بقلم حامد الماطري
اعتقد ان ما سأقوله هنا يمثل عموم التونسيين ممن يتقاسمون القلق من ناحية مستقبل البلاد، والمؤمنين بضرورة التغيير والإصلاح في تونس...
من أهم الدروس التي استوعبناها جميعاً منذ حلول النظام الديمقراطي في تونس ان أكبر كارثة حلّت على الخطّ الديمقراطي كانت في تشظّيه وانقسامه وتناحر قياداته وأحزابه بين بعضهم، بما أضعف حظوظهم وقدرتهم على تحقيق نتائج تذكر (في الانتخابات كما في الحكم كما في المعارضة)، وجعلهم يخيّبون ظن المواطن ويدفعونه للارتماء من جديد في احضان نفس المنظومة التي ثار عليها منذ سنوات قليلة.
لكن ما تعيشه بلادنا هذه الأيام هو حالة استثنائية لم نعرفها منذ الصراع اليوسفي البورقيبي، اذ انها المرة الأولى التي تكون فيها "المنظومة" (The Establishment) نفسها منقسمة وغير متحدة على شخصية واحدة وخيار واحد.
منذ الاستقلال، لطالما اجتمعت المنظومة على شخصية قيادية (بورقيبة، بن علي، الباجي..) تسوّقها للشعب الكريم على انها شخصية الأب، المنقذ والحامي من الأخطار والأهوال.. اليوم، هم ليسوا منقسمين فحسب، بل أعلنوا الحرب على بعضهم البعض (الزبيدي والشاهد أساساً، القروي واللومي ومرزوق يزاحمونهم على نفس الخزان).
في العادة، ومع كلّ تحدّ جديد، لطالما يتّسم سلوك "المنظومة" بالانضباط ووحدة الصفوف (على الأقل من الخارج) فتسخّر كل الطّاقات لضمان الفوز، ويجتمعون لاحقاً لتقاسم الغنائم .حرب التموقع اليوم، وتشتّت إرث الباجي، جعلتهم ينصبون العداء لبعضهم البعض ويتقاتلون على الغنيمة قبل ان يضمنوا انها ستكون لهم..
هي إذاً فرصة فريدة لتحقيق اختراق انتخابي لم يكن ممكناً في ما مضى (لا قبل الثورة ولا بعدها) .فرصة تحمل أهمية مضاعفة على اعتبار ان البلاد قد بلغت حالة من الوهن والفساد -على كل الأصعدة- تستوجب إصلاحاً مستعجلاً، جذرياً وعميقاً، وربما راديكالياً، على أمل إنقاذ البلاد قبل فوات الأوان.
لكن المزعج حقّاً هو أنه، وبقدر تشتت المنظومة الانتهازية، تعاني العائلة الديمقراطية من تشتت أكبر..
مرشحي الرئاسة لا يحتاجون لأكثر من 17% من الأصوات للتواجد في الدور الثاني. اي أنه لو توحّدت مساعي العائلة المؤمنة بالتغيير وراء مرشح واحد لضمنّا جميعاً أن يذهب الى قرطاج ..كان يفترض بهذه الانتخابات ان تكون الأسهل في التاريخ، فهي تعرض ثنائية بسيطة: من هم مع الإصلاح والتغيير، ومن هم من صلب منظومة الفساد وفي خدمتها.
نحن بصدد القيام باختيار استراتيجي يجعلنا نستغرب كيف يقرر التونسيون مرشّحهم على أسس انطباعية سطحية من نوع "الوهرة" او "يحكي مليح". نستغرب ان يلعن التونسي الواقع ومن كان وراءه، ثم يعود ليصوّت لصانعيه. نستغرب ان يتساهل التونسي في إعطاء صوته لمجاهيل، لا نعرف لهم تاريخاً او سياسة او مرافقين، ويتجاهلون من اثبت لمرّات عديدة التصاقه بمبادئه وسلامة مواقفه .نستغرب ان تصبح الشعبوية السمة الأبرز للخطاب، وألا يدرك المواطن انهم يستهزئون به وبذكائه او بحاجته.
