزول في أيام قليلة، لكن دون جدوى. تعطلت العملية الانتخابية في المكتب في ظل وجود كثيف وتذمر من بقية الناخبين. فسألته من اصطحبك الى مكتب الاقتراع بغية الاستنجاد به لإقناعه؟، فأجابني لا أحد، فقلت له و أين زوجتك لماذا لم تأت معك للانتخاب؟ فأجأبني بأنها رحلت عن الحياة منذ زمن و أنه يعيش وحيدا، أجبته بتلقائية ماذا لو وجدنا لك عروس تؤنس وحدتك هل ستغمس اصبعك في الحبر؟، ضحك و قال سأغمس كل أصابعي في الحبر.. الحمد لله وضع إصبعه اخيرا. و مرت العملية الانتخابية بسلام.
ناهيك عن عدم فهمم للورقة الانتخابية و حالتهم الصحية التي تستوجب مرافقا لكن القانون الانتخابي صارم في هذه المسالة مما صعب علينا الأمر.
لكن رغم صعوبة العملية، الا أننا قمنا بها بكل رحابة صدر، كما أضافت أطفال البراءة المصاحبين لأجدادهم جو من المرح، وقاموا بعملية التحبير متحدين رفض أجدادهم.
ليشاركنا في المكتب مراقبون و ممثلي أحزاب في جو هادئ و منسجم، دون أن نلحظ توترا بينهم مثلما وقع في انتخابات 2014، بل بالعكس الضحكة كانت حاضرة و الحلويات و الشاي كانت توزع على كامل من في المكتب. و كان الحديث أن العلاقات الأخوية التي تربط بينهم أكبر من الأحزاب .. الحمد لله أني رأيت اليوم الذي أقول فيه دائما، إنه عندما ولدنا لم يكن مكتوبا على جباهنا حزب فلتان أو حزب علّان بل ولدنا توانسة مسلمين عرب.
فاقت نسبة المشاركة بالمكتب المذكور 70 بالمائة، في حين لم تتجاوز النسبة في بقية المكاتب و التي أغلب ناخبيها من الشباب نسبة 30 بالمائة. لنستنتج أن الشيوخ هم من يختارون مستقبل الشباب مع الأسف.
الملاحظ أن المشرفين على العملية الانتخابية في هذا المركز من رئيس و مساعدين للرئيس و رؤساء و أعضاء مكاتب اقتراع و ممثلي المجتمع المدني و الأحزاب أغلبهم من الشباب.
بانتهاء عملية الفرز و تأمين المعطيات و المؤيدات للعملية الانتخابية لدى رئيس مركز الاقتراع، قمنا بتنظيف القاعة و إرجاع الطاولات الى أماكنها، دون أن أنسى أن أكتب على السبورة بسعادة، و كأني طفلة مازالت تحاول فك الحروف، تحية للإطار التربوي و لكل تلاميذ المدرسة المذكورة، آملة ان يكونوا عند بلوغ سن الانتخاب أول المؤتمنين على العملية الانتخابية و أن يكونوا اسيادا في اختيار مستقبلهم.
ثم قمنا بشكر قوات الجيش و الأمن الساهرة على تأمين هذا العرس الانتخابي، لأرجع الى بيتي في حدود الساعة العاشرة ليلا بعد يوم مرهقا، لأكتشف و أنا أنظر في المرآة و أن وجهي مزركش بالحبر و كأنه "حرقوس" غلبتني الضحكة. و رفعت يدي داعية، ربي بقدر حبي للوطن، و بقدر اعتزازي بلغة انتخابات الوطن، و بقدر فخري بهذا الحبر الذي زركش وجهي المنهك، و بقدر حزني على باقي الوطن، استبدل لغة دبابة باقي الوطن، بلغة انتخابات الوطن، و استخدم الحبر السحري للانتخابات لإسعاد شعوب باقي الوطن.





Warda - مڤادير
Commentaires
3 de 3 commentaires pour l'article 190614