أيمن عبيد
ألمانيا
المرأة التونسية، لاشكّ أنها سرّ مكنون من أسرار ربيع الخضراء وإستثنائها...بل هي سرّه الأعظم.
انها "عليّسةُ" السواحل هيفاء الحواشي، "كاهنة" الجبال وجذر الرّواسي، وقيروانيّة أروى...تروي الفيافي، أو وسيلةُ النظام وأعمدته العوالي...
وأخرياتٍ كثيرات...
إنهنّ من نسل تلك التي اقتسمت مشورة الحكم في أبناء الهلال، فإستأثرت لوحدها بالثلث، بعد أن جادت بالثلثين البواقي، يتقاسمهما جميع دهات العرب مع كلّ أبطال البوادي.
هي الجازية أم الربيع
انها جنرال يحسن التثاءب في أكثر لحظات المعركة احتداما...
انها الحرب الصامتة، والعاصفة الهادئة، او انها على الأقلّ تتقن بحرفيّة عالية، إيهام كل من حولها بذلك...
تحسن التحكم او ربما حتى التلاعب في أحيان كثيرة بمناخ الحوار ونسقه...
تُحسن صياغة المقال، ونظم أسطره وقوافيه، فهي تعلم ان محتواها وما تحمله من مضامين بين طيّاتها مهمّ، ولكن لحن الكلام أكثر أهمية لا ريب، فذاك ما يَلِجُ إلى الآذان أوّل الأمر، فإن إستطابته وضعته في طريق الأفئدة المفتوحة، ليدخل أبوابها من دون إستئذان، وتلك هي موسيقاها التي تتفنّن في ضبط إيقاعها، لتخاطب بها وعن طريقها الآخرين، من خلال كلمات مقتضبة...
ولكنها تحسن بأشواط كثيرةٍ أكثر الإستماع.
انها فطرة "اكتساح الحصون"، أو حملة "تفكيك الأسرار"...
لا اعلم ان كانت تجيد الفنّ التشكيلي، أو ان كانت تحبه من الأساس، ولكنها حتما مصابة بِوَلَعٍ رسم الخرائط وتصميمها، خرائط من نوع فريد، انها خرائط دواخل الإنسان وخوالجه، تستشعر الخطوط العريضة لشخصيته، و تنقّب على مفاتيح أقفالها.
انها تكتسح الطرف الآخر من الحوار، ومن ثمة تصمت.
تفعل كل ذلك بهدوء، ولكن بدقّة عالية...
تفعله برصانة نفّاثة، تجمع بين البطء والسرعة في آن واحد...
ربما هي تجيد التأليف بين المتناقضات...فهي الحرب المسالمة...التي تلائم بين الصمت والحوار، بين الضحك والأحزان، وبين الأناة والرصانة من جهة، والسرعة والصرامة من جهة أخرى...
وبين العقلانية الباردة...والعواطف الجيّاشة
بين الإحساس المرهف...والتجاهل المفرط
انها تتأرجح لا ريب بين كل ذلك، لكنها تحسن ضبط إيقاع التأرجح، والذهاب والإياب فيه، بشكل يجعله متناغما، يصعب على ناظِرهِ رصد طريقه او تحديد تحوّلاته...
وحتى اذا تفطنت إليه، فإنك ستستمتع بنغماته، ستجدها تثير في الإنسان، جنوحه الدفين... إلى المغامرة وهجر الرتابة
انها مستغرقة في ذاتها، ولكنها تتفنن ايضا في اغراق من هم حولها فيها...
تغرقهم، ولكنها لا تكتم انفاسهم، بل تحوّل ذلك الغرق إلى رحلة غوص ممتعة، تختصّ بها من تختار. ربما يكون عمق الغوص وفترة الإبحار معها، في مياه نرجسها، مرتبطا بمتانة الرابط الذي يشدّك إليها، أو ذلك الذي شدّتك هي به بالاحرى، الرابط الذي جعلتك تدمن الانسياق إليه.
هي مدّ وجزر...
تطاول وتصاغر...تتكبر وتتواضع...كبرياء واذعان...تستمتع ربما بمداعبة أزرار الاستفزاز لديك، ولكنها لا تفعل ذلك الا وقد استوثقت، من امتلاكها، لجهاز التحكّم الذي يبدّد دخان الغضب وحتى اعاصيره.
تتحرك مرات ككتيبة لإطفاء الحرائق، وتهبّ مرة كريح صرْصرٍ توقدها.
قد تقابل المعروف بشيء من النكران تارة، ولكنها في أطوار كثيرة، ستدفع لؤمك بإحسان، اقبالك بجفاء، أو إدبارك بإقبال... إنها في كل الأحوال ستفاجئك، وستجعل بضربِ السحر الذي أتقنت، من كلّ مفاجآتها، عنصر إستمرارية واستقرار.
