بين ''الفولارة'' والحجاب مشروع سياسي



منجي المازني

على إثر الحادث الأليم الذي أودى بحياة العديد من النّساء العاملات في القطاع الفلاحي بسيدي، تداولت صفحات التواصل الاجتماعي وعديد القنوات والإذاعات رمز وأيقونة المرأة الريفية العاملة والكادحة في الحقل الفلاحي ألا وهي "الفولارة" أو "التقريطة" أو "المحرمة". والفولارة هذه هي من جهة عنوان للجهاد والكد والعمل والجهاد والمثابرة والصبر على طول اليوم وطول السنة من جهة وهي عنوان للتشبّث بالأصالة والهوية العربية الإسلامية من جهة أخرى. والملاحظ أنّ أغلب النّاشطين السياسيين والإعلاميين من اليمين واليسار أشادوا بالمرأة الريفية وبلباسها وبالتقريطة التي تلفّ بها رأسها. ولكن لقائل أن يقول لماذا يمجّد بعض السياسيين ارتداء الفولارة ومن ثمّ يقبلون بها لكنّهم في المقابل يرفضون إرتداء الحجاب ويعتبرونه لباسا طائفيّا فيما أنّ الفولارة تكاد تكون نسخة من الحجاب في بعض الجهات أو القطاعات؟ والجواب في تقديري هو أنّ الفولارة تشكّلت في لا وعي المواطن التونسي كشيء جميل وكقيمة ثابتة ضمن إطار التقاليد والأصالة والهوية العربية الإسلامية. في حين أنّ الحجاب المتعارف عليه اليوم كان بروزه كظاهرة لافتة في ظروف سياسية معيّنة وظهر في الحياة العامّة ضمن إطار وبرنامج سياسي معيّن مخالف ومناهض لسياسة الدولة. ومن هذا المنطلق تبدو الفولارة رمزا له تاريخه وأسبقيته وهو ملك لكلّ التونسيين بمختلف مشاربهم السياسية والثقافية .كما أنّ الفولارة إنّما تعدّ خزّانا انتخابيا لكلّ الأحزاب دون استثناء. في حين أنّ الحجاب قد ارتبط في مخيّلة التونسي بالأحزاب ذات العلاقة بالإسلام السياسي. وهو ما جعله عرضة للنقد والانتقاد ضمن إطار المعارك والتجاذبات السياسية.


وكمثال على ذلك فإنّ السياسي نجيب الشابي كان يدافع عن الإسلاميين ويناصرهم في زمن الاستبداد. وكان العديد من الإسلاميين ينشطون ضمن الحزب الديمقراطي التقدمي ويكتبون في جريدة"الموقف" لسان حال الحزب الديمقراطي التقدمي. ولكن في فجر الثورة وعندما تحصّل الإسلاميون على ترخيص لحركتهم حركة النهضة تغيّر موقف الرجل وأصبح شغله الشاغل هو تخليص الشعب التونسي من حركة النهضة. ذلك أنّ التأشيرة الحزبيّة / الترخيص كما الحجاب يترتّب عنه بالضرورة تحويل وجهة فئة من النّاس من خزّان انتخابي لحزب معيّن إلى حزب آخر. وهو ما يدفع البعض لأن يعتبره محل خلاف على الأقل في وجهات النظر. فالسبب الحقيقي لمعارضة بعض السياسيين للحجاب هو سياسي بامتياز.

جاء في سيرة ابن هشام "أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي من الليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ‏‏.‏‏ فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض ‏‏:‏‏ لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا ‏‏.‏‏ حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ‏‏.‏‏ فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ، ثم انصرفوا ‏‏.‏‏ حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض ‏‏:‏‏ لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود ‏‏:‏‏ فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا ‏‏.‏‏ فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال ‏‏:‏‏ أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ، ولا ما يراد بها ؛ قال الأخنس ‏‏:‏‏ وأنا والذي حلفتَ به كذلك ‏‏.قال ‏‏:‏‏ ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته ، فقال ‏‏:‏‏ يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ ماذا سمعت ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاذبنا على الركب ، وكنا كفرسَيْ رهان ، قالوا ‏‏:‏‏ منا نبي يأتيه الوحي من السماء ؛ فمتى ندرك مثل هذه ، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقام عنه الأخنس وتركه"‏ ‏‏.


