''عيش تونسي''.. للتحيّل عنوان



بقلم: شكري بن عيسى (*)

يبدو أن التدهور في الساحة السياسة بلغ مداه، الى حدّ أنّ أموالا صرفت بالمليارات، وتوظيف لموارد بشرية جبارة واشهار سياسي مهول، فقط لـ"حركة" تريد الوصول للحكم، تحمل لواء بدائي غريزي يتمثل في "العيش"، بتوصيف استثمر فيه الجميع دون تبرير: "تونسي"، ولكن المثير للجدل حقيقة أنّ هذه "الحركة"، برغم اعتمادها جوهريا على المال دون مرجعية ولا هوية، فهي مع ذلك توصلت الى تحقيق أرقام في المشهد السياسي.


هذه "الحركة" التي تدعي أنها ليست حزبا، وأنّها تتمايز عن الاحزاب، بل أنّ شعار "ماناش حزب" هو أبرز عناوينها الانتخابية، وأبرز استراتيجياتها الانتخابية، للتنصل من الانطباع السيء ازاء الاحزاب، تدعي أنّها ليست حزبا ومع ذلك هي تمارس أهم أدوات الحزب، وهي الوصول للسلطة والتنافس على "الكرسي" من أجل ممارسة الحكم.

"الحركة" الحقيقة جمعت كل المتناقضات من أجل الوصول للسلطة، فقد وظفت كل أدوات التسويق والدعاية على الطريقة التجارية، عبر حملات اشهارية ذات وزن ثقيل اعتمدت فيها على فنانين مشهورين، والهدف كان واضحا بالصعود السريع في سلّم الانتشار، والطريقة بالاساس تجارية ولا علاقة لها بالسياسة، التي ترتكز على جملة من المبادىء والقيم والافكار الجامعة، وتسعى لكسب التأييد والانخراط عبر التفاعل المواطني والنقاش، والالتزام النضالي لافرادها ومؤسسيها وليس عبر الاشهار، وفي جانب آخر "الانتداب" المباشر.

طريقة نشر الافكار الجامعة أو البحث عنها، لم يتم بطريقة الخطابة والدعاية السياسية المعهودة، التي يقودها المناضلين المؤسسين، بل عبر "الانتداب" على طريقة فرق كرة القدم "المحترفة"، التي ليس لها وقت للتكوين تنتظر "المركاتو" اي سوق التنقلات لـ"شراء" اللاعبين، وهذا بالضبط ما يحدث لدى هذه "الحركة" التي تعدّت توظيف الفنانين في الاشهار، لتندبهم مباشرة وتقدمهم للمنافسة وخوض المباريات من أجل "الكراسي".

والامر لم يقتصر في توظيف المشاهير على الفنانين، بل تعداهم للرياضيين والاعلاميين والكرونيكارات، وكل من له اسم واشعاع عبر وسائل الاعلام، فالوقت ثمين لهذه "الحركة" التي لا يهمها المام الشخص بالسياسة والشأن العام، بقدر ما يهمها الفعالية وتحقيق الاهداف بالسرعة القياسية للوصول لـ"الكراسي"، وما دام "اليورو" موجودا وبالكميات اللازمة، فما الداعي للتكوين وانتقاء السياسيين فالاشعاع يكفي لحصد الاصوات، وان لم يكن المعني نزيها او ذا مصداقية او يمتلك الكفاءة، فالمجتمع بامتياز مجتمع "الاستهلاك" و"الاستعراض" على حد قول الفيلسوف Guy Debord.

ومع ذلك يدعون أنهم ليسوا حزبا ولا تعنيهم السلطة، فالعمل الذي يقومون به يبدو خيريا أو تربويا او ثقافيا أو علميا أو اجتماعيا، فلا تصدّقوا أنّ "عيش تونسي" هي التي تقدّمت للانتخابات التشريعية، وتريد أن تحصل على مقاعد في مجلس النواب، بل أنّ هذا محض اشاعات و"فايك نيوز" لا اساس له من الصحّة.. فهذا كان قبل الدعوة للانتخابات لا غير، لكن بمجرد انطلاق المسار الانتخابي النيابي وجدناهم في 32 دائرة، وطبعا كان لا بد من تسويق كل تبريرات، "انقاذ" الوطن من الفاشلين وحتى الخونة.

وتقديم النفس والمسألة كـ"واجب" يفرضه الوطن على "الوطنيين"، وطبعا تقديم النفس كـ"بديل" وكـ"حلّ" للفشل، لا يتمّ بمنجزات أو سياسات وبرامج وفق رؤية من خلال هويّة واضحة، بل من خلال بعض العموميات مثل توفير فرق امنية في محطات النقل، وعدم تمتع النائب بالامتيازات والحصانة وممارسة "السياحة الحزبية"، وغيرها من الشعارات البسيطة التي لا تحتوي على اهداف سياسية عميقة، وتقدم كبديل للوعود الوهمية للسياسيين الفاشلين، بطريقة استعراضية تسويقية، ولكن بنفس الوهم الى حد تسويق السراب، فلا ضمانات للتطبيق والالتزام اذ لا شيء مثلا سيمنع السياحة الحزبية، ولا شيء سيجعل الحكومة توفر الفرق الامنية المذكورة اذا كان هنالك اولويات اخرى ولا توجد موارد بشرية ومالية، بل ان الطريقة المعتمدة ستكرّس السياحة المنتقدة كما ان حرمان النائب من بعض الموارد المالية سيدفعه نحو الرشوة.

