في حق النفاذ الى المعلومة وفي الأكذوبة الكبرى المكلفة



لسعد الذوادي

في اطار تنامي ظاهرة الاصلاحات الفولكلورية والندوات السياحية الممولة من دم دافعي الضرائب من منتجي الثروة ومن الهبات الاجنبية تم الاحتفال اخيرا باليوم العالمي للحق في النفاذ الى المعلومة الموافق ليوم 28 سبتمبر من كل سنة حسب القرار الصادر عن منظمة اليونسكو بتاريخ 17 نوفمبر 2015. وقد فوجئ بعض الحاضرين المتفطنين للمسرحية الكبرى التي نحن بصدد دفع تكلفتها الباهضة بعد 14 جانفي 2011 لتلك العكاضيات بعدم التطرق للثغرات التي تطبع القانون الصوري عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بحق النفاذ الى المعلومة الذي تم سنه في اطار تضليل الراي العام المحلي والدولي وبضغط من الجهات المقرضة والمانحة. كان من المفروض عرض مشروع نص خلال تلك العكاضيات يتعلق بتنقيح ذاك القانون الصوري بغاية دفع السلطتين التنفيذية والتشريعية الى سد الثغرات المضمنة بصفة متعمدة به.


لا يخفى على احد ان الفصل 6 من القانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بحق النفاذ الى المعلومة يفرض على الحكومة نشر تقارير التفقد وبالاخص المعدة من قبل الرقابة العامة للمصالح العمومية والرقابة العامة للمالية والرقابة العامة لاملاك الدولة على الشبكة العنكبوتية ووضعها على ذمة العموم مثلما تفعل ذلك دائرة المحاسبات. خلافا، لذلك تصر الحكومة على عدم نشر تلك التقارير في اطار مسرحية ومهزلة الحوكمة المفتوحة او بالاحرى الكذبة المفضوحة. كما ان المواطنين يتذمرون من عدم رد المصالح الادارية والمؤسسات العمومية على مطالبهم المتعلقة بحق النفاذ الى المعلومة. لماذا لم تبادر مصالح الدولة وبصفة خاصة المصالح الإدارية ومختلف مصالح وهيئات الرقابة والتفقد والتدقيق والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية والمنشآت ذات المساهمات العمومية بمد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بتصاريح تتضمن كل ما بلغ إليها وما أمكن لها الحصول عليه في قيامها أو بمناسبة قيامها بمهامها من معلومات ومعطيات تندرج ضمن مهام الهيئة ومن شأنها أن تساعد هذه الأخيرة على القيام بالمهام المنوطة بعهدتها على أحسن وجه كما اقتضت ذلك احكام الفصل 34 من المرسوم الاطاري عدد 120 لسنة 2011 المتعلق بمكافحة الفساد ؟

لماذا لم يبادر محافظ البنك المركزي التونسي ورئيس هيئة السوق المالية ورئيس بورصة الأوراق المالية ورئيس مجلس المنافسة وكل الهيئات الأخرى المعنية بمد الهيئة بكل ما لديهم من معلومات وبيانات ووثائق حول العمليات التي قامت بها مؤسسات القرض ومؤسسات التوظيف الجماعي وشركات الاستثمار والشركات المدرجة بالبورصة وتوحي بوجود ممارسات فساد مثلما اقتضت ذلك احكام الفصل 36 من نفس المرسوم ؟

ايضا، يتجرا اغلب اعضاء الحكومة على الدوس على احكام الفصل 145 من النظام الداخلي حين يرفضون الاجابة على اسئلة النواب او الاجابة عليها خارج الاجال الواردة بالفصل المشار اليه.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، رفض وزير المالية الاجابة على اسئلة النواب وبالاخص تلك المتعلقة بملفات فساد خطيرة تتعلق بالتمعش من المال العام واهداره والاستيلاء عليه كمنح رفع يد بعنوان عقارات معقولة من قبل قباض المالية ليتم التفويت فيها فيما بعد دون ان تستخلص الخزينة العامة حقوقها واسقاط الديون العمومية وشطبها واسقاط الخطايا القضائية والمرورية والتعامل مع السماسرة في الملفات الجبائية والفاسدين ومخربي الخزينة العامة دون رفع امرهم للنيابة العمومية والعبث بالاملاك المصادرة وتسمية الزملاء من الموظفين العموميين والمتقاعدين وغيرهم من فاقدي الكفاءة والاهلية على راس المؤسسات المصادرة المهددة بالافلاس لكي يقبضوا منها اجورا خيالية مقارنة باجورهم بالوظيفة العمومية دون الحديث عن المتقاعدين الذين يواصلون قبض جراياتهم في خرق للفصل 2 من القانون عدد 8 لسنة 1987 المتعلق بعمل المتقاعدين وغير ذلك من الملفات الخطيرة. ايضا، رفض وزراء الصحة في عديد المناسبات مد البعض من اعضاء مجلس نواب الشعب بنسخة من تقرير التفقد المتعلق بالصيدلية المركزية بتعلة واهية مفادها انه تمت احالته خلال شهر ماي 2018 للقطب القضائي الاقتصادي والمالي. كما ان وزير الصناعة رفض مد اعضاء مجلس نواب الشعب بنسخة من العقد المتعلق بمحطة توليد الكهرباء برادس بتعلة ان بها بند يلزم الحكومة بعدم كشفها للعموم وهذا مظهر من مظاهر الفساد. ايضا، رفض الوزير المكلف بتكنولوجيات الاتصال مد النواب بقائمة في المهمات الاستثنائية التي قام بها مراقب حسابات شركة اتصالات تونس والمبالغ التي قبضها بهذا العنوان قبل 14 جانفي 2011.