انا لا أعمّم. احترم كل المترشحين الوطنيين الذين يتقدمون حباً في البلاد وإيماناً بمسؤوليتهم في تغيير الأوضاع. احترم كل مرشّح احترم القانون وأخلاقيات التنافس النزيه، ولم يلجأ الى تمويلات مشبوهة او استعمل موارد الدولة وهياكلها، او انتهج الشعبوية وتسويق الأكاذيب. لكن لا بد لهؤلاء ان يدركوا انهم اليوم امام مسؤولية تاريخية، فهم بإصرارهم على تشتتهم يحرقون أصابعهم بايديهم ويبادرون بالقضاء على حظوظنا جميعاً في ان نرى رجلاً شريفاً، مبدئياً، يملك من الحكمة والخبرة ما يؤهله لمنصب حساس، بسلطات محدودة، لكنها تمكنه من فرض سلطة القانون، القضاء على الفساد السياسي، تحقيق العدالة وتطبيق القانون واستكمال الانتقال الديمقراطي ومؤسساته (قلت "رجلاً" لأنني لا اجد للأسف من بين المترشحات من تستحق المنصب).
في 2014 رفعنا شعار "صوت نظيف" لمواجهة حملة التصويت المفيد التي اطلقها آنذاك أنصار النداء. في هاته الانتخابات، ننادي بان يكون التصويت "ذكياً."
المسألة بسيطة، ومعايير الاختيار منطقية للغاية: يجب تقديم من هو اقرب المرشحين للمرور الى الدور الثاني، ومن ثمّ ضمان ان يكون هذا المرشّح شخصيّة جامعة، لها القدرة على تجميع التونسيين من حوله، بما فيهم من صوّت للزبيدي أو للشاهد أو مورو في الدور الأول، بما يضمن له التفوق على المرشّح المقابل، والذي غالباً ما سيكون مرشح المنظومة الانتهازية (سواء كان نبيل القروي او عبد الفتاح مورو او يوسف الشاهد..
شخصية مثل المنصف المرزوقي تبقى شخصية خلافية، غير قادرة على تحقيق شيء من اجماع بين التونسيون، ولا بد انه سيتعرض الى تصويت إقصائي من أغلبية ترفض عودته الى قرطاج، مثلما حدث سابقاً في 2014.
لطفي المرايحي.. صحيح انه حقق تقدماً كبيراً وسجل نقاطاً سمحت له بالتواجد في كوكبة المنتصف، بعد ان دخل الانتخابات وهو عملياً نكرة. لكن من البديهي أنّ تقدّمه هذا لن يقدر حسابيّاً على تحصيل نسبة تكفيه من العبور الى الدور الثاني، خصوصاً وهو يبقى إنساناً مجهولاً -ومسقطاً- بالنسبة لأغلب التونسيين.
قيس سعيد هو عمليّاً يتخذ موقعاً مشابهاً لسابقيه، فهو وان حقق شيئاً من الشعبية قد تؤهّله الى بلوغ 5 او 10%، فانه يستحيل ان يقدر على جمع ال50% اللازمة في الدور الثاني..
سيف الدين مخلوف تقدم لهاته الانتخابات ليجعل منها منصة اعلامية تحضيراً للتشريعيات. على اختلافي معه في عديد النقاط، احترم فيه الإنسان المبدئي والمؤمن بالثورة. سيكون وجوده مثرياً ولافتاً في مجلس النواب.
الشيخ مورو إنسان نظيف، لا أزايد في ذلك، لكن دعنا نوضح، النهضة لم تبحث أبداً عن التواجد في في قرطاج، وقرارها بترشيح احد قياداتها اتخذته في اللحظات الاخيرة. الأسباب عديدة ، إقليمية وذاتية، واهمها عدم رغبة النهضة في لعب الأدوار الاولى حتى لا تصطدم بصدّ من الداخل او الخارج، خصوصاً بعد تجربة 2011-2014 .لذا من حقنا ان نشكك في جدية هذا الترشح وهل انه في النهاية لا يعدو ان يكون وسيلة مقايضة مع المرشح الثاني خصوصاً وان التشريعية ستكون بين الدورين الاول والثاني...
الزبيدي هو على ما يبدو إنسان محترم لكن تصريحاته الثلاثة المهمة كانت كلها خطيرة ولا مسؤولة (التهجم على الأحزاب – واقعة الطيارة الليبية - والدبابات اللي كان سيرسلهم لمجلس النواب) .زد على ذلك انه ليس حر نفسه، بل هو اداة في يد من يعمل على التسويق له وإيصاله لا قرطاج.. وهو لا يخفي على أحد، وهو ليس بالأمر المطمئن..
