حين صرخ الباجي: راني ناصح لتونس..



نصرالدين السويلمي

على بعد شهرين ونصف من الاستحقاق الانتخابي الأكبر والأهم "معنويا" مازالت تونس لا تعرف رئيسها بالتحديد ولا تعرف رئيسها بالترجيح ولا تعرف رئيسها بالتخمين ولا تعرف رئيسها بالتنجيم ولا تعرف ثنائي السباق الرئاسي ولا تعرف ثلاثي السباق ولا رباعي ولا خماسي ولا حتى سداسي..مازالت الأسماء تتوافد على تونس من هيئة الانتخابات، ومازال شارع الثورة "الحبيب بورقيبة" في حالة انقسام حاد، يطرح البعض في هذه المقهى اسم المرزوقي كرئيس قادم، فتجيب المقهى الملاصقة بوابل من الضحك، في الجهة الأخرى من الشارع تجزم المقهى المنتصبة في الزاوية إنه الشاهد، فتنخرط المقهى المحاذية في هستيريا من السخرية، يقف دكتور العلوم السياسية أمام البالماريوم يعدل ربطة عنقه ويشير بطريقة ارستقراطية متعالية بأنه كمال مرجان قضي الأمر، يسمعه أحد الشباب الذي فرغ للتو من سيجارة "حشيش" فينخرط في موجة من الضحك الصاخب، بعض الضحك على مرجان والبعض الآخر نتيجة الجونتا، ثم بعد ان يفرغ من ضحكته الساخرة، يؤكد أنه إبن الشارع ويعلم حقيقة بوصلته وأن الأمر استقر على قيس سعيد، تنهره سيدة "والله ما تحشم كي ما تعرفش السياسية اسكت"..شعب مجنون؟ لا غير صحيح! إذا شعب متطفل؟ ولا هذه! إذا ما الأمر؟ انها الشعوب حين تسترد وطنها وتصبح شريكة لا اجيرة، انها الشعوب حين تدرك أنها صاحبة القرار وانها وحدها من تعزل وتنصب وترفع وتخفض، وحدها من ترسل هذا الى بناية قرطاج للحكم وذاك الى بناية منوبة للتداوي، إنها الثورة حين تراقب الجميع وهم بصدد الاعراض عنها والذهاب بعيدا في اهتماماتهم، وهي تدرك أنها وحين تفتح مقرات صناديقها سياتونها أذلاء يطلبون ودها، والذل الأكبر يعتلي أولئك الذين يشتمونها ولا يعترفون بها ثم يأتون في مواسم الانتخابات للأكل على موائدها، هم يومئذ أقرب إلى القواعد من البغايا اللاتي لا يرجون بغاءا.


هذه تونس تتجاوز مطلب مجرد إنتخابات الى الانتخابات المقبولة، إلى الانتخابات النزيهة، إلى الانتخابات الحرة والنزيهة، الى نوعية أخرى قل ما تحدث في العالم، انتخابات التشويق، انتخابات اللحظات الاخير، انتخابات الدقيقة تسعين، نادرا ما تجري انتخابات لا يعلم الشعب من سيفوز بها تحقيقا او ترجيحا، وأقله تكون لديه فكرة عن طرفي النزال الأقرب الى الفوز، نادرا ما تمر ديمقراطية بما تمر به تونس اليوم.

