‏DURA LEX SED LEX



بقلم حامد الماطري

هي عبارة لاتينية شهيرة معناها أن "القانون صارم، لكنّه القانون"، أي أن القانون يبقى فوق الجميع.
اذا قمنا بسبر آراء عميق لمشاكل التونسيين وآمالهم لوجدناها تتلخّص في كلمة واحدة: تطبيق القانون.

لطالما كرّر حكامنا انهم لا يملكون عصا سحرية لتغيير واقع البلاد في طرفة عين. في الواقع هم يملكون هاته العصا، هي بين أيديهم، ولكنهم لا يستطيعون، او بالأحرى لا يريدون استعمالها: تطبيق القانون...!
الأزمة المالية ستتلاشى يوم يدفع كلّ منا ما عليه تجاه الجباية من دون تمييز. الاقتصاد سينهض يوم يطبّق القانون على الشركات الكبرى ونخفف من التجاوز في حقّ صغار المستثمرين.

الادارة ستستعيد فاعليتها يوم تعود المحاسبة وتنتهي المحسوبية. القمامة المتكدّسة في الشوارع ستختفي يوم يعاقب كل من يلقي بالزبالة في غير محلّها. الادارة ستتحسّن خدماتها يوم يطبّق القانون على الموظّفين. قيمة العمل ستعود يوم يطبّق القانون على العامل كما على المشغّل. الامن سيعود يوم يطبّق القانون على الجميع، الشرطيّ قبل المواطن. ربما لن نستطيع القضاء على البطالة في سنة او اثنين، ولكن عموم العاطلين سيتفهّمون ويصبرون يوم يكونوا متيقّنين بأنّ فرصتهم في التشغيل مصانة، وان معيار المفاضلة لن يكون الا الكفاءة، وان أحداً لن "يسرق" فرصة غيره بالاعتماد على واسطة او صاحب حظوة او نفوذ.

حقيقةً نحن نبالغ في توصيف صعوبة الحالة التونسية... شبابنا اكثر وعياً مما نعتقد -وبكثير- ولكننا لا نملك ان نجادله في أسباب إحباطه وانعدام الثقة في نخبة سياسية وثقافية ودينية، نصّبت نفسها -او نصّبوها- عليه، فاعتقدت جزافاً ان لها الحقّ في الحجر عليه واحتقاره بل وجَلده واستعماله أينما شاءت.


كذلك تثبت القراءة في التجارب المقارنة ان الأمم تعرف من الصعود او الهبوط حلقات عديدة، وان المسألة لا تتعلّق بأمور إثنية او دينية او ثقافية (كما يعتقد البعض)، بقدر ما هي ترتبط بحزمة من القواعد الثابتة، أهمّها ما عبّر عنه العلامة ابن خلدون بمقولته: "العدل أساس العمران، والظلم مؤذن بخراب العمران". أي ان العمران -أو الخراب- هو نتيجة طبيعية لمدى تطبيق العدل بين أفراد المجتمع، من دون تمييز او حسابات.
تركيا مثلاً كانت، وحتى وقت قصير نسبياً، دولة متخلفة، فقيرة، معروفة بانتشار القمامة والفساد والجريمة. كان واقعنا في تونس أفضل مما هو عندهم، وبمراحل، حتى تنظّمت مؤسساتهم ونجحوا في وضع أسس مجتمع عادل -ولو نسبياً- يلتفّ حول رؤيا موحّد ومشروع وطني يستقطب طاقاتهم في اتجاه واحد. كذلك كان شأن دول متقدّمة مثل البرتغال او ماليزيا او اخرى صاعدة مثل اثيوبيا او كوستاريكا.

شخصيّاً، أدرك يقيناً ان خلاص هاته البلاد يكمن في فرصة ينالها من هو يريد حقّاً ان يمضي في مسار الإصلاح بأمانة، وحتى النهاية.. ولكن من يدّعي أنه قادر على تحقيق ذلك، لا بدّ أولاً من ان يكون حلّاً من اي دين او التزام تجاه أحد، لا رجال اعمال ولا اصحاب نفوذ ولا قوى إقليمية ولا حسابات حزبية ضيقة.

قلناها مراراً وتكراراً: الايادي المرتعشة لا تصنع التاريخ. كذلك لا يمكن ان ننتظر الاصلاح من قبل من فاسد او ممّن هو مرتهن للفاسدين!