شخصية مثل عمر منصور لا شك في كونها محترمة، وتأمل في مستقبل أفضل للبلاد، ولكن واضح انها لا تحمل أي أمل في تحقيق نتائج تذكر.
إذا نظرنا إلى المرشح المثالي من ناحية الخبرة السياسية والكفاءة، والوسطيّة، والنزاهة ونظافة اليد، مع الانفتاح على باقي الأطياف السياسية والقدرة على تجميع التونسيين، سنجد انه - في عالم مثالي- لا يمكن لنا ان نتخيّل دوراً ثانياً يجمع أفضل من محمد عبو والياس فخفاخ. الواقع يقول ان هذا غير ممكن، بل اننا يجب ان نجتهد لايصال احدهما للدور الثاني. الياس فخفاخ متميّز في المسائل الاقتصادية وأتمنى ان أراه يوماً في على رأس المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أو كمحاور للاتحاد الأوروبي في مسالة الشراكة أو وزيراً للإصلاح الإداري والاقتصادي.
بكل موضوعية، الاختيار الأكثر عقلانية في رايي يتّجه مباشرة نحو محمد عبو. وأرى شخصياً أن علته الانتخابات تمثل فرصة لتحقيق اختراق على مستوى تجميع العائلة الديمقراطية ..لو اتّحدت القوى الديمقراطية -أو حتى نصفها- خلف هذا المرشّح سيضمن حسابيّاً -والأهم رمزيّاً- التواجد في الدور الثاني ومن ثمّ أداء القسم في قصر قرطاج بعد أسابيع قليلة.
هو علاوة على ذلك يترأس التيار الديمقراطي، وهو حزب قويّ حيويّ، يمثل اليوم مركز ثقل الخطّ الاجتماعي وحامل لواء الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في تونس. وهذا يعطيه قاعدة صلبة يستند اليها، سواء كانت كتلته في الحكم أو في المعارضة.
حتى الجدل حول مسألة الميراث فهو يفترض ألا يغير شيئاً من المعادلة. هو مسألة قانونية ودستورية بحتة، أخذت أبعد سياسية ودينية أكبر من اللازم، وشنجت الناس وجعلتهم يفكرون بعواطفهم أكثر من عقولهم (وربما كان هذا هو المطلوب من قبل من وضع هذه القنبلة). القانون إن مر فسيكون ذلك بالبرلمان وليس من باب الرئاسة. وحتى لو كان هناك بعض الغاضبين على التيار، فهذا لا ينتفي من نضالية الحزب وقيادته وثباتهم على مبادئهم التي يجتمع عليها كل من يحب البلاد ويسعى إلى القضاء على الفساد فيها. ومن يعتقد أنه يعاقب الحزب على موقفه فهو -مرة أخرى- يسمح للمنظومة أن تتلاعب بقراره، وهو بذلك يعاقب نفسه أكثر من أي شخص آخر.
ادرك ان اغلب المرشحين يعلمون حقاً انهم لا يملكون حظوظاً حقيقياً في الرئاسة، وان نتائجهم لن تجاوز الآحاد، فتتراوح غاياتهم بين تحقيق شيء من الظهور الإعلامي، إلى التحضير للانتخابات التشريعية، إلى تحقيق نسبة ما من التصويت يمكن مقايضتها لاحقاً بمنصب حكومي أو سيادي مقابل دعم احد المرشحين في الدور الثاني.
من أراد خوض التجربة لتسجيل نقاط إعلامية فقد حقق ذلك على امتداد ما مرّ من الحملة، وكذلك من يريد لعب دورٍ تقريري في المرحلة القادمة في الانتخابات، فهو يملك فرصة لتموقع اكثر تقدّماً بمناصرة شريك جدّي يتقاسم معه الرؤى والمبادئ، وتكون مدخلاً لتوحيد الطاقات الديمقراطية في مرحلة أولى، ثمّ وضع البلاد على طريق الإنقاذ فالإصلاح فالإقلاع.