بينما يهتف الإعلام في الدول العربية باسم المجرمين يشكرهم على جرائمهم في حق شعوبهم، ويعتبر المذابح الجماعية بمثابة الانجازات الجماعية، يرحل الرئيس التونسي المنتخب بشكل ديمقراطي، دون أن يتمكن من تثبيت ابنه بشكل جيد على راس احد الشقوق، دون أن يوفر له حظوظ الفوز بمقعد في البرلمان رغم أن الراحل حاول جهده ترقية الابن لضمان مستقبله السياسي، أما الحزب الأكبر في البلاد والذي قاد المعارضة منذ مطلع الثمانينات وقاد الدولة منذ الثورة، فهو يتعرض الى انتقادات واسعة لأنه رشح رئيسه على رأس قائمة انتخابية لينافس من اجل الدخول الى برلمان هيمن عليه حزبه منذ أواخر 2011 !!!!! اي نعم، يتعرض زعيم الحزب الأكبر الذي سبق وطرح اسمه لتعويض أكمل الدين إحسان أوغلو على رأس الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، الرجل صاحب الباع الطويل في التأليف وفي الدعوة وفي السياسة والذي يملك علاقات ممتدة عبر القارات، يتعرض اليوم للنقد اللاذع، يرفع يديه ليتقي الضربات التي يتلقاها تباعا على خلفية ترشيحه من مكتبه ليشغل مقعد في البرلمان تماما كما القصاص والتبيني والمسدي وقافلة طويلة من نواب حزبه!
يتعرض السبسي الى نيران كثيفة لانه انحاز لابنه ويرحل دون أن يفعل له الكثير، يتعرض الغنوشي الى النيران الصديقة والمحايدة والمعادية لأنه قرر دخول البرلمان، يعاني حمة الهمامي من أجل البقاء على سطح المشهد، مجرد البقاء، يعاني الطبوبي،يعاني العباسي حتى بعد أن غادر منصة الشغيلة، يعاني المرزوقي..الكل يعاني من شعب يده على الزناد، شعب صفق قديما للزعامات فغدرته واقتطعت الحكم لها والثروة لأسرها والسجون والمنافي لشعبها، وحين وفرت له ثورة سبعطاش ديسمبر فرصة السيادة احتنكها، أصبح للشعب حساسية مفرطة من ثقافة القيادة والبروز والصدارة والإشعاع خاصة في سوق السياسة، تثب جميع حواسه وتشتغل راداراته حال انتباهه لكيان حزبي برز بشكل ملفت وشخصية ترتفع اسهمها تباعا ...في تونس باتت كل الطرق مقفلة أمام برْقبة وبنْعلة السلطة.
الناس في العاصمة في الوسط في الجنوب في الصحراء على ضفاف وادي مجردة في سفوح جبل الشعانبي، الكل يعيش حيرة لذيذة، الكل يمارس بذاخة القلق، الكل يتذمر من صرامة الديمقراطية، الكل يبحث عن بصيص امل يدله عن ملامح الرئيس القادم، الكل ينهشه الفضول، حتى إذا خرج بعضهم وطرح اسم الزبيدي، صرخ الشعب بصوت واحد "رانا فايقين بيكم..يا انّاري على شكون تعدوا فيها"، شعب يدرك ان لا جهة وازنة تحاول التحايل عليه، لكنه ينفذ ضربات استباقية، وللذين لا يعرفون مجريات البادية، هناك أصوات يطلقها الرعاة بعد المغرب لذئاب مفترضة، وكأنهم يشيرون على الذئب بالانصراف لان خطته فشلت، بينما لا ذئب في الأفق غير انها غريزة المقامة وثقافة الاحتياط.

ها هنا شعب نخره الحذر، شعب مسلح في مخه، في دماغه كلاش ورمان يدوي وخناجر وحجر ومعڤال وتربولاة.. شعب كانت اكلته الرئيسية كسكسي، فأصبحت "رانا فايقين بيكم"..شعب طالما لاحق الرئيس الراحل بالتهم، فيصرخ الباجي: اقسم بالله ناصح.. والله نساعد على الديمقراطية.. سوف ننجح باذن الله.. سأحافظ على التجربة..والشعب يلاحقه في كل حركاته، وحين نُقل الرئيس الى المستشفى ليلة 25 جويلية، قال الشعب "رانا فايقين.. باش غدوة ما يُلقيش كلمة بمناسبة عيد الجمهورية.." حتى إذا أعلنت الدولة عن وفاة الرئيس ، دنكس الشعب وتمتم "رحم الله الرئيس..يرحم الله الرئيس"، شعب لا يكره الرئيس، لا يكره رموزه، لكنه شعب ارعبه زنيم نوفمبر من غول الزعامة، فطلق الثقة واعتنق الشك كطريق لليقين.

