المأزق



بقلم: شكري بن عيسى (*)

لعلّ الملاحظة الأولية الجوهرية بعد اعلان التقديرات الأولية للانتخابات التشريعية لسنة 2019، هو التغيير الكامل تقريبا للمشهد السياسي، بين اندثار شبه كامل لأحزاب بعينها وتوجهات سياسية، وصعود لاحزاب وتشكيلات سياسية لم تكن موجودة بالمطلق، وتراجع للاحزاب الاولى الى احجام صغيرة لا تتجاوز الخمسين (50) نائبا، بعد احجام كبيرة في حدود 89 للنهضة في 2011، و86 للنداء في 2014، والمأزق في المقابل في عدم وجود أرضية لتشكيل حكومة صلبة قادرة على الاستمرار والعمل بفعالية.


تغيير دراماتيكي يضاهي او يفوق ما حصل في 2014، والتصويت ظهر عقابيا في أساسه وعمقه لأبرز أحزاب الحكم (النداء وشقوقه) كما أبرز أحزاب المعارضة (الجبهة)، دون نسيان حزب الحكم الثاني (النهضة) الذي فاز بالمرتبة الاولى مع تقهقهر يقارب 30% في عدد النواب، مع صعود أحزاب في المراتب الاولى: قلب تونس (المرتبة الثانية) والدستوري الحر (المرتبة الثالثة)، وايضا ائتلاف الكرامة (المرتبة الرابعة).

النداء الذي حاز 86 مقعدا في برلمان 2014 مع مرتبة أولى بفارق عريض على النهضة، انقرض تقريبا في برلمان 2019 ولم يحز سوى 4 مقاعد حسب التقديرات داخل تونس في انتظار الخارج، وحتى لو أضفنا اليه شقه المتمثل في تحيا تونس الذي حاز (داخليا) قرابة 16، فلن يتجاوز عشرين (20) نائبا بانهيار شبه كامل، أمّا النهضة فبرغم تفوقها بالمرتبة الاولى وطنيا فهي تراجعت بقرابة 20 نائبا وما يفوق 400 الف ناخب، بالرغم من اضافة قرابة مليوني ناخب على انتخابات 2014.

الجبهة الشعبية التي قادت المعارضة لخمس (5) سنوات بـ15 نائبا، لم يتضح لحد اللحظة ان كانت بتشكيليتيها (التي يقودها الهمامي والرحوي) ستتواجد أصلا في البرلمان القادم، فالارقام تبدو ميكروسكوبية الى حد أنها لم تظهر، ونفس الشيء لحزب الرياحي الوطني الحر الذي كان يحوز 16 نائبا، وتراوح بين الانتماء للسلطة والمعارضة.

القادمين الجدد الوازنين بالاساس ثلاث تشكيلات، قلب تونس الذي يقوده نبيل القروي بقرابة 35 نائبا (داخليا)، وهو الحزب الذي بعث في 2019 ولم يكن موجودا أصلا قبل خمس سنوات، اضافة لحزب الدستوري الحر الذي تقوده عبير موسي بقرابة 14 نائبا، وهو الذي لم يكن أيضا حاضرا في الساحة في 2014، زيادة على ائتلاف الكرامة الذي يقوده سيف الذين مخلوف، الذي بدوره لم يظهر ويتشكّل سوى قبل أشهر.

ولعلّ الفائزين الوازنين المثيرين للاهتمام هي بقية الائتلافات والمستقلين الذين يفوقون 30 نائبا (داخليا)، لعلّ ابرزها عيش تونسي الذي حاز على الاغلب 4 مقاعد، هي القوى الصاعدة الجديدة التي توسم المشهد الجديد، حيث لم يتمكن في البرلمان المنتهية ولايته سوى صعود نائبين مستقلين، أما الفائزين المتقدمين في النتائج فهما على التوالي حركة الشعب والتيار الديمقراطي بـ15 نائبا للاولى و14 للثانية، بعدما كانوا لا يحوزون سوى ثلاثة (3) نواب، والتقدّم يبدو كبيرا اذ الحجم تضاعف لكليهما بخمس (5) مرات.

