في تضليل الرأي العام المحلي والدولي وفي حقيقة الحرب على الفساد



الأسعد الذوادي (*)

تابع التونسيون الحوار الذي أجرته التلفزة الوطنية في غرة اوت 2019 مع رئيس الحكومة والذي اعتقد انه جاء بطلب منه. وقد لفت انتباهي ما صرح به بخصوص الحرب التي اعلنها على الفساد والقوانين التي كان وراء اصدارها والمتعلقة خاصة بحق النفاذ الى المعلومة والتصريح بالمكاسب والمصالح والقطب القضائي الاقتصادي والمالي ومكافحة الفساد والموارد المادية والبشرية التي وضعها على ذمة القطب القضائي الاقتصادي والمالي وموقفه من التهرب الجبائي.


ما اعلمه ان كل القوانين التي تم سنها في اطار مسرحية سياحة مكافحة الفساد التي يهدر من خلالها اليوم المال العام دون حسيب او رقيب جاءت بضغط من الجهات المانحة والمقرضة، علما انها مخالفة بصفة مفضوحة لاحكام اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد وبالتالي للفصلين 10 و20 من الدستور. كما اعتقد انه تم سنها في اطار الانصياع للجهات المقرضة والمانحة وتضليل الرأي العام المحلي والدولي.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، لماذا يصر رئيس الحكومة على الابقاء على هيئات وهياكل الرقابة العمومية مشلولة من خلال عدم تكريس استقلاليتها في دوس مفضوح على معايير المنظمة الدولية للاجهزة العليا للرقابة والمحاسبة ؟ لماذا يصر على الدوس على احكام الفصل 6 من القانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بحق النفاذ الى المعلومة التي تفرض عليه نشر تقارير التفقد وبالاخص المعدة من قبل هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية وهيئة الرقابة العامة للمالية وهيئة الرقابة العامة لاملاك الدولة على الشبكة العنكبوتية ووضعها على ذمة العموم مثلما تفعل ذلك دائرة المحاسبات رغم مطالبته بذلك من قبل عدد من اعضاء مجلس نواب الشعب ؟ لماذا رفض وزراء الصحة في عديد المناسبات مد البعض من اعضاء مجلس نواب الشعب بنسخة من تقرير التفقد المتعلق بالصيدلية المركزية بتعلة واهية وسخيفة مفادها انه تمت احالته خلال شهر ماي 2018 للقطب القضائي الاقتصادي والمالي ؟ لماذا رفض وزير الصناعة مد اعضاء مجلس نواب الشعب بنسخة من العقد المتعلق بمحطة توليد الكهرباء برادس بتعلة ان به بند يلزم الحكومة بعدم كشفه للعموم وهذا مظهر من مظاهر الفساد ؟ لماذا رفض الوزير المكلف بتكنولوجيات الاتصال مد النواب بقائمة في المهمات الاستثنائية التي قام بها مراقب حسابات شركة اتصالات تونس والمبالغ التي قبضها بهذا العنوان قبل 14 جانفي 2011 ؟ هل يعقل ان لا يرد رئيس الحكومة ووزراؤه على مئات الاسئلة الموجهة اليهم من قبل اعضاء مجلس نواب الشعب وان لا يتم نشر بعض الاجوبة الصادرة عنهم بالموقع الالكتروني للمجلس وان لا يتم ارسال مئات الاسئلة الى اعضاء الحكومة من قبل رئيس المجلس بتعلة انتهاء الدورة البرلمانية في دوس مفضوح على الفصل 145 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب والفصلين 52 و96 من الدستور ؟

من لا يعرف ان القانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بحق النفاذ الى المعلومة افرغ من محتواه بمقتضى الفصل 31 منه. فاذا لم تستجب الجهة المطلوب منها المعلومة في اجل 20 يوما يصبح من حق الطالب للمعلومة التظلم لدى هيئة النفاذ الى المعلومة. اذا افترضنا جدلا ان الهيئة اصدرت قرارا لفائدة الطالب للمعلومة، يكفي ان تبادر الجهة المطلوب منها المعلومة باستئناف القرار امام المحكمة الادارية ليقبر بذلك الحق في النفاذ الى المعلومة باعتبار ان البت في تلك القضية قد يتطلب مدة تتراوح بين 3 سنوات و5 سنوات وعندها يتم قبر حق النفاذ الى المعلومة في اروقة المحكمة الادارية، ناهيك ان ذاك القانون لم ينص على عقوبة بالسجن.