اعتقد ان ما سأقوله هنا يمثل عموم التونسيين ممن يتقاسمون القلق من ناحية مستقبل البلاد، والمؤمنين بضرورة التغيير والإصلاح في تونس...
من أهم الدروس التي استوعبناها جميعاً منذ حلول النظام الديمقراطي في تونس ان أكبر كارثة حلّت على الخطّ الديمقراطي كانت في تشظّيه وانقسامه وتناحر قياداته وأحزابه بين بعضهم، بما أضعف حظوظهم وقدرتهم على تحقيق نتائج تذكر (في الانتخابات كما في الحكم كما في المعارضة)، وجعلهم يخيّبون ظن المواطن ويدفعونه للارتماء من جديد في احضان نفس المنظومة التي ثار عليها منذ سنوات قليلة.
لكن ما تعيشه بلادنا هذه الأيام هو حالة استثنائية لم نعرفها منذ الصراع اليوسفي البورقيبي، اذ انها المرة الأولى التي تكون فيها "المنظومة" (The Establishment) نفسها منقسمة وغير متحدة على شخصية واحدة وخيار واحد.
منذ الاستقلال، لطالما اجتمعت المنظومة على شخصية قيادية (بورقيبة، بن علي، الباجي..) تسوّقها للشعب الكريم على انها شخصية الأب، المنقذ والحامي من الأخطار والأهوال.. اليوم، هم ليسوا منقسمين فحسب، بل أعلنوا الحرب على بعضهم البعض (الزبيدي والشاهد أساساً، القروي واللومي ومرزوق يزاحمونهم على نفس الخزان).
في العادة، ومع كلّ تحدّ جديد، لطالما يتّسم سلوك "المنظومة" بالانضباط ووحدة الصفوف (على الأقل من الخارج) فتسخّر كل الطّاقات لضمان الفوز، ويجتمعون لاحقاً لتقاسم الغنائم .حرب التموقع اليوم، وتشتّت إرث الباجي، جعلتهم ينصبون العداء لبعضهم البعض ويتقاتلون على الغنيمة قبل ان يضمنوا انها ستكون لهم..
هي إذاً فرصة فريدة لتحقيق اختراق انتخابي لم يكن ممكناً في ما مضى (لا قبل الثورة ولا بعدها) .فرصة تحمل أهمية مضاعفة على اعتبار ان البلاد قد بلغت حالة من الوهن والفساد -على كل الأصعدة- تستوجب إصلاحاً مستعجلاً، جذرياً وعميقاً، وربما راديكالياً، على أمل إنقاذ البلاد قبل فوات الأوان.
لكن المزعج حقّاً هو أنه، وبقدر تشتت المنظومة الانتهازية، تعاني العائلة الديمقراطية من تشتت أكبر..
مرشحي الرئاسة لا يحتاجون لأكثر من 17% من الأصوات للتواجد في الدور الثاني. اي أنه لو توحّدت مساعي العائلة المؤمنة بالتغيير وراء مرشح واحد لضمنّا جميعاً أن يذهب الى قرطاج ..كان يفترض بهذه الانتخابات ان تكون الأسهل في التاريخ، فهي تعرض ثنائية بسيطة: من هم مع الإصلاح والتغيير، ومن هم من صلب منظومة الفساد وفي خدمتها.
نحن بصدد القيام باختيار استراتيجي يجعلنا نستغرب كيف يقرر التونسيون مرشّحهم على أسس انطباعية سطحية من نوع "الوهرة" او "يحكي مليح". نستغرب ان يلعن التونسي الواقع ومن كان وراءه، ثم يعود ليصوّت لصانعيه. نستغرب ان يتساهل التونسي في إعطاء صوته لمجاهيل، لا نعرف لهم تاريخاً او سياسة او مرافقين، ويتجاهلون من اثبت لمرّات عديدة التصاقه بمبادئه وسلامة مواقفه .نستغرب ان تصبح الشعبوية السمة الأبرز للخطاب، وألا يدرك المواطن انهم يستهزئون به وبذكائه او بحاجته.
