ساكن قرطاج والحياد



عزالدين بوعصيدة (*)

لا يبدو بوبكر بن عكاشة متشنّجا على مدى ثلاث أرباع برنامجه " ساكن قرطاج" تقريبا، الشيء الذي يساعد المشاهد على متابعة المشاهدة والصبر عليها. لكن، اعتبارا لتكرار طريقة التعاطي من طرف أهمّ مؤثثي الجلسة وفقدانه للتجديد و الطرافة، ليس هناك حاجة لجهد كبير أو لذكاء خارق من طرف المشاهد حتّى يستبق ما سيأتي به البرنامج. و هذه السمة بارزة ومتكرّرة في كلّ ما يقدّم من أعمال مشابهة على كلّ قنواتنا إلاّ من رحم ربّك.


من الإيجابيّات أنه من بين ضيوف البرنامج ( المرشّحون للرئاسة)، مثقّفون جيّدون رفعوا بمشاركتهم قيمة البرنامج وطمأنونا على المحتوى الحقيقي للطاقات الوطنيّة الكامنة.

الوجه الآخر للعملة هو أنّ تدخّلات هؤلاء الضيوف تظهر الطاقة الحقيقيّة لمؤثثي البرنامج ومحدوديّة بعضهم ثّقافيّا ومعرفيّا. ذلك أنّ قنواتنا التلفزيّة تعجّ بالرداءة على مستوى الموارد البشرية، وأعتذر للجيّدين الموجودين حتما و المُخزّنين إلى يوم الاستفاقة الفكريّة، القادمة لا محالة. و من الجليّ أنّ مسيّري "البلاتوهات" يكتفون باستضافة "خبراء" و"محللين" غير قادرين على تعريتهم أو مهادنين لأسباب أخلاقيّة. و المثقّف الضيف المرشّح للرئاسة لا يروم التنازل اعتبارا للموقف الذي يفرض عليه الظهور في أحسن حال ممكن و حفاظا على مكانته في ظرف شبيه بالامتحان.

استمعت إلى بوبكر بن عكاشة يدافع عن نفسه في إحدى الإذاعات حول ما يروّج حوله من عدم الاستقلالية في برنامجه " ساكن قرطاج" وانحيازه للمرشّح يوسف الشاهد. بن عكاشة المتّهم بالحجج الكلاسيكيّة التي لا تنفي الإنحياز وإنّما تدحض أركان التهمة. أنا لا أكتفي بهذا وأدفع معه بالحجج الآتية:

هل ابتدعتم أيّها المناوئون آلة "انحيازمتر" تقيسون بها ميولات الآخرين واختياراتهم.

من الذي اصطفاكم للإنتصاب حكّاما؟

العمل الصحفي والإعلامي لا يحرّم على متعاطيه أن تكون له قناعات وحتّى ميولات لشخصيّة ما، تلك من مكونات شخصيّته ومن حقّه الإنساني، مطلوب منه، فقط، عدم الخلط بين مهنته و أحاسيسه.

لنحذر كثيرا، حيث أنّ القراءة العرجاء للحياد، في سلك الإعلاميين، في سلك المعلّمين، في سلك أعضاء هيآت متعدّدة دستوريّة وغيرها، في سلك الأئمّة، سيدفع بنا إلى ابتداع فصيل من "البدون" نأتمنهم على تسيير دواليب البلاد.

أنا لا أدافع على بن عكاشة و إنّما أخشى من الشخصنة المفرطة التي غزت"البلاتوهات" و أضاعت المحتويات.
تفاؤلي يبقى قائما لأنّ الكرة النازلة لا تعود إلى الارتفاع إلاّ بعد الارتطام بالأرض وأنّ أطباقا شهيّة مثل الديمقراطيّة تتطلّب إعدادا طويلا متعبا لا بدّ من الصبر عليه.

* أستاذ تعليم عال




Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 188119

Nouri  (Switzerland)  |Jeudi 29 Août 2019 à 08h 20m |           
مقال جميل ومقنع لاننا شعرنا بنفس ما شعر به الكاتب