اما بخصوص القانون المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح فقد جاء، كما تنبات بذلك عند اعداده من قبل رئاسة الحكومة، مشوبا بالفساد باعتبار انه لم ينص على امكانية مساءلة أي مواطن وليس بعض الموظفين العموميين وغيرهم بخصوص مصدر ثروته. من لا يعرف ان ذاك القانون يسمح لاعضاء مجلس نواب الشعب الذين هم في وضعية تضارب مصالح بالتصويت على مشاريع القوانين وبتراس اللجان صلب البرلمان ؟

اما بخصوص القانون المتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المبلغين، فقد جاء مخالفا للفصل 20 من الدستور وللفصول 13 و32 و33 من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد حين لم يوفر حماية فعلية للخبراء والضحايا والشهود والمبلغين عن الفساد ولم يؤهل القطب القضائي الاقتصادي والمالي للقيام بتلك المهمة الغائبة. هل يجهل رئيس الحكومة ما يتعرض له المبلغون عن الفساد من تنكيل وايقاف عن العمل وتجويع وتشريد ؟ كما كان من المفروض ان ينص ذاك القانون الفاسد على ضرورة التبليغ عن الفساد لدى القطب القضائي الاقتصادي والمالي دون سواه.

اما بخصوص القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، فقد جاءت مشوبة بالفساد حين لم تحترم بصفة متعمدة احكام الفصول 15 و16 و18 و21 و23 و24 و25 و26 و27 و29 و30 و31 و32 و33 و34 و35 و36 و37 و38 و39 و40 و41 و42 و45 و46 و47 من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد كما يتضح ذلك من خلال تقرير فريق استعراض التنفيذ التابع للامم المتحدة المؤرخ في 26 ماي 2015. هل يجهل رئيس الحكومة القائد الاعلى لمكافحة الفساد ان المجلة الجزائية لا تجرم الرشوة في القطاع الخاص ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان التشريع التونسي لا يسمح باسترجاع المداخيل المتاتية من مختلف الجرائم وبالاخص الجرائم الاقتصادية المرتكبة في حق المستهلك ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان الفصل 92 من القانون المتعلق بمكافحة الارهاب وتبييض الاموال ساهم بصفة كبيرة في تبييض جرائم تبييض الاموال حين ضيق في نطاق الجريمة في خرق مفضوح لاتفاقية الامم المتحدة والتوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان التشريع التونسي لا ينص على عدم سقوط جرائم الفساد بالتقادم وبالاخص تلك المرتكبة في حق المال العام ؟

اما بخصوص القطب القضائي الاقتصادي والمالي، فقد تم تهميشه بصفة متعمدة رغم زيارته من قبل رئيس الحكومة ووعده بتوفير كل احتياجاته لانجاح الحرب المزعومة والصورية والانتقائية على الفساد. فبعد تلك الزيارة، خلنا ان الجيوش سوف تجيش من اجل دعم القطب وتسخير كل الامكانيات له لكي يقوم بمهامه على اكمل وجه من اجل قطع دابر الفاسدين الذين يكلفون المجموعة الوطنية سنويا عشرات مليارات الدينارات التي من شانها القضاء على المديونية الخارجية والفقر والجهل والبطالة والجريمة. خلافا لذلك، نلاحظ ان القطب يفتقد الى حد الان للموارد البشرية والمادية اللازمة وهذه الوضعية لن تسمح له بالانخراط بالقوة المطلوبة في الحرب على الفساد التي اعلنها رئيس الحكومة. ورغم ان الحرب على الفساد اكثر اهمية من الحرب على الارهاب باعتبار ان الفساد عادة ما يكون في خدمة الارهاب الا ان الموارد المخصصة لمكافحة الفساد بقيت منعدمة مقارنة بالموارد المخصصة لمكافحة الارهاب وهذا التناقض يدعو للاستغراب. الملفت للنظر ان ميزانية رئاسة الحكومة تم الترفيع فيها من اجل تمويل الهيئات العمومية المستقلة والهيئات الدستورية رغم انها لم تنتج شيئا وتحولت الى عبا ثقيل على دافعي الضرائب مساهمة بذلك في تخريب المرفق العمومي. اما بخصوص الفنيين المساعدين صلب القطب القضائي الاقتصادي والمالي، فانه وخلافا لما اكده رئيس الحكومة خلال حواره لم يتم انتدابهم بعد كما يتضح ذلك من خلال جواب وزير العدل الموجه لمجلس نواب الشعب بتاريخ 8 افريل 2019 بتعلة ان القرار المشترك المتعلق بتاجيرهم لم يصدر بعد، علما ان عددهم صغير جدا (4) وانهم لا يغطون كل الاختصاصات الواردة بالقانون عدد 77 لسنة 2016 المتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي.

