لماذا لا تخرج نابل على العالم بكامل زينتها؟



حياة بن يادم

عندما تسوقك الأقدار الجميلة و تزور مدينة نابل فترفق بها و ترجل لتشتم رائحة الزهر في الربيع و تشتم عبق التاريخ على مدى الفصول و ادخل من الباب الكبير للمدينة العتيقة "الربط" ليعترضك جامعها الذي يفتح على نهج الحصايرية اين يسر ناظريك ابداع حرفييها في نسج الحصير من مادة السمار و تطويعه و صبغه بألوان جميلة لصناعة تحف فنية اخرى كالقفة النابلية و تلبيس الفاشكة.
ثم تأخذك قدماك الى أزقتها الضيقة مثل زقاق "عين الدوّارة" أين تلتحم منازلها العتيقة لتكون شاهدا على مقاومتها للمحتل وتكون سدا منيعا ضد عربات المستعمر و ينتهي بك المطاف الى ساحة الجامع الكبير اين شهدت انطلاق اول مسيرة نسائية سنة 1952 ضد الاستعمار بقيادة المرحومة المناضلة آسيا غلاب .. انهن نساء نابل .. نساء نابل قبل رجالها مناضلات مهرهن حفنة تراب من هذا الوطن العزيز.


و اذا أردت أن تعرف تاريخ نابل فما عليك إلا أن تزور بيت المرحوم المناضل عبد الحق لسود أين يتربع منزله الذي تجاوز القرنين منطقة الربط و حوّله بعد الثورة الى نادي "دار المقداد للفكر و الإصلاح" أين اقيمت فيه شهريا ندوات فكرية و اجتماعية و اقتصادية و كانت سابقة في تاريخ تونس أين يتداول الرأي و الرأي الآخر و كان لي شرف العضوية القارة في هذا النادي.

ستجد قبالة هذا المنزل جامع "سيدي بو جلابية" الذي يبقى شاهدا على معمار فني فريد ليس له مثيل، لكن مع الأسف لم يحظ بالعناية و الترميم و و لم يلق التبجيل الذي يليق بقيمته.

ستأخذك قدماك الى سوق البلغة و منه الى السوق التقليدية الموشحة بالخزف و الفخار و الملابس التقليدية ويصل سمعك لحنا مميزا إنه النقش على النحاس تتخلله لهجة غير محلية و لا هي تونسية لكنها جميلة انهم اخوتنا الجزائرين الذي ضربوا عهدا مع هذه المدينة و لعلهم ابرموا معها عقود الوفاء و قرروا عدم استبدالها الى قيام الساعة.

تتزين هذه الأيام المدينة بمنصات الفاكهة و الحلوى و عرائس السكر إيذانا بالاحتفال براس السنة الهجرية التي تتميز بها عن سائر المدن الأخرى و ان كانت القيروان قبلة للتونسيين في المولد النبوي الشريف فان نابل قبلتهم في راس السنة الهجرية، رغم ذلك تبقى نابل خجولة مجهولة قياسا لقيمتها الحقيقية، و يبقى السؤال لماذا لا تخرج نابل على العالم بكامل زينتها، ربما هي المدينة الوحيدة التي تتكتم على حلاوتها.

أكثر من ربع قرن سكنت هذه المدينة و سكنتني، طاب عيشي فيها و تعلق قلبي بها، وهي التي احتضنت الوافدين اليها من كل ربوع الوطن من زغوان الى القصرين و من بنزرت الى تطاوين لتصبح عاصمة الوطن القبلي عاصمة كل الوطن .. أنا لا أسرد عليكم نابل بخلفية سياحية، و الأكيد و أنني لا أعرضها بخلفية سياسية في هذه الرطوبة الانتخابية الخانقة.. أردت فقط تقديم نابل بطريقة طبيعية، كما هي، منذ خطبها الجمال، و أمهرها وادي من الجمال الحمر.


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 188062