والمزاج الانتخابي يبدو انه تحوّل جوهريا وأحدث خارطة سياسية جديدة، مختلفة في مكوناتها وحساسياتها ومرجعياتها، والرجّة تبدو حادة جدا وقد تصل الى مستوى الزلزال في تواصل زالزال 15 سبتمبر، والانتفاض الشعبي السلمي ظهر جليا من خلال القلب العميق للارقام، لكن العقاب لم يكن في هذا المستوى فحسب، بل سبقه الى العزوف-المقاطعة الذي قارب الستين (60%) بالمائة، حيث لم يصوت بين الداخل والخارج سوى قرابة مليونين و850 الف، اي بنسبة أقل من 40% وتراجع بما يزيد عن 600 الف ناخبا عن رئاسيات 15 سبتمبر، بل أكثر من 700 الف ناخبا عن تشريعيات 2014 بالرغم من زيادة قرابة مليوني ناخب بين الاستحقاقين.

العزوف او المقاطعة هي شكل عقابي واعي من جهة وغير مباشر من اخرى، فالعزوف أساسا ناتج عن غياب الحافز والجدوى من التصويت، وغياب الايمان بحصول الخلاص والتغيير فيما سيأتي، لكن بصفة مركزية في البرلمان والسلطة التشريعية وجدواها أصلا، حيث لم يعد يرى أكثر من نصف الشعب أن هذه السلطة تمثل ارادتهم، ولذلك لم يكترثوا باعادة تجديدها او قاطعوها رأسا، وربما العنصر الثالث تمثّل في غياب المترشّح الذي صنع الامل للشباب: قيس سعيد، اذ التراجع في النسبة قد يفسّر في جزء منه لغيابه، خاصة في تشريعيات اتسمت بغياب الوضوح والتمايز بين القائمات، ولعلّ تنقّل الطلبة للدراسة الجامعية ربما ايضا حرمهم من المشاركة ما اثر في تراجع المشاركة.

الغضب الشعبي نحو السياسيين والطبقة الحاكمة خاصة، تميّز بتغيير كامل للمشهد السياسي، بسحب الثقة من الاحزاب الحاكمة، والشعب التونسي انتفض بذلك على قراره السابق، وغيره جوهريا في اتجاه مختلف، واظهر بذلك ذكاء وجدانيا على حد قول مؤسس العقد الاجتماعي روسّو، واصدر عقوبته النافذة يمينا ويسارا، لكنّ العقاب الحاسم باستعادته زمام الامور، لم يأخذ بعين الاعتبار التداعيات على المستقبل، اذ الهروب من غول الفقر والجوع والبطالة والتهميش، يبدو أنه أوقعه قبالة وحش جديد، خاصة قبالة أحزاب موصومة بالمافيوزية والتجارة بفقر الشعب، وأخرى تدعو للكراهية والحقد الى حد الفاشية.

فقلب تونس الذي فاز بقرابة 35 نائبا (داخليا)، الحقيقة أبعد ما يكون عن هوية وهيكلة الحزب، اذ نشأ عبر استثمار الاشهار الاعلامي وذراع جمعياتية خيرية متحيلا بذلك على القانون، هذا دون اغفال الاتهامات بالفساد التي تلاحق مؤسسه القروي وخاصة المتعلقة باللوبيينغ، واتجاهه للفئات الفقيرة لم يكن سوى لاستغلال بؤسها واميتها، وليس من اجل الاستثمار والتشغيل والتنمية الفعلية لاحداث الانقاذ، اما الدستوري الحر الذي فاز بقرابة 14 نائبا، فقد ظهر انه نسخة للجبهة الوطنية الوطنية الفرنسية في شكل مشوّه، اما زعيمته موسي فلا تحسن سوى خطاب الكراهية والاقصاء والعودة للماضي الدكتاتوري.

