رحم الله محمد مرسي ورحم كل المظلومين ولا عزاء للظالمين



الصحبي صمارة

باسم الله الرحمان الرحيم
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.

صدق الله العظيم


لا يليق بي وقد قاربت الأربعين من العمر أن أنخرط في التباس أخلاقي يخرجني من إنسانيتي ومن هويتي ويدفعني إلى الانخراط في حالة من النفاق إرضاء لعلاقات زائلة على حساب علاقة بالدائم العادل الحق الذي حرم على نفسه الظلم.

لقد حزنت لموت محمد مرسي بقدر حزني لموت مظلومين كثر منهم من نراهم ونسمع عنهم وهم قليلون، ومنهم من لا نسمع بهم وهم كثر.

لم أتوفق في نعي الفقيد مباشرة رغم سيولة الكتابة لدي، فالرجل ليس أيا كان بل هو عنوان لتجربة سياسية وثقافية كبيرة وذات تأثير دولي.

ها أنا ذا أهدأ قليلا لاستيعاب الحدث بمتناقضاته. أتساءل لماذا وصلنا نحن المسلمون العرب ( اجتماعيا أو ثقافيا) إلى حالة من تيبس الضمير حتى بتنا نميز بين المظلومين على أساس الهوية السياسية والدينية؟ . وإن كنت على وعي بوجود تمييز من هذا النوع على أساس اجتماعي، إذ لا نهتم كثيرا لموت المظلومين من الفقراء بينما نهتم بموت المظلومين من الاغنياء.

لا أعتقد أن الانتصار لقضايا الحق والعدل والصدق يستوجب منا أن نكون إسلاميين. ولا أعتقد أن دعاة اللائكية أقرب إلى هذه القضايا من غيرهم. كل ما في الأمر أن الإنسانية كيان يمتاز بالقيم من جملة ما يمتاز به عن سائر الأنواع الحية، وأن منسوب توفر هذه القيم هو السبيل للاقتراب أكثر من الإنسانية من عدمها.

بمعادلة رياضية بسيطة إذا لم نقف إلى جانب الحق وضد الظلم فإننا نبتعد كثيرا عما هو إنساني فينا.

سيعتقد دعاة الإيديولوجيات أن الموقف يتطلب قدرا من الشجاعة السياسية والانضباط الإيديولوجية، ولكني أتساءل عن أسبقية الإيديولوجي على الإنساني!

ما مدى استيعاب الماركسَويين، الذين تعلموا تكرار كليشيهات الجلسات الصاخبة ولم يقرأوا كتابا واحدا في ساعة من الهدوء المينرفي، للعمق الإنساني داخل المدونة الماركسية ومشتقاتها وما تلاها؟ .

هل إن الذين تلقنوا الايديولوجيات، مع جونتة مخدرة في وقت متأخر من زمن الهيمنة الاستعمارية المتجددة داخل علبة ديسكو، هم أكثر ذكاء وانتباها معرفيا وتفضلا أخلاقيا من ناعوم تشومسكي؟

هل يعلم الذين كشفوا عن قدر صادم من الشماتة في موت محمد مرسي شيئا عن موقف تشومسكي تجاه محمد مرسي والإسلاميين عموما؟

ربما يجيبني البعض أن الإخوان أجرموا! ربما ولكن حريّ بصاحب الإجابة، إذا كان يملك قدرا من الشجاعة الأخلاقية، أن يلحق بهم الليبراليين واليساريين والقوميين.. تاريخ السلطة وتاريخ طلاب السلطة كله مشوب بالظلم.

ولكن لحظة الموت في حالة ظلم هي أم اللحظات الفارقة التي تخلق رجة الاستفاقة واختيار الاصطفاف لا مع الجهة السياسية التي ينتمي إليها المظلوم بل ضد الظلم مطلقا ودون تردّد ومناورات رخيصة.

لم أفجع في موت مرسي، لأني لا أفجع من الموت وهو الحتمية التي لا مناص، إنما فجعت حقا في مواقف البعض من الذين أتقاسم وإياهم الفضاء الاجتماعي كيف يشمتون في الموت!!

أعرف أن إعلام مردوخ وأونديمول ووكلاءهم نجح في خلخلة كمية ونوعية للوعي المجتمعي في محيطنا، ولكني لم أتصور أن منسوب تشوّه الوعي يطال العمق الإنساني فينا!. ظننته يقف عند حدود السلوك السياسي في اللحظة السياسية ولا يطال اللحظة الإنسانية.

عموما لا أتصور أن الاخوان في مصر وفي فلسطين وغيرها ارتكبوا جرائم تجعلنا نفقد إنسانيتنا ونصمت تجاه مظلمتهم ونتخندق في صف من يقتلهم بدم بارد طلبا للسلطة وأي سلطة! حذاء عسكري فاسد محل دماغ حر.

الانتصار لمظلمة لا يشترط تفتيش الخلفية السياسية أو العقدية للمظلوم.

هل حقا أنتم مقتعنون أن قتل الإخوان المسلمين مشروع؟ هل حقا تتلذذون بموتهم تحت الظلم؟ إذا كان ذلك كذلك فلا أعتقد أن هناك جريمة أخلاقية وسياسة أعظم من هذه!!

لا تحدثونا عما يصنعه إعلام دوائر الاستعمار ولا قنوات آل زايد ولا تلك الوثائقيات الإخبارية التي تنقلها التلفزات الإسرائيلية. تلك البالوعات العفنة أعرفها جيدا ولا تسمح لياقتي البدنية في الأربعين من العمر بأن أصدقها.

أنا مع حماس طالما هناك احتلال لفلسطين، كل فلسطين.

أنا مع الإخوان طالما هم مظلومون وطالما هناك عسكر انقلابي يجوع شعبه ويقمعه ويحفظ أمن الكيان الصهيوني.

أنا مع الماركسية طالما هناك جائعون ومفقرون ومضطهدون.

أنا مع القومية العربية طالما هناك استعمار يفتت وينهب ثروات شعب واحد ممزق.

أنا مع الوطنيين طالما وأن هناك أجهزة أجنبية تجند العملاء لتخدم مصالح الاستعمار بأنواعه.

أنا مع الصوفيين والعرفانيين طالما هناك استغلال للإنسان من أخيه الإنسان.

رحم الله محمد مرسي ورحم كل المظلومين ولا عزاء للظالمين، لا عزاء للظالمين.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 184126