في حوار ''شفناك تبكي سيد الرئيس''.. حملة انتخابية على المرفق العمومي



بقلم: شكري بن عيسى (*)

يتساءل ذو منطق وبداهة، ماذا يعني استضافة رئيس حكومة مغادر، غداة انتخابات رئاسية وتشريعية، في حوار تلفزي على القناة العمومية؟ وماذا سيقدّم وقد انتهى دوره ولم يعد في عهدته سوى اشهر معدودة؟ وماذا ستقدّم القناة الوطنية لمشاهديها بعد الفشل الذريع في تغطية مراسم تأبين ودفن المرحوم السبسي وقد فقدت الكثير من مصداقيتها او تكاد؟ في الوقت الذي تم التراجع على بلاطو كان سيحضره مورو ونجيب الشابي وسامية عبو بعد دعوتهم، ليتم اعلامهم من الر. م. ع. للقناة الوطنية بالالغاء بتعلّة "تفادي سياسيين في فترة انتخابية".. وتغيير برنامج ثاني كان سيحضره نبيل بافون..



جملة من الاسئلة الحقيقة تنتاب كل متابع للشأن العام، عن جدوى حوار أعلن عنه في يومه، وتمّ الاشهار له طويلا لعلّه يستدرج ما يمكن من الناس التي ملّت العبث السياسي والكلام الاجوف الذي صار مستهلكا الى حدّ الضجر؛ ضجيج سياسي لم يعد يثير سوى الاستهجان والملل، ومع ذلك كتب علينا البارحة أن نتابع حوارا كالعادة اشترط مسبقا ان يكون مسجّلا، فاق الساعة ونصف الساعة في قمّة الضجر والقرف.



كان مستوجبا أن يكون بايقاع عالي، وأسئلة نوعية واحراجات ذكية، تسقط القناع الذي يتواصل به السياسي، ويواجهه الاعلامي باستراتيجية المحاصرة الدقيقة، حتى لا يتّهم بأحد اثنين امّا المجاملة والتزويق واما المحدودية والرداءة، والحقيقة لا ندري ايهما يمكن أن يلصق بالمحاورين، وقد سمحا للضيف في فترة انتخابية بأن يكون في اريحية قصوى، وكأنّه في ملاطفة من أصدقاء، وقام بما يرغب من دعاية، في مرفق عمومي، على حساب دافع الضرائب الذي يموّل الاعلام العمومي، وعلى حساب مبادىء المنافسة النزيهة في انتخابات يستوجب أن تراعي المساواة بين المترشحين.


توفير مساحة اكثر من تسعين (90) دقيقة كاملة لرئيس حكومة، كي يتهرّب من أبسط الاسئلة، ولا يقول الاّ الكلام الذي يبيّض به أدائه، ودون أن يكون الحوار جردة حساب دقيقة، هو أمر مشبوه في توقيت دقيق وحساس، خاصّة واننا عهدنا حوارات بطلب من الشاهد، تكون المساحة الاعلامية مجرّد سند دعائي للترويج والبروباغندا، وهو يمكن أن ينطبق على ما حصل في الحوار، وقد بدا مدارا من هواة، وقعوا تحت حالة الانبهار اكثر مما سلطوا أسئلتهم واحراجاتهم.


والاسئلة كانت محتشمة في أغلبها، بل ملاطفة ومداعبة للضيف، الذي وجد المساحة النفسية ليرتع ويصول كما يرغب، ويكفي الاشارة الى تلك المقدمة الجميلة للاعلامية "الشابة"، التي كانت بمثابة "الديباجة"، بفسح المجال واسعا لساكن القصبة للانطلاق بكل قوة، وقد رتبت له الامر بالحديث عن وفاة السبسي التي قالت انها اقترنت بعيد الجمهورية، وتابعت بانه يوم حزين، واستمرت في الحديث عن تمرير سلس للسلطة، واعلان الحداد الذي انتهى، ليتكلم الجميع، منتهية الى أنّ الشاهد هو الوحيد الذي صمت، لينطلق المعني في قول ما يشاء، وقد كان السؤال تمهيدا للتوجّه حتى صوب السماء.