انها مشاكس لطيف وجذّاب لاريب.
بل هي ملاك الحرب...وشيطان الحبّ.
تشدّ إليها الأنظار، دون أن تظهر إلى العيان، فتجدها غائبة كلما حضرت، وحاضرة إذا هي غابت، قريبة كلما ابتعدت، وبعيدة ان إقتربت، إنها لسبب ما، تجعل كل من حولها، في مدار فلك في جوارها، لا تحرص على أن تكون هي مركزه، ولكنها من دون أي شكّ، حجر زاوية في محيطها، وعماد إستقرار لبنيانه، ووتد خيمته التي إستوطن.
انها وطن أوأمّ أو أخت....او كلّ ذلك معا.
تحاصرك كلما أفلتّ منها، وتطلق سراحك كلما استسلمت إلى قيودها.
تحسن الترتيبات، وضبط المواقيت والمواعيد، كذلك شأنها مع توزيع الدعوات، منغمسة في مسابقة الزمن وتخطّي عقاربه، فلا تتردد في شطب إسمٍ دون أن تقرأه، وفي قراءة آخر قبل أن تكتبه، إنها كثيرا ما تركن في تحبير قوائمها، إلى حسّها الفطري، أو بالأدقّ إلى تلك الفراسة التي تعتمر وجدانها.
فراسة تجعل منها مرهقة بالتفكير الدائم وطرح الأسئلة، تتجاذب أطراف الحديث، أغلب الوقت مع ذاتها، فما تلبث ان تجدها، شاردة في رحلة صيدها المفضّل، مقتفية أسراب الأجوبة وسراب الحقيقة المطلقة، وكلما حاولت التوقّف عن التفكير، وجدت نفسها محاصرة بالأفكار تداهمها.
لكنّها رغم ذلك وغيره، تبقى الوطن والأمّ والأخت...
نجمةً تُوازن الهلال وترشده...يخَالُ للناظِرِ أنه هو حاضنها، ولكنها هي التي تثبّته وتشدّ على يدَيْهِ بقلبها.
انها هي التي تهمس للربيع بن هلال قولةً...لعلّه ينصتها، كما قال القباني...مخاطبا أمّة القلوب والألبابِ:
من شدّ على يدك...شدّ عليه بقلبك.
ألمانيا
المرأة التونسية، لاشكّ أنها سرّ مكنون من أسرار ربيع الخضراء وإستثنائها...بل هي سرّه الأعظم.
انها "عليّسةُ" السواحل هيفاء الحواشي، "كاهنة" الجبال وجذر الرّواسي، وقيروانيّة أروى...تروي الفيافي، أو وسيلةُ النظام وأعمدته العوالي...
وأخرياتٍ كثيرات...
إنهنّ من نسل تلك التي اقتسمت مشورة الحكم في أبناء الهلال، فإستأثرت لوحدها بالثلث، بعد أن جادت بالثلثين البواقي، يتقاسمهما جميع دهات العرب مع كلّ أبطال البوادي.
هي الجازية أم الربيع
انها جنرال يحسن التثاءب في أكثر لحظات المعركة احتداما...
انها الحرب الصامتة، والعاصفة الهادئة، او انها على الأقلّ تتقن بحرفيّة عالية، إيهام كل من حولها بذلك...
تحسن التحكم او ربما حتى التلاعب في أحيان كثيرة بمناخ الحوار ونسقه...
تُحسن صياغة المقال، ونظم أسطره وقوافيه، فهي تعلم ان محتواها وما تحمله من مضامين بين طيّاتها مهمّ، ولكن لحن الكلام أكثر أهمية لا ريب، فذاك ما يَلِجُ إلى الآذان أوّل الأمر، فإن إستطابته وضعته في طريق الأفئدة المفتوحة، ليدخل أبوابها من دون إستئذان، وتلك هي موسيقاها التي تتفنّن في ضبط إيقاعها، لتخاطب بها وعن طريقها الآخرين، من خلال كلمات مقتضبة...
ولكنها تحسن بأشواط كثيرةٍ أكثر الإستماع.
انها فطرة "اكتساح الحصون"، أو حملة "تفكيك الأسرار"...
لا اعلم ان كانت تجيد الفنّ التشكيلي، أو ان كانت تحبه من الأساس، ولكنها حتما مصابة بِوَلَعٍ رسم الخرائط وتصميمها، خرائط من نوع فريد، انها خرائط دواخل الإنسان وخوالجه، تستشعر الخطوط العريضة لشخصيته، و تنقّب على مفاتيح أقفالها.
انها تكتسح الطرف الآخر من الحوار، ومن ثمة تصمت.