Commentaires


6 de 6 commentaires pour l'article 186629

Tomjerry  (Tunisia)  |Mercredi 31 Juillet 2019 à 10h 23m |           
رحم الله السيد الباجي واسكنه الجنّة من غير حساب

Mandhouj  (France)  |Mardi 30 Juillet 2019 à 19h 12m |           
في تونس لا ننسى ايام الصيد و الشاهد تجريم الاحتجاجات .. لكن رفضنا السطو على الدولة، من عديد جهات ..

في تونس الساحة مفتوحة .. و الشعب التونسي رغم بعده عن السياسة، لكنه سيكون في الموعد، ليمكن لديمقراطياته صنع مجتمع متطور و مجتمع قوي ، لا تنتصر عليه اجندات دول الاقطاع . نحن نبني و سنواصل مشوار التأسيس و البناء. نحن في ثورة مستمرة.


و رحم الله رئيس الجمهورية.

المستقبل بأيدينا.

#تونس_الحبيبة

Mandhouj  (France)  |Mardi 30 Juillet 2019 à 18h 57m |           
الديمقراطيات الغربية في حالة نوع من العقم .. بل الشعوب غلب عليها نوع من الروتين في المشهد ، حتى اصبحت شريحة كبيرة ترنو للفاشية القومية .. أو تتبع أحزاب شعبوية، التي هي خليط من اليسار و ثقافة الأنا الخطيرة.

في تونس نبني .. و نتصارع مع أليات الدكتاتورية و بقاياها . فخياراتنا ستكون نحو اتجاه الحرية، اتجاه الإنسان أولا.
#تونس_الحبيبة

Mandhouj  (France)  |Mardi 30 Juillet 2019 à 18h 35m |           
مقارنة بالديمقراطيات الغربية، الديمقراطية التونسية ناشءة، لذلك فيها لذة و نكهة البناء، التي هي من أنبل النكهات. الديمقراطيات الغربية أصبحت عجوز، و حتى مزورة، نتيجة غياب إرادة التجديد .. فهي تمنع النقاش الجاد .. و لا تسمح بنقاش سوى عناوين السيستام . بأليات معينة تهمش خصوم الاغلابيات . و تصنع حتى ديكورها المعارض الذي يرضاه السيستام. المثال الفرنسي خير دليل على ذلك. الديمقراطيات العجوز.

نحن في تونس نبني .. و الرؤية العامة واضحة.

في عهد سي الباجي لا ننسى قمع المتظاهرين أيام مشروع المصالحة الاقتصادية و المالية، لكن صمدنا . و لم يمرر سوى جزء معين. لا ننسى ربح معركة ألمانيا التي كان سمر عبرها التوريث . لكن الشعب ربح المعركة ديمقراطيا .

سي الباجي تعبنا و تعبناه، لكن لسنا اعداء.

#تونس_الحبيبة

Mandhouj  (France)  |Mardi 30 Juillet 2019 à 17h 30m |           
إذا سي الباجي مشى محبوب لأن الشعب منعه عديد مرات من تمرير مشاريع معينة، فإستمع للنقد و سحب المشروع أو بدل فيه .. فذهب كبيرا .

MOUSALIM  (Tunisia)  |Mardi 30 Juillet 2019 à 17h 19m |           
فعلا انها تونس الجديدة المتفردة عن بقية الدول العربية تونس الجديدة لا تعرف رئيسها .تونس الجديدة تنتظر القائمة لتبدأ بمراكمة النقاط لبرنامج المواهب الرئاسية فتشطب من يمتلك مواهب مغشوشة ووهمية وترفع من أسهم المواهب الحقيقية ذوي المواهب المتعددة حتى يكون المواطن على بينة من أمره يوم الامتحان .فأبطال المواقع بمثابة الخبير والمستشار للقواعد الشعبية .