الاتعس من ذلك ان رئيس الحكومة يرفض الرد على اسئلة نواب الشعب الكتابية والشفاهية في دوس مفضوح على احكام الدستور والفصلين 145 و146 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب. ان عدم حرص اعضاء الحكومة على احترام الاحكام التشريعية والترتيبية يعد مظهرا من مظاهر الفساد حسب احكام الفصل 2 من القانون عدد 10 لسنة 2017 المتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المبلغين ويفضح اكذوبة الحرب على الفساد والحوكمة المفتوحة.

من لا يعرف ان اصدار القانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بحق النفاذ الى المعلومة جاء بضغط من الجهات الاجنبية المقرضة والمانحة ليتم فيما بعد افراغه من محتواه بمقتضى الفصل 31 منه. الغريب في الامر ان بعض الاغبياء والجهلة طبلوا وزكروا لذاك الانجاز العظيم والحال ان ذاك الحق تم التلاعب به وقبره.

فاذا لم تستجب الجهة المطلوب منها المعلومة في اجل 20 يوما يصبح من حق الطالب للمعلومة التظلم لدى هيئة النفاذ الى المعلومة. اذا افترضنا جدلا ان الهيئة اصدرت قرارا لفائدة الطالب للمعلومة، يكفي ان تبادر الجهة المطلوب منها المعلومة باستئناف القرار امام المحكمة الادارية ليقبر بذلك الحق في النفاذ الى المعلومة باعتبار ان البت في تلك القضية قد يتطلب مدة تتراوح بين 3 سنوات و5 سنوات وعندها يتم قبر حق النفاذ الى المعلومة في اروقة المحكمة الادارية. ان طول اجال البت في القضايا يبقى مظهرا من مظاهر انكار العدالة. كان من المفروض اجبار المحكمة الادارية على البت في مطالب الاستئناف في اجل 30 يوما حتى لا يتم افراغ الحق من محتواه. المفسدة الاخرى تتمثل في عدم احداث جريمة صد يعاقب عليها بالسجن. اما هيئة النفاذ الى المعلومة، فلا يمكنها تسليط العقوبة المالية المتراوحة بين 500 دينارا و 5000 دينارا على الذي يتصدى لحق النفاذ الى المعلومة، ناهيك ان تلك العقوبة يستحيل تطبيقها اذا قام الهيكل الخاضع للنفاذ بالطعن بالاستئناف امام المحكمة الادارية. الاكثر تعاسة ان تلك العقوبة قد تسلط على الهيكل المطلوب منه المعلومة عوض ان تسلط على المسؤول الفاسد وكل من ساهم في التصدي لحق النفاذ الى المعلومة.

وباعتبار ان الحكومة مصرة على الدوس على احكام اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد التي تفرض المراجعة الدورية للنصوص المتعلقة بمكافحة الفساد بغاية معرفة نجاعتها فان مراجعة القانون الصوري عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالنفاذ الى المعلومة تبقى مستبعدة.

الاكثر تعاسة ان نصدم بالاحكام الصادرة عن المحكمة الادارية على اساس المرسوم عدد 41 لسنة 2011 التي داست على حق النفاذ الى المعلومة دون تعليل مقنع. نتمنى ان لا تتكرر هذه المهزلة والفضيحة في اطار القانون عدد 22 لسنة 2016 وبعد احداث هيئة النفاذ الى المعلومة.

كما نتمنى ان لا يتواصل اهدار المال العام المتاتي من دم دافعي الضرائب من منتجي الثروة والهبات المقدمة من قبل الجهات الاجنبية في اطار ندوات سياحية فولكلورية وعكاضيات يحضرها اعوان عموميون كان من المفروض ان لا يغادروا اماكن عملهم حتى يتفرغوا للمهام المناطة بعهدتهم، يبقى حق النفاذ الى المعلومة وتكريس الحوكمة من اخر اهتماماتهم.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 190067