Commentaires


3 de 3 commentaires pour l'article 182034

Mongi  (Tunisia)  |Lundi 13 Mai 2019 à 10h 32m |           
الشكر موصول لأخي مسالم

MOUSALIM  (Tunisia)  |Samedi 11 Mai 2019 à 18h 46m |           
مقال متميز يستحق التأمل وقد شد انتباهي الفقرة المنقولة عن سيرة ابن هشام .وتأكيد أبا جهل على الشرف وطبعا نعرف بقية عادات القبائل العربية والتي يفتخرون بها في أشعارهم كالشهامة والكرم والمروؤة والعرض والنخوة الخ .والقرآن الكريم لم يخاطب أهل قريش والعرب بلغتهم المتداولة وهو ما يؤكد أن القرآن كلام الخالق سبحانه وتعالى وليس برسالة محلية للعرب بل رسالة عالمية لكل الناس مع تمييز أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام
بتكاليف اختيارية تستوجب مضاعفة الأجر .

Mandhouj  (France)  |Jeudi 09 Mai 2019 à 16h 20m |           
Mandhouj (France) |Jeudi 09 Mai 2019 à 14h 34m |
و الله هذا النوع من النقل للعاملات الفلاحيات ، عار على تونس ، و جريمة ضد الانسانية .. وهو دليل على أننا في دولة هيمنة رأسمالية خبيثة ، ليس لها أي إعتبار للإنسان و لكرامته و حياته، التسبب في قتل الناس جريمة ، و المسؤولية هنا مشتركة ، بين الدولة و أصحاب الضيعات، و أصحاب وسائل النقل هذه ، و النقابات التي تنظم هذا القطاع ، أو الجمعيات ، أو لست أدري ماذا . يلزم تسوية الطريق و إستبدال وسيلة التنقل بحافلات صغيرة ، تتسع لي 15 ، 20 شخص مثلا .. هذا
ممكن ، و في السوق موجود حافلات هكذا .. إن ليست موجودة يمكن صناعتها، و كثير من الدول ستشتريها. دار السيارات التي ستتبنى هذا المشروع ستبيع ماءات الألاف من هذا النوع، و حتى الملايين في كامل القارات، الافريقية و غيرها .. شيء طبيعي يلزم رخصة سياقة مناسبة ،... يلزم خلق منوال كامل متكامل . حماية الذات البشرية هي مسؤولية الدولة .. و الدولة التي تترك منوال عمل "تنقل" يقتل الناس ، هي دولة مجرمة .. الله يهديكم ، فيقوا على رواحكم ! يمكن الحكومة تقول ، هذا
النوع من نقل البشر ممنوع بالقانون ، و الدوريات الأمنية قائمة بدورها ، لكن !!!!! هذا ميش كلام ، ربى عذر أقبح من ذنب .. و لا داعي للدواران حول دائرة الاعذار .. أصحاب وسائل النقل هذه ليس لهم نقل العباد هكذا . و لهم طرق أخرى للسترزاق بهذا النوع من الكاميونات ..

بالله منذ الثورة كم حادث مرور من هذا النوع ؟ علما أن مسؤولية الدولة ليست محدودة بحدث تاريخي . قبل الثورة نعم كان هناك نظام فاسد و دكتاتوري ، لكن الدولة تبقى مسؤولة على الأرواح التي زهقت و على الجرحى. ثم هذا الأمر يعالج حسب مسؤولية حكومات خاصة، لأنها هي التي تتداول على الدولة و على تسيير الشأن العام.

لماذا هذا الخبث يدوم حتى الآن ؟ و الله جريمة . 5% من أموال محاربة الفساد تخلق منوال تنقل فريد من نوعه، يحمي أكثر الانسان أثناء التنقل. الكلام يطول، و كفى إجرام. الله يرحم والديكم.
و الله يهدي عباده.

#رمضان_بنكهة_وطنية

صح شريبتكم