والطريقة فضلا عن الاشهار المكثّف واستعمال المال السياسي بشكل اساسي، فهي تعتمد البروباغندا والمغالطات والتضليل، بالاستثمار في الشعبوية وادعاء البحث عن مصلحة الشعب، واقامة هوة بينه وبين النخب السياسية والاكاديمية، والغاية بالاساس هي غنم الاصوات، وانقاذ المواطن ليس سوى للاستأثار بصوته من أجل السلطة، والمواطن بالفعل يخرج من تحيّل ليقع في تحيّل سياسي جديد، واللعب المكثف على استثارة العواطف والانفعالات من جهة واستدعاء الخوف، وادعاء توفير شبكة أمان، يجعل الخطاب قويا مؤثّرا خاصة بفعالية التكرار والمعاودة والماتراكاج الاعلامي.

والامر وصل الى حدّ الركوب على مقولة الفائز المتأهل للدور الثاني في الرئاسية قيس سعيد، المتمثلة في "اسقاط السيستام"، هذا بدون هوية ولا رؤية ولا افق سياسي ولا مناضلين، بل بجيش سياسي يذكرنا بالانكشاريين، الذين لا تجدهم الا وقت الانتصارات والرخاء، ويفرون عند أوّل سقوط، أو توقّف تدفّق الاموال، لهذه "الحركة" التي لم تنشر مصادر تمويلاتها المثيرة للجدل، ولا ارقامها ولا حجم الاشهار الذي اعتمدته، والفنانين الذين وظفتهم في الصدد والمبالغ التي منحتها لهم، وهي التي تدعي محاربة الفساد وبقيت في الضبابية والدكانة في خصوص تمويلاتها ومصاريفها.

ومن الاهمية بمكان الاشارة الى الاشهار السياسي الذي حصدت منه دعاية واسعة، متحيّلة بذلك على القانون مذ التأسيس، ولا ندري الحقيقة كيف بهكذا "رصيد" ستكون "بديلا" او "منقذا"، في الوقت الذي نسجّل فيه عجزا فادحا في رقابة اموال الجمعيات، خاصة وان محكمة المحاسبات في 2015 اشارت الى ارتفاع قارب 5 مليارات من المليمات، في موارد الجمعيات قبل انطلاق انتخابات 2014، محذرة من خطورة الامر الذي بقي دون تنظيم قانوني، ولا رقابة ادارية او مالية او قضائية فعالة، وهو ما استغلته جمعية الفة تراس لتوظيف الذراع الجمعياتي، والتسلل عبر الفراغ القانوني للدعاية الممنوعة وغير المراقبة.

توظيف Call center للاتصال والدعاية، ذكرنا الحقيقة باستعمال فيالق اليد العاملة المسحوقة بعد الثورة الصناعية، والتجارة في خصاصة وبطالة عديد الطلبة، خاصة وان التوظيف كان بالمئات، وباستعمال طرق التحيّل على المواطن، من أجل استغلال احباطه وياسه، لتوجيهه نحو الامضاء لما يسمى الـ"وثيقة" التي تتحوّز صفة "التوانسة"، لتستغلّ البؤس والفقر والاقصاء والتهميش وايضا الامية، بنفس طريقة او بطريقة موازية لما اعتمده القروي.

من المثير للاستفهامات العميقة أن هذه "الحركة" التي تدعي "التغيير" وحتى "الانقاذ"، كما تدعي "التشاركية" والتواصل مع "المواطن" وسبر "رايه"، لا تقوم في جوهرها بالاساس الا على شخص واحد ومصدر تمويل واحد في اغلبية الفعاليات ان لم يكن كلها، فترّاس هي الممولة وهي ايضا "الفاتقة الناطقة"، ومن سيتكلم معها وهي المالكة لـ"الاصل التجاري"، ومجرد كلمة منها تنهي وتأمر وتقرر، يوم الاحد صرّح الناطق الرسمي باسم "الحركة" في "وحش الشاشة" بانه من الممكن التحالف مع النهضة، اذا ما وضحت بعض الامور حول الشفافية، لتخرج مالكة "الاصل التجاري" من الغد مع مريم بلقاضي، وتلغي ما قاله بالمطلق وجملة وتفصيلا، لتضع خطا احمرا امام اي تعامل مع النهضة، وهذا الحقيقة يعيدنا الى فريق كرة القدم المنتدب الذي يمكن التخلي عن احد لاعبيه او وضعه على دكة الاحتياط بمجرد كلمة، ولو ان هناك فارق في ان اللاعب له حقوق تعاقدية وكرامة لا يمكن دوسها.

الشعبوية الحقيقة أخطر أمر على الديمقراطية وعلى الحقيقة، وايضا المعنى والقيمة وحتى على الشعب، وهتلر انطلق منها ووظفها بقوّة، ففضلا على استعمالها المقيت للمواجهة بين الشعب ونخبه، وما تقيره من شرخ في الصدد، فهي تسعى لتزييف الوعي وتخلق قطيعا تبّعا وتضرب التفكير والنقد، وهي اذ تمارس الوصاية باسم الشعب وادعاء الدفاع عنه، وتمكينه من حقوقه المسلوبة في السلطة والتعبير وكذلك في الثروة، فهي في عمقها تحيّل من أجل تملّكها والسطو عليها !!

(*) باحث في القانون والفلسفة

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 190221