ولم ينته الامر هناك فالمُحَاوِرَة مصرّة على اسناده البطولة، بالاشارة الى ان التحضيرات في مجلس النواب لجنازة المرحوم السبسي كانت تحت اشرافه، قبل أن تذكّره بأنّها (بصيغة الجمع) شاهدته يبكي يوم الجنازة "شفناك تبكي سيد الرئيس" (في "سطو" على سؤال مريم بلقاضي الشهير مع السبسي سنة 2014)، وهو (اي الشاهد) الذي اعتصر الدموع يوم التأبين طويلا تحت مطاردة كاميرا مان القناة الوطنية دون جدوى، ومرّة أخرى يتمّ فسح المجال عريضا للاجابة دون حدود ولا ضوابط، ما دامت الاسئلة لطيفة ظريفة رقيقة، وفجأة صار رئيس الحكومة في "عناق سياسي" طيلة الاشهر الماضية مع المرحوم، ويحمل وصيته ويحوز رضاه، وصار يدعي أنّه تمّ استهدافه باستدعاء الاشاعات وقذارة الحرب السياسية، دون ان يجابه بكلمة حول عمليات القصف الاعلامي والسياسي والمنصّة الموجهة نحو قرطاج، التي يديرها مستشاره السياسي المنتدب خصيصا لزهر العكرمي.


وفي أحسن الحالات كانت أسئلة الصحفية "الشابة"، ألا يوجد ندم؟ ألم تندم؟ الى حدّ أن الضيف او بالاحرى صاحب البيت، وجد كلّ الاريحية ليسترسل في الحديث عن منجزات لم يرها سوى هو، بكلمات وجملة وارقام صارت مجترة وملاكة الى حد تحوّلها الى هراء فارغ، ولم يستح ولم يخجل ولم يجد معارضة قوية لسيستدرك ويستطرد ويمدّ رجلية كما يشتهي، وربما كانت "اشرس" الاسئلة من هلال الذي سأل عن عدم استقالة الوزراء المترشحين والحّ، وعن نسبة النمو الضعيفة، وتوظيف القضاء والقانون لتصفية خصوم سياسيين بعد صعود اسهمهم السياسية، ليتمادى الشاهد دون مقاطعة في ابراز ارقام نصفها مختل مثل عجز الميزانية في اوت 2016 الذي قال انه 7%، او المقاربة بطريقة "لقد تجنبنا الاسوأ"، و"ليس بالامكان أحسن مما كان"، مع الاعتراف ببعض الاخلالات الطفيفة.


وقد طاف يمينا ويسارا وجال في كل المناحي، بالحديث عن "الريال بوليتيك" الذي ورثه عن بورقيبة، وبالحديث عن بطولاته بطلب اعفائه تقلد كتابة دولة في حكومة الصيد قبل ويرعم انه فرضها عليه المرحوم السبسي فرضا (!!)، قبل الحديث عن استهدافه وهو الشاب من "الجيل الكبير"، ومن أجهزة الكيان الصهيوني، ومن شبكات الفساد، وربما لو كان الوقت يسمح لصار "مانديلا" و"لوثر كينغ" وربما "حسن نصر الله"، وهو ما استوجب في الختام الثناء والشكر من صحفي "البي بي سي"، الذي شكره على "رحابة الصدر" و"عدم الحجب"، في جملة قمّة في القرف، لم يعد لها مثيل حتى في اعلام كوريا الشمالية... بعد استجداء مهين حول اعلان الترشح للرئاسية، وصل لحد القول بأن "التشويق لازال مستمر.. لا تريد التصريح في الاعلام العمومي"!!


وان كان الحقيقة يجب تعداد ميزات هذا الحوار الاستثنائي، فلا يمكن عدم ذكر السؤال الختامي للصحفية السعيدة بمحاورتها لرئيس حكومة وصفته بالشاب، واعلمته أنّ محاوريه الاثنين من الاعلاميين الشباب، بعد أن شكرته على قبول الدعوة، والحال أنه كالعادة الحوار كان وفق طلبه هو، أمّا السؤال فهو من عمق مدرسة عبد الوهاب عبد الله، بأن الترشحات للانتخابات الرئاسية تنطلق الجمعة.. "هل مازال موش وقتو بالنسبة للشاهد؟" في طريقة أسئلة ناعمة جدا، قبل أن تردف الامر بأن حزبك أعلن قرار ترشيحك، فهل "ستلبي" قرار حزبك؟


ساعة ونصف الساعة خارج معايير المهنية لقناة اثبتت انها في شراك السلطة بعد أن ركّزت على ساكن القصبة في مراسم التأبين وألغت أغلب المشهد، وفي الحوار الحالي تكرّس نفس الاتجاه، بفسح مجال واسع للدعاية والبروباغندا السياسية المفضوحة، في حملة انتخابية سابقة لاوانها من رئيس حكومة لا انجازات له، استعرض على الشعب المفقّر انجازاته الوهمية، ومرّة أخرى يتمّ استغلال المرفق العمومي بشكل فاحش للغرض، في انتهاك جسيم للدستور وكل المواثيق والمبادىء المتعلقة بالديمقراطية والاعلام !!


(*) باحث في القانون والفلسفة



Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 186789

Jraidawalasfour  (Switzerland)  |Vendredi 02 Août 2019 à 10h 33m |           
.…...لم يقنعني الحوار