المنع الرعواني للنقاب.. التوظيف الانتخابي للدولة



بقلم: شكري بن عيسى (*)

عندما اصدرت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان، قرارها سنة 2014، في خصوص القانون الفرنسي المثير للجدل حول منع النقاب والبرقع في الاماكن العمومية، (كنت الاول في ذلك اليوم في نشر تعليق حيني منشور على جريدة "راي اليوم اللندنية " )، وجدت (اي المحكمة) حينها حرجا كبيرا في تبرير القانون المذكور، والاغلبية كانت ضعيفة ولم تكن صلبة، والقرار شابه عديد النقائص، وكان عرضة لعديد الانتقادات القانونية، وفي النهاية استبعدت المحكمة الدواعي الامنية، واقتصرت على احترام حقوق الاخرين، تحت عنوان: "العيش المشترك".


في تونس اليوم 5 جويلية 2019، على بعد ثلاثة أشهر على موعد الانتخابات، الشاهد عبر منشور موارب، يمنع حاملي النقاب والبرقع من دخول المؤسسات والمنشآت العمومية، دون أن يشير بصفة واضحة لذلك، ولكن الاشارة بمنع أي شخص "غير مكشوف الوجه"، المستهدف الاساسي منه هن حاملات النقاب والبرقع، والداعي كان بالاساس "أمني" حسب ما ورد صلب المنشور، الذي استدعى جملة من التبريرات، تراوحت بين "الحفاظ على الامن العام"، و"حسن سير المرافق العمومية"، وانتهت بـ"التطبيق الامثل لمتطلبات السلامة".



والمنشور المقتضب جدا يبدو أنه لم يكن منعزلا عن المناخ العام الذي تعيش على وقعه البلاد، بعد الضربة الارهابية المزدوجة التي تمت يوم الخميس 27 جوان الفارط، ولئن كان عنوانها الابرز أمني، فلا يمكن بحال فصلها عن الانتخابات التشريعية، التي انطلقت معاركها على وقع الهجمات الارهابية التي طالت العاصمة، ويبدو أنّ الداعي الامني على أهميته، يخفي في الحقيقة اعتبارات سياسوية عميقة، خاصة لما لدواعي الامن في ربطها بالعامل الايديولوجي، من خلق لجدل واستقطاب حاد، يكون "المفرق" وعامل الفرز، وبالتالي حطب نار انتخابات، يبدو انها لن تحشد الناخبين انطلاقا من برامج ووعود جوفاء لاغلب الاحزاب، خاصة الحاكمة منها.


والحقيقة أن تحديد الحقوق والحريات المتضمن في المنشور، هو من الاختصاص الحصري للمشرّع، وفق الدستور في فصله 49، وهو ما يؤكّد ويصبّ في اتجاه القول بتوظيف الامر لدواعي انتخابية، والطريقة في الواقع بدت "رعوانية" بدوس الحكومي على مرجع نظر واختصاص التشريعي، اذ لا يمكن بحال التدخل في هذا المجال بأمر حكومي فما بالك بمجرد منشور، وبذلك يتضح من البدأ الخلفية السياسوية لطرح الامر، اذ الشاهد واضح انه يبحث عن اثارة الجدل، برغم علمه بعدم قانونية وشرعية ما اقدم عليه، في خرق فاضح للدستور، فما يهمه هو ما سيحدثه المنشور من جدل، واحراجات للخصوم، وتزعم لتيار يدعي الحداثة ومدنية الدولة، تطغى عليه الخلفيات الايديولوجية، والعداء المحموم للدين.

الفصل 49 المذكور للدستور، اذ يجعل تنظيم الحقوق والحريات من الاختصاص الحصري للمشرع، اي جعلها تحت اعتبار مبدأ الشرعية، قصد تسليط الرقابة الدستورية عندما تقتضي الحاجة، فهو اشترط فضلا عن ذلك عدم المساس بجوهر الحق، ووجود دواعي تمس الامن العام او الدفاع او الصحة العامة، او حقوق الاخرين، مضيفا مبدأ التناسب بين الاهداف المطلوبة والوسائل الموظفة، مركزا على الرقابة القضائية في حسن تطبيق تنظيم الحقوق والحريات والتحديد المتعلق بهم، وهي الاعتبارات الجوهرية التي ضرب بها الشاهد عرض الحائط.


ومحكمة حقوق الانسان الاوروبية (ذات فقه القضاء الابرز في الصدد)، أقصت بحال كل اعتبار مرتبط بالأمن، اذ التهديد الامني لا يمكن الاخذ به الا اذا كان عاما ومستمرا، وهو ما لا يمكن ملاحظته باستمرار، حتى يكون المنع عاما ومطلقا، كل ذلك على فرض وجود قانون وليس مجرد منشور، وواضح في الصدد أن الداعي الاساسي "الامني" لا يمكن الاعتداد به، في المقابل يتم انتهاك جملة من الحقوق المقابلة، لعل اهمها: "حق احترام الحياة الخاصة والعائلية” و“حق عدم التمييز” و“حق حرية التفكير والتدين”، وكل تدخل في الخصوص يعتبر تدخلا ثابتا في “احترام الحياة الخاصة” و”الحق في الممارسة الحرة للدين”..



المنشور رعواني وغير قانوني، ويمكن الطعن في شرعيته والغاء آثاره، ولكن "اللعبة" ليست بالاساس قانونية، ففي عمقها سياسوية انتخابوية، فالشاهد يريد ان يظهر بمظهر الحريص على الامن، بعد أن أصبح خلال هذه الفترة الهاجس الاكبر للتونسيين، بعد أن صرع غلاء الاسعار والبطالة بالضربة القاضية، ويحقق بالمحصلة نقاطا ثمينة في هذا الظرف الدقيق، في فترة كان في أشدّ الحاجة للدعاية لحزبه الذي ولد بطريقة قصرية كان معها المولود مشوها، وهو كذلك يريد ان يربك خصمه الانتخابي النهضة، التي تلعب على الاعتبار الديني، فان دافعت على المتنقبات تورطت وتوجهت نحوها السهام، والغالب أنها لن تعترض ففي الصدد ستخسر شريحة هامة من الناخبين، ستعتبرها "غير مأتمنة على الدين" مثلما يتمثلونها.

والشاهد فضلا عن ذلك هناك داعيين أساسيين تحركه، أما الاول فتزعمه التيار "المدني" /"الحداثي"، وافتكاك زمام المبادرة منه انطلاقا من اعتبار امني هام، ممزوج بشحنة ايديولوجية-عقدية، ويبقى الثاني من الاهمية بمكان، باثارة القضايا الدينية الحارقة لخلق الاستقطاب، ومن ثمّة تحقيق اعلى درجات الحشد، وتجاوز اخفاقات الحكم المريرة، بتجاوز وتخطي اعتبار الوعود الزائفة التي قدمها حزبه السابق، ولا يمكن بحال المرور عبرها هذه المرة، والارباكات التي يعيشها اليوم الشاهد في الحكم، ورهانات الانتخابات التي ينطلق فيها بعجز فادح، هي ما دفعت به لاستدعاء منشور رعواني، وبالتالي توظيف السلطة وأدوات الدولة، ما دامت النكسة ماثلة أمام عينيه بشكل مرعب !!


(*) باحث قانوني وناشط حقوقي

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 185250

Potentialside  (Tunisia)  |Samedi 06 Juillet 2019 à 11h 33m |           
لو كان النقاب ضروري لكان اعتماده في فريضة الحج ،لكن السنة لم تفرض ذلك ...