انا لا أعمّم. احترم كل المترشحين الوطنيين الذين يتقدمون حباً في البلاد وإيماناً بمسؤوليتهم في تغيير الأوضاع. احترم كل مرشّح احترم القانون وأخلاقيات التنافس النزيه، ولم يلجأ الى تمويلات مشبوهة او استعمل موارد الدولة وهياكلها، او انتهج الشعبوية وتسويق الأكاذيب. لكن لا بد لهؤلاء ان يدركوا انهم اليوم امام مسؤولية تاريخية، فهم بإصرارهم على تشتتهم يحرقون أصابعهم بايديهم ويبادرون بالقضاء على حظوظنا جميعاً في ان نرى رجلاً شريفاً، مبدئياً، يملك من الحكمة والخبرة ما يؤهله لمنصب حساس، بسلطات محدودة، لكنها تمكنه من فرض سلطة القانون، القضاء على الفساد السياسي، تحقيق العدالة وتطبيق القانون واستكمال الانتقال الديمقراطي ومؤسساته (قلت "رجلاً" لأنني لا اجد للأسف من بين المترشحات من تستحق المنصب).
في 2014 رفعنا شعار "صوت نظيف" لمواجهة حملة التصويت المفيد التي اطلقها آنذاك أنصار النداء. في هاته الانتخابات، ننادي بان يكون التصويت "ذكياً."
المسألة بسيطة، ومعايير الاختيار منطقية للغاية: يجب تقديم من هو اقرب المرشحين للمرور الى الدور الثاني، ومن ثمّ ضمان ان يكون هذا المرشّح شخصيّة جامعة، لها القدرة على تجميع التونسيين من حوله، بما فيهم من صوّت للزبيدي أو للشاهد أو مورو في الدور الأول، بما يضمن له التفوق على المرشّح المقابل، والذي غالباً ما سيكون مرشح المنظومة الانتهازية (سواء كان نبيل القروي او عبد الفتاح مورو او يوسف الشاهد..
شخصية مثل المنصف المرزوقي تبقى شخصية خلافية، غير قادرة على تحقيق شيء من اجماع بين التونسيون، ولا بد انه سيتعرض الى تصويت إقصائي من أغلبية ترفض عودته الى قرطاج، مثلما حدث سابقاً في 2014.
لطفي المرايحي.. صحيح انه حقق تقدماً كبيراً وسجل نقاطاً سمحت له بالتواجد في كوكبة المنتصف، بعد ان دخل الانتخابات وهو عملياً نكرة. لكن من البديهي أنّ تقدّمه هذا لن يقدر حسابيّاً على تحصيل نسبة تكفيه من العبور الى الدور الثاني، خصوصاً وهو يبقى إنساناً مجهولاً -ومسقطاً- بالنسبة لأغلب التونسيين.
قيس سعيد هو عمليّاً يتخذ موقعاً مشابهاً لسابقيه، فهو وان حقق شيئاً من الشعبية قد تؤهّله الى بلوغ 5 او 10%، فانه يستحيل ان يقدر على جمع ال50% اللازمة في الدور الثاني..
سيف الدين مخلوف تقدم لهاته الانتخابات ليجعل منها منصة اعلامية تحضيراً للتشريعيات. على اختلافي معه في عديد النقاط، احترم فيه الإنسان المبدئي والمؤمن بالثورة. سيكون وجوده مثرياً ولافتاً في مجلس النواب.
الشيخ مورو إنسان نظيف، لا أزايد في ذلك، لكن دعنا نوضح، النهضة لم تبحث أبداً عن التواجد في في قرطاج، وقرارها بترشيح احد قياداتها اتخذته في اللحظات الاخيرة. الأسباب عديدة ، إقليمية وذاتية، واهمها عدم رغبة النهضة في لعب الأدوار الاولى حتى لا تصطدم بصدّ من الداخل او الخارج، خصوصاً بعد تجربة 2011-2014 .لذا من حقنا ان نشكك في جدية هذا الترشح وهل انه في النهاية لا يعدو ان يكون وسيلة مقايضة مع المرشح الثاني خصوصاً وان التشريعية ستكون بين الدورين الاول والثاني...
الزبيدي هو على ما يبدو إنسان محترم لكن تصريحاته الثلاثة المهمة كانت كلها خطيرة ولا مسؤولة (التهجم على الأحزاب – واقعة الطيارة الليبية - والدبابات اللي كان سيرسلهم لمجلس النواب) .زد على ذلك انه ليس حر نفسه، بل هو اداة في يد من يعمل على التسويق له وإيصاله لا قرطاج.. وهو لا يخفي على أحد، وهو ليس بالأمر المطمئن..