الشق "الحداثي الديمقراطي" الذي كاد يندثر، بتقلص النداء وشقوقه الى الاقصى وشبه اندثار احزاب مرزوق والعايدي وياسين ابراهيم وامثالهم، يعتبر ائتلاف مخلوف بنفس خطورة موسي والقروي، في اتجاهه نحو الراديكالية والاصولية الاسلامية، والمأزق يبدو اليوم عميقا لان الهروب الشعبي كان في اتجاه الهاوية، فزيادة عن ظهور تشكيلات أصولية ومتهمة بالفاشية والمافيوزية، الادهى والامر هو تشظي المشهد السياسي وتفتته الى حد التذرر، ما سيصعب معه ان لم يكن يستحيل ممارسة الحكم واتخاذ القرار.

فتشكيل ائتلاف حكومي بما يزيد عن 109 نائبا، يبدو تحديا رهيبا اذا نظرنا لاعتبارات ثلاثة، اولها الحجم الضعيف للحزب الاغلبي، اما الثاني فيتمثل في التناحر السياسي الى حد التنافي بين الكيانات الفائزة، وعدم وجود قاسم مشترك سياسي او ايديولوجي، والثالث فيرتبط بالوقت الضاغط اذ الفصل 89 من الدستور، لا يمنح سوى 4 اشهر على اقصى تقدير من التكليف الاول للحزب او الائتلاف الانتخابي الفائز (ولم تمنح الثقة للحكومة من المجلس النيابي) لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس النواب والدعوة لانتخابات تشريعية جديدة، في اجل ادناه خمسة واربعون يوما واقصاه تسعون يوما.

والحقيقة أن صعوبة تشكيل حكومة باغلبية مريحة سواء اقترحت النهضة شخصية من داخلها او خارجها في المرحلة الاولى، او باختيار رئيس الجمهورية "الشخصية الاقدر" بعد استشارة الاحزاب والائتلافات والكتل النيابية اثر فشل التمشي الاول، يبدو حقيقة موضوعية تؤسسها الخلافات العميقة والتشظي الكبير بين المكونات البرلمانية، وحتى ان تشكلت حكومة دون قاعدة صلبة فستكون قائمة على اسس هشة جدا، ولن تقدر على الصمود والتماسك والانسجام والفعالية، وستنهار في اول اختبار.

والبداية تأتي من التيار الديمقراطي الذي اختار مباشرة المعارضة من خلال اولى التصريحات بعد اعلان النتائج، والاكيد أن الرفض يتزايد مثلا بين الدستوري الحر من جهة والنهضة والكرامة من اخرى، فضلا عن الاتهامات بين مونبليزير وحزب القروي، واكيد الاشتراطات ستتعالى بين الجميع، ولا نعقتد ان السعي لانقاذ الانتخابات سيغلب، وحتى ان غلب فالارضية ستكون مترهلة، والثابت ان أساسيات قيام حكومة وفق النتائج الحالية غير قائمة، واقامتها عبر "فورسينغ" لن يولّد سوى مزيد الانهيار، في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتداعي أصلا !!

(*) باحث في القانون وفي الفلسفة

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 190530

MOUSALIM  (Tunisia)  |Lundi 07 Octobre 2019 à 07h 11m |           
ألف تحية وتحية صباحية إلى الجميع والبداية طبعا مع نتائج الدربي حتى تتبين النتائج الرسمية .فمنذ الثورة حافظ الدربي على تشويقه بين فريقين بصراحة رغم كثرة الأحزاب بين فريق الثورة وفريق الثورة المضادة .فريق دماغ الجمجمة وفريق دماغ البطن .ففريق الثورة جمع 73 مقعدا تقريبا والفريق المنافس 86 مقعدا والمستقلون 40 مقعدا .يعني لا تختلف كثيرا عن نتائج 2014 . وفريق الثورة شهد هو الآخر إنقساما بين لاعبي الخبرة
والطموح والحماس .وفريق الثورة المضادة يغير من أقنعته من العريضة الى النداء إلى قلب يعني من الخبزة ب100مليم إلى البكاء على المرأة التي لم تتناول اللحم وصولا إلى المقرونة .ننتظر الكشف عن النتائج الرسمية ونزع الأقنعة عن المستقلين لتتضح الحقيقة أكثر في قادم الأيام .