خطبة من زمن العولمة



من حكايا هذا الزمان :
هي فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها بعد ، شقراء ، ممشوقة القوام ، رائعة الجمال ، تمنّاها زوجة كلّ من رآها من الشبّان الذين يفكّرون في الزواج... تقدّم إلى خطبتها العشرات و لكن لم يستقرّ رأيها على واحد منهم يخفق له قلبها و تتوفّر فيه المواصفات المطلوبة و ترى فيه فتى أحلامها... لا تريد أن تتسرّع في قرارها لأنّ من ستوافق عليه خطيبا لها سيكون زوج المستقبل و شريكا لها في حياتها المقبلة و هي لا تريد أن تندم على ما ستخطوه من خطوات و لذا لم تشأ أن تنفرد بأخذ القرار المناسب و رأت أن تشرك في ذلك أفراد العائلة .

أمّا هو فشاب لم يتجاوز بعد الثلاثين من عمره .. كان مهندسا في الإعلامية يعمل في إحدى الشركات المختصّة في ترويج أجهزة الحاسوب و إصلاحها ... يبدو وسيما طويل القامة تميل بشرته إلى السمرة قليلا ... ينتمي إلى عائلة عريقة و محافظة و ميسورة و معروفة ... اقتنى شقّة بإحدى العمارات و يمتلك سيّارة فاخرة ... قرّ عزمه على الزواج و أخذ يبحث عمّن تسعده في حياته ... رآها ذات مرّة في إحدى الحفلات العائلية فأعجب بها أيّما إعجاب لما تتّسم به من جمال فتّان يسحر الألباب و يُذهب العقول ، و أخبر والدته بالأمر فوافقت على زيارة عائلة الفتاة قصد خطبتها ...


كان معزّ جالسا على أريكة فاخرة في قاعة الجلوس و على يمينه تجلس والدته و على شماله أبوه و أمامهم يجلس أبو رانية و أمّها و بينهم وضعت طاولة امتلأت بما لذّ وطاب من المأكولات و المشروبات . أمّا رانية فكانت في غرفتها تتجمّل ـ على ما هي عليه من جمال ـ بارتداء أفضل ما لديها من ثياب . و كانت هذه عادتها كلّما تقدّم إليها أحد لخطبتها : تتريّث قليلا في غرفتها و تلبس أجمل ما تملك من ثياب و تكون آخر من يلتحق بالحاضرين حتّى تضمن لنفسها صفة النجمة التي يهتمّ بها كلّ الحاضرين ... خرجت رانية من غرفتها رشيقة أنيقة ترفل في حلل من الثياب يزيدها جمالا على جمال و ألقت التحية على الحاضرين بكلّ ثقة في نفسها و جلست على أريكة خاصة بها وُضعت في مكان بحيث يراها كلّ من في القاعة...

ابتدأ أبو رانية الكلام متوجّها إلى الضيوف قائلا لهم : طبعا جئتم ـ و أهلا بكم ـ لخطبة ابنتنا العزيزة رانية . و هذا شرف عظيم لنا . و معزّ شاب لطيف و مؤدّب .

فتكلّم أبو معزّ و قال : إنّ ابننا قد قرّر الزواج و لم يجد أفضل من رانية ـ التي هي تبارك الله كاملة الأوصاف ـ حتّى تكون له زوجة و أمّا لأبنائه .

كان السيّد عبد الواحد( أبو رانية ) يمسك ورقة بيده و حينما أتمّ السيّد إبراهيم ( أبو معزّ) كلامه قال له :

ـ سيّد إبراهيم ، ينبغي أن تعلموا شيئا هاما وهو أنّ ابنتنا الغالية تقدّم إلى خطبتها العشرات و لكنّها مازالت لم تحسم أمرها بعد و قد طلبت منّا أن نساعدها على الاختيار المناسب . و لذا تكوّنت لجنة عائلية تتركّب منّي شخصيا ـ و أنا رئيسها ـ إضافة إلى زوجتي المصون و ابني و ابنتي الكبرى . و من مهام هذه اللجنة دراسة ملفّات المتقدّمين للخطبة و إنجاز تقارير حولها تتضمّن أهمّ المعلومات حول كلّ مترشّح و رأي كلّ عضو من اللجنة فيه ...

بينما كان معزّ و أبواه يستمعون إلى السيّد عبد الواحد و قد أصابتهم الدهشة و لم يصدّقوا أنّهم جاؤوا لخطبة فتاة و إنما كأنهم بصدد المشاركة في بتة عمومية أو مناقصة حامية الوطيس يريد كل طرف مشارك فيه أن يفوز بالصفقة ..

و واصل السيّد عبد الواحد كلامه : و إثر ذلك ترفع تلك التقارير إلى الغالية رانية لتدرسها بتأنّ ثمّ تدوّن ملاحظاتها بشأن كل متقدم لها و بعدها تنضمّ العزيزة رانية إلى اللجنة و تطلع أعضاءها على ملاحظاتها و يجري نقاش مستفيض ينتهي باختيار متقدّمين اثنين تجري بشأنهما عملية تصويت بين أعضاء اللجنة ليقع اختيار واحد منهما خطيبا لابنتنا الغالية و يكون صوت رانية الأخير بحيث إذا تعادلت الأصوات ( اثنان لكلّ متقدّم ) تعطي صوتها لمن تراه الأفضل . أمّا إذا كانت النتيجة ثلاثة أصوات لواحد أو أنّ كلّ الأعضاء اتّفقوا على مترشّح واحد فإنّها تضمّ صوتها للأغلبية .