شخصية مثل عمر منصور لا شك في كونها محترمة، وتأمل في مستقبل أفضل للبلاد، ولكن واضح انها لا تحمل أي أمل في تحقيق نتائج تذكر.
إذا نظرنا إلى المرشح المثالي من ناحية الخبرة السياسية والكفاءة، والوسطيّة، والنزاهة ونظافة اليد، مع الانفتاح على باقي الأطياف السياسية والقدرة على تجميع التونسيين، سنجد انه - في عالم مثالي- لا يمكن لنا ان نتخيّل دوراً ثانياً يجمع أفضل من محمد عبو والياس فخفاخ. الواقع يقول ان هذا غير ممكن، بل اننا يجب ان نجتهد لايصال احدهما للدور الثاني. الياس فخفاخ متميّز في المسائل الاقتصادية وأتمنى ان أراه يوماً في على رأس المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أو كمحاور للاتحاد الأوروبي في مسالة الشراكة أو وزيراً للإصلاح الإداري والاقتصادي.
بكل موضوعية، الاختيار الأكثر عقلانية في رايي يتّجه مباشرة نحو محمد عبو. وأرى شخصياً أن علته الانتخابات تمثل فرصة لتحقيق اختراق على مستوى تجميع العائلة الديمقراطية ..لو اتّحدت القوى الديمقراطية -أو حتى نصفها- خلف هذا المرشّح سيضمن حسابيّاً -والأهم رمزيّاً- التواجد في الدور الثاني ومن ثمّ أداء القسم في قصر قرطاج بعد أسابيع قليلة.
هو علاوة على ذلك يترأس التيار الديمقراطي، وهو حزب قويّ حيويّ، يمثل اليوم مركز ثقل الخطّ الاجتماعي وحامل لواء الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في تونس. وهذا يعطيه قاعدة صلبة يستند اليها، سواء كانت كتلته في الحكم أو في المعارضة.
حتى الجدل حول مسألة الميراث فهو يفترض ألا يغير شيئاً من المعادلة. هو مسألة قانونية ودستورية بحتة، أخذت أبعد سياسية ودينية أكبر من اللازم، وشنجت الناس وجعلتهم يفكرون بعواطفهم أكثر من عقولهم (وربما كان هذا هو المطلوب من قبل من وضع هذه القنبلة). القانون إن مر فسيكون ذلك بالبرلمان وليس من باب الرئاسة. وحتى لو كان هناك بعض الغاضبين على التيار، فهذا لا ينتفي من نضالية الحزب وقيادته وثباتهم على مبادئهم التي يجتمع عليها كل من يحب البلاد ويسعى إلى القضاء على الفساد فيها. ومن يعتقد أنه يعاقب الحزب على موقفه فهو -مرة أخرى- يسمح للمنظومة أن تتلاعب بقراره، وهو بذلك يعاقب نفسه أكثر من أي شخص آخر.
ادرك ان اغلب المرشحين يعلمون حقاً انهم لا يملكون حظوظاً حقيقياً في الرئاسة، وان نتائجهم لن تجاوز الآحاد، فتتراوح غاياتهم بين تحقيق شيء من الظهور الإعلامي، إلى التحضير للانتخابات التشريعية، إلى تحقيق نسبة ما من التصويت يمكن مقايضتها لاحقاً بمنصب حكومي أو سيادي مقابل دعم احد المرشحين في الدور الثاني.
من أراد خوض التجربة لتسجيل نقاط إعلامية فقد حقق ذلك على امتداد ما مرّ من الحملة، وكذلك من يريد لعب دورٍ تقريري في المرحلة القادمة في الانتخابات، فهو يملك فرصة لتموقع اكثر تقدّماً بمناصرة شريك جدّي يتقاسم معه الرؤى والمبادئ، وتكون مدخلاً لتوحيد الطاقات الديمقراطية في مرحلة أولى، ثمّ وضع البلاد على طريق الإنقاذ فالإصلاح فالإقلاع.





Amani - شايف نفسو
Commentaires
3 de 3 commentaires pour l'article 188971