اما بخصوص التهرب الجبائي، فقد رفض رئيس الحكومة فتح تحقيق معمق بخصوص مافيا اسقاط الديون العمومية التي تجرأت على منح شهادات رفع يد في ظروف مشبوهة بعنوان عقارات معقولة من قبل قباض المالية ليتم فيما بعد التفويت فيها دون ان تستخلص الخزينة العامة مستحقاتها، علما ان بعض الفاسدين صلب الادارة يعملون في اطار تضليل العدالة على تبرير تلك الجناية البشعة وما على قضاة القطب القضائي الاقتصادي والمالي الا ان ياخذوا حذرهم من تلك المغالطات الاجرامية باعتبار ان مجلة المحاسبة العمومية واضحة بهذا الخصوص حيث لا يمكن منح شهادة رفع يد الا بعد استخلاص كامل الدين. كما عمل الفاسدون من مختلف المواقع على الابقاء على الثغرات التي تطبع التشريع الجبائي الجاري به والتي ساهمت في تنمية التهرب والفساد في المجال الجبائي. هل يجهل رئيس الحكومة ان قصر اجال سقوط الحق بمرور الزمن الواردة بالفصل 19 والفصول التي تليه من مجلة الحقوق والاجراءات الجبائية ساهمت في تبييض الجرائم الجبائية ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان الفاسدين صلب الادارة رفضوا التنصيص صلب مجلة الحقوق والاجراءات الجبائية على حرمان المتهربين من دفع الضريبة من الترشح للمناصب العامة ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان الفاسدين رفضوا فتح اجال التدارك في المادة الجبائية عندما يتعلق الامر باعمال فساد ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان الفاسدين رفضوا تحوير الفصول 39 و42 و60 و130 من مجلة الحقوق والاجراءات الجبائية التي تسمح للفاسدين والسماسرة والمرتشين ومنتحلي صفة المستشار الجبائي والمحامي من ممتهني المحاسبة بالتدخل في الملفات الجبائية بتعلة التخفيف على المطالب بالاداء وهذا محض كذب سافر لا يصدقه الا فاسد اذا ما اخذنا بعين الاعتبار اعمال الابتزاز والتحيل والسلب التي يتعرض لها المطالب بالاداء ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان التقارير الصادرة عن دائرة المحاسبات والمتعلقة باعمال فساد خطيرة داخل مصالح المراقبة الجبائية والاستخلاص كبدت الخزينة العامة عشرات مليارات الدينارات لم تتم احالتها الى النيابة العمومية في خرق صارخ لاحكام الفصلين 12 و17 من القانون المحدث لدائرة المحاسبات لتسقط بمرور الزمن ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان تعطيله لمشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المستشارين الجبائيين، الذي استكمل كل مراحل الاعداد، بتدخل من المناشدين والفاسدين عملا بقانون الغاب والمثل الشعبي الذي استشهد به خلال الحوار "حوت ياكل حوت قليل الجهد يموت" فيه خدمة للسماسرة والفاسدين ومخربي الخزينة العامة ويعد مظهرا من مظاهر الفساد التي تم تعدادها صلب الفصل 2 من القانون الصوري والفاسد عدد 10 لسنة 2017 المتعلق بالتبليغ عن الفساد وحماية المبلغين ؟ هل يجهل رئيس الحكومة ان تكليفه لوزير مستشار، معروف بعدائه الشديد لمهنة المستشار الجبائي وفي وضعية تضارب مصالح، بملف المستشارين الجبائيين يعد من ابشع مظاهر الفساد على معنى الفصل 2 المشار اليه ؟ هذا غيض من فيض وهذه تسبقة على الحساب حتى نقرا الكتاب.



* رئيس المعهد التونسي للمستشارين الجبائيين وعضو الجمعية العالمية للجباية ومعهد المحامين المستشارين الجبائيين بفرنسا وهيئة الخبراء بمرصد الشفافية والحوكمة الرشيدة والمجلس الوطني للجباية (2002 - 2016) ورئيس مؤسس للغرفة النقابية الوطنية الوطنية للمستشارين الجبائيين (1997 - 2011)



Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 188480

Sarih  (Tunisia)  |Mercredi 04 Septembre 2019 à 18h 44m |           
أنا ادعو بكل تأكيد على استغلال هذا الموسوعة القانونية ووضعه في المكان المناسب، أستغرب لماذا لا يكلف هذا الشخص بمهمة رئيسية في ميدان المحاسبات والسهر على تكون الامور تسير كما يجب، ولكن لصراحته ووطنيته الكبيرة ربما تقلق المستكرشين والمتنفعين من القوانين المنقوصة والمجمدة بفعل فاعل

MOUSALIM  (Tunisia)  |Mercredi 04 Septembre 2019 à 17h 01m |           
مقال ممتاز للغاية يستحق كاتبه ألف تحية وتحية ولولاه ما عرفت أن رئيس الحكومة هو منبع الفساد والتستر على الفاسدين .