صمت السيّد عبد الواحد قليلا ثمّ أنشأ يقول : هذه إجراءات الخطبة و المراحل التي تمرّ بها أمّا الوثائق المطلوبة لتكوين ملفّ الترشّح فأترك زوجتي العزيزة تبلغكم بها .

تكلّمت السيّدة زبيدة( أمّ رانية ) قائلة : بإيجاز شديد و ببساطة بالغة نطلب من كلّ مترشّح لخطبة ابنتنا الغالية ما يلي : بطاقة عدد 3 ( بطاقة حسن سيرة وسلوك ) لم يمض على استخراجها حين تقديم مطلب الترشّح أسبوع واحد ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية و آخر أربع بطاقات راتب تتضمّن كلّ البيانات الضرورية و شهادة في الدخل السنوي فيها بيان للوضعية الجبائية و مضمون ولادة أصلي لم يمض على استخراجه من دفاتر الحالة المدنية شهر واحد و شهادة من مشغّل معزّ تبيّن أنّه ليس مطالبا بسداد قرض بنكي أو أي نوع من القروض وشهادة ملكية في الشقة التي يقطنها و السيّارة التي يقودها و شهادة تثبت تسوية وضعيته لدى الخدمة العسكرية و نسخة من قرار ترسيمه في خطّته الحالية و ثلاث صور شمسية حديثة و استمارة بأربع صفحات يتسلّمها من رئيس اللجنة و عليه أن يملأها بكلّ دقّة و يجيب عن أسئلة الاختبارت النفسية التي يتضمّنها بكلّ جديّة و شهادة طبيّة حديثة تبيّن عدم إصابته بأيّ مرض خطير أو معد أو مزمن أو وراثيّ و أنّه في كامل قدراته الذهنية و العقلية و الجسمية والـ... و قرص ليزري لا تقلّ مدّته الزمنية عن ساعة فيه نبذة عن حياة معزّ اليومية و علاقاته في البيت والشارع و العمل صورة وصوتا . هذا فقط ما نطلبه. و توضع كلّ تلك الوثائق و شريط الفيديو في ظرف يغلق بإحكام و تكتب عليه من الخارج عبارة : لا يفتح / خاص بلجنة خطبة الغالية . و يقدّم إلينا في أجل أقصاه شهران علما و أنّ اللجنة لا تنظر في أيّ ملفّ تنقصه وثيقة أو أكثر من الوثائق المطلوبة .

توقّفت السيّدة زبيدة عن الكلام و فسحت المجال لابنتها رانية التي قالت بكلّ رقّة ودلال :

ـ أرجو أنّنا لم نثقل عليكم بالطلبات . ولمعرفة ردّنا على الملفّ الذي ستقدّمونه بإمكانكم أن تزوروا موقعنا على الانترنيت www.raniaelghalia.com

بعد شهرين و نصف من الآن أي يوم أبلغ سن العشرين و أحتفل بعيدي ميلادي و أرجو أن يقع الاختيار على ملفّكم ( كانت رانية تقول هذه العبارة الأخيرة مجاملة لكلّ مترشّح للخطبة ).

نهض الجماعة متثاقلين محملقين في بعضهم البعض و قال أبو معزّ : يبدو أنّهم نسوا أن يطلبوا صكّ ضمان من البنك مؤشّرا عليه بقيمة ألف دينار لا يسترجع حتّى إذا لم يــرسُ العرض على صاحب الصكّ .

وبعد شهر و نصف تقريبا وصل ظرف معز ّإلى لجنة خطبة الغالية و بحضور كلّ أعضائها فُتح الظرف فوجدوا فيه ورقة مكتوبا عليها عبارة عشنا و شفنا يا غالية والديك ... و قرصا ليزريا سُجّلت فيه وقائع حفل زفاف معزّ وبعض المشاهد واللقطات التي أخذت لمعزّ و زوجته إيمان و هما يمضيان أسبوع عسل في سعادة بالغة بإحدى المناطق السياحية الرائعة....

ـ ياسين الوسلاتي ـ



Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 18222

PAIX  (Tunisia)  |Mercredi 12 Mai 2010 à 11h 20m |           
C'est la réalité ça devient de plus en plus
comme ça ! c'est le manque des principes et
le matérialisme

اما ما زال الخير في العباد والبلاد

Mehdi  (Saudi Arabia)  |Mercredi 12 Mai 2010 à 09h 28m |           
Très beau article montrant du doigt le matérialisme et les calculs financiers malhonnêtes lors des formations des couples, et dire que les femmes tunisiennes célibataires ayant dépasser l`âge moyenne de mariage est en exponentielle.
de tels comportements ne font que desencourager les jeunes au mariage et les faire virer vers des relations non légales et non morales.
notre société souffre de la cherté de vie, les ennuis de trouver du travail , les difficultés de se faire des économies et ce type de famille ( rania) ne cherchent qu`a tirer profit et multiplier les obstacles comme si il vont te donner un cœur ou des reins pour tu puisse vivre.
autre chose, tres triste, c`est que le modèle de rania, est très prépondérant dans la société, celui de la fille qui obéit aveuglement a sa famille sans avoir une personnalité indépendante .
les filles qui cherchent la vie facile, les apparences, sans trop se casser la tète a travailler pour se construire.
et ce qui se passe généralement, c`est l`un des deux cas ; soit elle épouse un mari qui va se venger et faire de sa vie un calvaire, soit elle va attendre longtemps, et a la fin elle commence a se chercher un mari a la va-vite et prendre le premier qui passe devant sa maison.