شباب من أجل المستقبل، تحت تهديد التشكّل الكذاب.

أيمن عبيد


أيمن عبيد (*)

تقول نظريّة "التشكّل الكاذب" في علم الجيولوجيا، بأن البعض من المواد المتسرّبةِ إلى باطن الأرض، تكون من المفروض محمّلةً ببذور خير كثير في تركيبتها الكيميائية، بما يرشّحها في الأصل للتحوّل إلى أحجارٍ كريمةٍ أو معادن نفيسةٍ.


ولكنّها في مسلكها نحو التمظهر، اذا ما وقع اعتراض مجراها من قبل طبقاتٍ عتيقةٍ وسميكةٍ، ستتشكّلُ تحت وطأت قوالبها المتكلّسةِ، على نحوٍ هندسيٍّ قسري يتناسب مع الأشكال الجاهزة، التي ترتضيها لها طبقات "جيل السلف" وتحشرها فيها.

فتتحوّلُ بمُتقضى ذلك، إلى مجرّد رمالٍ بخيسةٍ أو أطيانا وأتربةً لا معنى لها ولا طعم ولا لون يميّزُ ذواتها، الّا حمرةٌ تزيّن محيّا جميعها، على شاكلةِ تلك الحنّةِ التي تزدان بها حوافر البغال والحمير.

وقد استفاد المؤرّخ والفيلسوف الألماني "أوسفالد شبينغلر"، صاحب كتاب "انحدار الحضارات"، من هذه النظرية في فهم بعض الظواهر السياسية المتعلّقة بازدهار الحضارات أو أفولها في التاريخ الإنساني، كمفسّرٍ لحالةِ التشكّل الكاذبِ لكياناتٍ سياسيّة "بلاستيكيّةٍ" مصطنعةٍ، فاقدة لمقومات الدولة، على ضفاف جزيرة العرب، قبل الرسالة المحمديّة.

حيث أرجع ذلك بالأساس، إلى ما كانت ترزح تحته تلك الرقعة الجغرافية وكل ما يعتمرها من حالات سياسية، من ضغط يطبق على انفاسها، مأتاه الإنحصار بين طبقتي كسرى وفارس الضاغطتين. ويبدو أن منحى انبعاث "دولة المدينة"، قد شهد نقلة نوعية، افسحت له أرضية ملائمة "لتشكّلٍ صادقٍ" مصدوق، بعد معركة "نهوند" التي كان المنتصر فيها أقل طبقات القوى الدولية القديمة خسائرا ، فهي تلك الحرب التي انكسرت فيها شوكة الفرس وخرج منها الروم منتصرين، ولكن في حالة انهاكٍ وتعب غير مسبوقين.

وانّما مزعمنا على ضوء ذلك، أنه لن يكتب "تشكّل سليم" ل "جيل التمكين" للمشروع الحضاري في تونس، ولا انبعاث له يرتقي إلى مستوى تحديات اللحظة وثقل أمانة النهضة المنشودة للأمّة التونسيّة، الا اذا احسنت بنات الربيع وأبناءه، تلمّس الطريق الأكثر سلامةً، لعبور عربات المستقبل، في مأمنٍ من تطاحن رحى الماضي بمختلف تعبيراته وترجماته، وفي منأى عن نيران معركة صفّين المتقاطعة، بين طبقتي "جيل التأسيس" وجيل العبور" بمختلف تشكيلات كليهما.

فالشباب هم زرع مستقبل الربيع المزهرّ، ولا يمكن لهم بحال ان يكونوا حطبا لمعارك الماضي المكفهرّ، أو مجرّد "محماشٍ" لفرنها المستعِر.

فصراع البناء الحضاري في عصر "التحولات الكبرى"، لن يكون مرتكزه الاصحّ وأبرز أبعاده على الإطلاق؛ طبقيا أو عقديا أيديولوجيا أو تعدّديا ولا حتى جهويّا...

وإنما سيتبلور ذلك التدافع الصحّي تحت لافتة "المجايلة"، بين أولئك الراكضين نحو واحات المستقبل...وأولئك الراكدين في أوحال الماضي، الذين انقطع ابتكارهم عن كل ابداع، وقصر مخيال جيلهم، عن كل تجديد، الا من قدرة فذّة، تحذق إعادة اجترار "المجمّر" من الذكريات، او في أقصى الحالات إعادة اخارج الماضي وانتاج تعبيراته في لفاف جديد، تلتحفه مضامينها الرثّة وتتستّر به على عورات محتوايتها البالية.

وكأنهم مضخّة ذكريات تغالب آلة الزمن.

فهل يعقل أن يحكم بلد، أكثر من ثلثي سكانه، لم يتجاوزوا سنّ الشباب، بآليات وأفكار ونخب (اقتصادية، ادارية، فنّية، سياسية، اعلامية...)، مستقدمة من غياهب القرن الماضي ومن أواخر الألفية المنقضية؟

كلا بل ان صناعة التّاريخ تحتاج إلى ضخّ دماء جديدة، دماء شباب توّاق للمغامرة التي تحيطها الحيطة والنباهة، بارع في المناورة مدرك لثقل الأمانة، باختصار قوم آخرون، فيهم بذور حياة جديدة، تدرك وقائع هذه الحياة بعين أخرى غير عين الماضي، وترى المستقبل عبر قيم جديدة.

* كاتب وناشط سياسي



Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 189862