تفعل كل ذلك بهدوء، ولكن بدقّة عالية...
تفعله برصانة نفّاثة، تجمع بين البطء والسرعة في آن واحد...
ربما هي تجيد التأليف بين المتناقضات...فهي الحرب المسالمة...التي تلائم بين الصمت والحوار، بين الضحك والأحزان، وبين الأناة والرصانة من جهة، والسرعة والصرامة من جهة أخرى...
وبين العقلانية الباردة...والعواطف الجيّاشة
بين الإحساس المرهف...والتجاهل المفرط
انها تتأرجح لا ريب بين كل ذلك، لكنها تحسن ضبط إيقاع التأرجح، والذهاب والإياب فيه، بشكل يجعله متناغما، يصعب على ناظِرهِ رصد طريقه او تحديد تحوّلاته...
وحتى اذا تفطنت إليه، فإنك ستستمتع بنغماته، ستجدها تثير في الإنسان، جنوحه الدفين... إلى المغامرة وهجر الرتابة
انها مستغرقة في ذاتها، ولكنها تتفنن ايضا في اغراق من هم حولها فيها...
تغرقهم، ولكنها لا تكتم انفاسهم، بل تحوّل ذلك الغرق إلى رحلة غوص ممتعة، تختصّ بها من تختار. ربما يكون عمق الغوص وفترة الإبحار معها، في مياه نرجسها، مرتبطا بمتانة الرابط الذي يشدّك إليها، أو ذلك الذي شدّتك هي به بالاحرى، الرابط الذي جعلتك تدمن الانسياق إليه.
هي مدّ وجزر...
تطاول وتصاغر...تتكبر وتتواضع...كبرياء واذعان...تستمتع ربما بمداعبة أزرار الاستفزاز لديك، ولكنها لا تفعل ذلك الا وقد استوثقت، من امتلاكها، لجهاز التحكّم الذي يبدّد دخان الغضب وحتى اعاصيره.
تتحرك مرات ككتيبة لإطفاء الحرائق، وتهبّ مرة كريح صرْصرٍ توقدها.
قد تقابل المعروف بشيء من النكران تارة، ولكنها في أطوار كثيرة، ستدفع لؤمك بإحسان، اقبالك بجفاء، أو إدبارك بإقبال... إنها في كل الأحوال ستفاجئك، وستجعل بضربِ السحر الذي أتقنت، من كلّ مفاجآتها، عنصر إستمرارية واستقرار.
انها مشاكس لطيف وجذّاب لاريب.
بل هي ملاك الحرب...وشيطان الحبّ.
تشدّ إليها الأنظار، دون أن تظهر إلى العيان، فتجدها غائبة كلما حضرت، وحاضرة إذا هي غابت، قريبة كلما ابتعدت، وبعيدة ان إقتربت، إنها لسبب ما، تجعل كل من حولها، في مدار فلك في جوارها، لا تحرص على أن تكون هي مركزه، ولكنها من دون أي شكّ، حجر زاوية في محيطها، وعماد إستقرار لبنيانه، ووتد خيمته التي إستوطن.
انها وطن أوأمّ أو أخت....او كلّ ذلك معا.
تحاصرك كلما أفلتّ منها، وتطلق سراحك كلما استسلمت إلى قيودها.
تحسن الترتيبات، وضبط المواقيت والمواعيد، كذلك شأنها مع توزيع الدعوات، منغمسة في مسابقة الزمن وتخطّي عقاربه، فلا تتردد في شطب إسمٍ دون أن تقرأه، وفي قراءة آخر قبل أن تكتبه، إنها كثيرا ما تركن في تحبير قوائمها، إلى حسّها الفطري، أو بالأدقّ إلى تلك الفراسة التي تعتمر وجدانها.
فراسة تجعل منها مرهقة بالتفكير الدائم وطرح الأسئلة، تتجاذب أطراف الحديث، أغلب الوقت مع ذاتها، فما تلبث ان تجدها، شاردة في رحلة صيدها المفضّل، مقتفية أسراب الأجوبة وسراب الحقيقة المطلقة، وكلما حاولت التوقّف عن التفكير، وجدت نفسها محاصرة بالأفكار تداهمها.
لكنّها رغم ذلك وغيره، تبقى الوطن والأمّ والأخت...
نجمةً تُوازن الهلال وترشده...يخَالُ للناظِرِ أنه هو حاضنها، ولكنها هي التي تثبّته وتشدّ على يدَيْهِ بقلبها.
انها هي التي تهمس للربيع بن هلال قولةً...لعلّه ينصتها، كما قال القباني...مخاطبا أمّة القلوب والألبابِ:
من شدّ على يدك...شدّ عليه بقلبك.





Fairouz - سهرة حب
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 187367