بقدر ما أتوجّس من الانتخابات القادمة، التي اخشى من ان أنّها ستزيد من تعميق المشكل اذا اعادت انتخاب أناس من طينة طوبال والقروي وأنس الحطاب وغيرهم، او حتى يوسف الشاهد، فإنني اعتقد ان الفرصة لا تزال مواتية لتحقيق اختراق حقيقي يمهّد إلى استرجاع فكر الثورة وإعادة وضع البلاد على بوصلة الاصلاح من جديد.

كلما تحدثت الى احدهم، وجدت التونسيين في حيرة من امرهم، لا يعرفون لمن سيعطون اصواتهم...

حقيقة أتعجّب من ذلك. يفترض بهاته الانتخابات ان تكون الأوضح من بين من سبقها ومن سيأتي من بعدها من انتخابات... فإذا كنت لا تعرف لمن ستصوّت، ينبغي ان تكون تعرف على الأقل لمن يستحيل أن تصوّت!

اذا شطبنا الفاسدين والشعبويين، ومن لا يمتلك الخبرة السياسية أو من يتوعّد بتقسيم التونسيين واضطهاد شطر منهم، لن يبقى إلا ترشحات معدودة يصحّ ان يقال عنها انها جدّيّة.
وإذا أعفينا من تجاوزوا السبعين من العمر (على اعتبار أنها عهدة بخمس سنوات، وأعتقد أنه –وبعد التجربة مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي- يجب علينا أن نفكّر مليّاً قبل أن نعيد التّجربة مع من قد لا تسمح له صحّته بإتمام العهدة على أتمّ وجه)، لم يتبقّى لنا إذن أكثر من مرشّحين أو ثلاثة.

تونس في حاجة الى رئيس وحكومة يؤمنون بالثورة، بالإصلاح، باللامركزية، بالديمقراطية والشفافية وحقوق الانسان، ولكنهم لا ينكرون الدّولة، يحترمونها ويقدّرون نواميسها ومصلحتها العليا دوماً.

ثنائية الثورة والدولة لا يحملها كثر، و تقتصر على من عرف النضال قبل الثورة، وآمن بالمشروع الوطني بعد الثورة. من لا يؤمن بأولوية محاربة الفساد، ومن يعتقد أن الحلّ قد يكون ممكناً بالمهادنة واللعب على الحبال، سيجد نفسه سريعاً غارقاً في نفس الوحل الذي انزلق فيه سابقوه. وحل أنصاف الحلول، وحل الضغوطات والمساومات وتجنّب الصّدامات.

المسالة ليست أبداً مسألة شكل او أريحية في الخطاب، بل أنها اليوم ليست حتى مسالة برامج بقدر ما هي مسألة نظافة يد وقوّة موقف، وثبات على المبدأ. الجميع قادر على بيع أجمل البرامج وأكبر الأحلام، لكن أثبتت التجربة أنها إذا جاء بها من هو في غير محلّ ثقة، سيبقى البرنامج مجرّد حبر على ورق، وستعوّضه الحسابات والمصالح والمنفعيّات (كما كان الحال دوماً).
نحن في حاجة الى تونس قوية عادلة. قويّةٍ، عازمة على تطبيق القانون على الجميع، ومن دون استثناء، وعادلة، لا تبخس أبناءها حقّهم وتعطي الفرصة للجميع، ومن دون استثناء.
هل يعجز التّونسيّون عن التّعرّف على مرشح واحد بهاته الصّفات، يؤمن بهاته المبادئ، وقادر على تطبيقها؟
سهلة حقاً هي هذه الانتخابات.. لا نحتاج إلا إلى دقائق قليلة من التفكير الرّصين والعميق، والأهمّ، أن يكون متحرّراً من ضجيج التّأثيرات الإعلاميّة وصخب الحملات الذي بدأ يرتفع.

Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 188008

BenMoussa  (Tunisia)  |Mardi 27 Août 2019 à 14h 24m |           
كلام صحيح ولكنه يدعو لمعالجة الظواهر ويتغاضى عن المتسببات
فالمشكل الحقيقي هو مشكل اخلاق وما عداها فهو منجر عن انعدام الاخلاق
وكما قال شوقي بناء على اراء من سبقوه
انما الامم الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

Lechef  ()  |Mardi 27 Août 2019 à 10h 55m |           
Attention : il y a un terme clef qui manque à l'application de la loi " à savoir " de façon équitable " ! Sinon comme je l'ai dit à plusieurs reprises tout le reste est conséquent !