الغنوشي والجنس اللطيف..



نصرالدين السويلمي

يملك زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي قدرة هائلة على التعايش مع محيطه ، ويتسلح بمرونة قل ما يحتكم عليها ورؤساء الحركات الإسلامية وحتى الإصلاحية وكذا رؤساء الأحزاب الموصولة بالهوية ، فالرجل يحسن التحرك في المساحة الفاصلة بين المبادئ والمصالح دون جرح هذه او الزهد في تلك ، ويتنقل بسلاسة في أروقة المباح المحفوف بالمحاذير.


تعايش الغنوشي الدعوي كما تعايش مع السياسة والفكر والثقافة ، وعلى خلاف الكثير من رموز الحقل الإسلامي ، نجح الرجل بتلقائية ودون الاستنجاد بـ التكلف والتجمل الحداثي المصطنع ، نجح في إيجاد علاقة تواصل جيدة وسليمة مع الجنس الرقيق من خارج سياقات الاخت والحجاب والتراتيب الفقهية. ليس الغنوشي اول رجال الفكر الإسلامي الذين تواصلوا مع المرأة كقيمة نسوية إنسانية بغض النظر عن سلوكاتها وقناعاتها وتعريفها للدين والأخلاق والقيم، لكن قد يكون من القلائل الذين يخلو سلوكهم تجاه المرأة من التكلف ولا يشعر المتابع بالتصنع لدى الرجل حين يكون بصدد ادارة علاقة ما مع الجنس اللطيف ، كما تغيب حالات التقمص والارتباك على مجمل سلوكاته، قد يكون الحديث غريبا عن علاقة زعيم سياسي ورجل فكر ذائع الصيت بنصف المجتمع ، الذي يفترض ان لا نتحدث فيه عن السلاسة بل يجب التأكيد على حتمية التطبيع الكامل وغير المتردد ، لكن نحن هنا لسنا بصدد شخصية سياسية فكرية متنصلة من الضوابط الشرعية ، تفتح العلاقة مع المرأة على مصراعيها وتتركها لمقود المزاج ، لا يضيرها ان توقف المزاج عند عتبات الصداقة أو الزمالة او الملاطفة او حتى تعداها الى المخادنة ، بل نحن بصدد شخصية تؤصل إلى علاقة مفتوحة وشراكة كاملة ، ضمن ضوابط شرعية متخففة من التقاليد المكبلة والموروث المشدود الى العرف والعادة ، والنصوص الدينية التي تم التجني والتعسف على تأويلها ، وتم توجيهها غصبا نحو وجهة غير التي أُسست لها وبعثت من أجلها .

آثار الغنوشي الكثير من ردود الأفعال وسيثير، كان الهدف الشهي للكثير من السهام ومازال، وكيف تغمد السهام والى من ستوجه ان لم تنطلق تجاه شخصية اسلامية بصدد تفكيك واعادة ترتيب الفكر الإسلامي وعلاقته بالسياسة والدولة والمرأه والمجتمع والمال والثروة والخارج والفن والرياضة.. فكرة اخرى جديدة يراقبها المحيط القريب والبعيد باهتمام كما يراقبها البعض بالحذر، الآن وفي زمن ما بعد ثورة الحرية والكرامة ينتقل الإسلام السياسي من قوة مغالبة مصادمة تواقة الى التضحيات التي تقود الى الجنة، تعتبر التنازل عن حقها دنية ومذلة وهيهات منها الذلة، الى قوة ناعمة دافئة تلين بيد يدي الصناديق وتخفض جناحها عند الانتصار، وتعيد إنتاج المفاهيم الغالبة على التنازلات، فترحلها من خانة الرذيلة الى خانة الفضيلة، تحولت الدولة في مفهوم التجربة الغنوشية من عدو مجرم يرسل الاخيار الى الآخرة الى عروس يطلب الأخيار ودها، لم يعد الآخر المخالف هو العدو على شرط الإيديولوجيا بل أصبح الشريك على شرط المواطنة.. كان الشعار هو الصدام من أجل الفكرة، فتحول في التجربة التونسية الى الحوار من اجل مساحة أوسع لعرض الفكرة.

لقد تمكن الغنوشي وحركته من اقحام مفاهيم كثيرة وسريعة بدأت تتوسع خارج تونس وتغري التجارب الاخرى. ثم قدّم الغنوشي نماذج حية للعلاقة مع السلطة وتجاوز تلك الادبية الفكرية التي تغط منذ عقود في أغوار الكتب والمجلدات، ولعل أرقى ما وصلت إليه التجربة التونسية هو الاستلام والتسليم! تلك اللحظات المشؤومة التي وقعت خلالها المذابح وتقطعت الأرحام وخربت المدن وسقطت الدول، واليوم في تونس يجري الاستلام والتسليم بهدوء، بل لقد نفذت النهضة وزعيمها واحدة من أغرب عمليات التسليم، عملية دارت بعيدا عن قرارات الصناديق قريبا من متطلبات المصلحة الوطنية العليا.

يراقب المجتمع التونسي القلق المتوتر الحركة السياسية البطيئة في البلاد، ولا يرى غير التجاذبات السطحية التي تتم على حسابه وحساب أوضاعه الاجتماعية، وله ذلك فالزّحام اليومي والعرق المتدفق والمشاغل المتراكمة لن تسمح له بالتوغل في أمعاء الصورة، لكن المتابعين بتجرد وشفقة وأهل الاختصاص، يدركون ان وجبة تونسية بصدد الإعداد على نار هادئة، رصيدها فن التعايش وذروة سنامها إدارة الشأن العام بعيدا عن لغة البارود، واوتادها الشراكة تحت شروط الدستور والقانون، هاهنا ساحة سياسية حزبية تتحرك نحو تجفيف منابع الاقصاء، والقبول بالآخر الذي مر عبر مصفاة الدستور وراقبت أمتعته بوابة القانون بأجازتها... إننا ننجح.. إننا على بعد امتار من المنصة.. إننا لنجد ريح تونس لولا أن تفندون..

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 190325

Lechef  (Tunisia)  |Samedi 05 Octobre 2019 à 07h 56m |           
Là, personne ni Ghannouchi ni autre ne pourrait être classée avant Mourou . Ce dernier est champion par excellence.