شوفوا الجزائر والسودان وين وصلوا! ماهمش كيفنا نحن في تونس..



نصرالدين السويلمي

كما أرهقتنا في تونس عصابات الثورة المضادة وفيروسات الاستئصال، فإن التحاليل من صنف وزن الريشة بدورها نغصت علينا ثورتنا، للآسف الكثير في بلادنا يتعاملون بالكم وليس بالكيف، بعقلية الثريد والبن الذي يغزو البطن الى ما بعد الحنجرة، ولا يهم ان تمرد السكري وتفلت ضغط الدم وتفتت الأمعاء، واشتعلت المعدة، المهم الكم والشبعة والتخمة والهبرة..والصحة وشروطها لا دخل لهم بها.


يتجلى ذلك في التعليقات التي تتراقص عبر الفضاء الافتراضي، تتحدث بأعجاب ودهشة عن الاعتقالات التي شهدتها السودان لصنف القروش، وكذا اعتقالات الجزائر التي تضاهي الحوت الازرق، يشيدون بالعسكر حين يعتقل عسكره، ويتهكمون على اعتقالات السردين في تونس! هؤلاء ربما خانتهم الذاكرة، ونسوا او تناسوا الاعتقالات الاستعراضية الضخمة التي نفذها المجلس العسكري في مصر، تلك لا تضاهيها اعتقالات الجزائر ولا السودان ولا جزر القمر، حينها اتى العسكر على الاخضر واليابس، الرئيس الأب ورجاله وأبناء الرئيس ورجالهم، قروش الحزب الوطني وقروش المال اللاوطني وقروش الإعلام الواطي بل وقروش جميع القطاعات.. ثم ماذا؟ ثم خرج الجميع سجونهم وعادت اليهم اموالهم التي نهبوها، ودخل الرئيس المنتخب الى السجن وانهارت الشرعية وتحطمت 25 يناير تحت نفس تلك الأحذية العسكرية التي سبق واعتقلت جميع اركان نظام مبارك!

اذا دعونا من الهبرة المبهمة، الملغمة، فان لم تكن بلاستيك كانت هبرة لخنزير بري، دعونا من الاعتقالات الاستعراضية المشحونة برائحة الدعاية وتصفية الحسابات والتخدير والمسايرة وقتل الوقت.. دعونا نفهم ماهية التأسيس وشروطه السليمة، دعونا نفهم ما معنى ان تقطع تونس خطوة صغيرة لكنها واثقة، ما معنى انتخابات حرة ونزيهة، ما معنى الدستور، ما معنى المجتمع المدني القوي، ما معنى حرية الإعلام بما فيه من كوارث، ما معنى القضاء الذي يتحرك نحو فضيلة الاستقلالية، ما معنى العسكر المجيش وليس العسكر المسيس، ما معنى عسكر الثكنة وليس عسكر القصر، دعونا نستمتع بالمُنجز المنقوص الذي بين أيدينا، ولا تخلطوه بالمنجزات الافتراضية لدى إخواننا، لان الفروق شاسعة بين من يجلس الى مائدة بسيطة، يغمس الخبز بالزيت ويلتقط حبات الزيتون ليراجم بها، وبين ذلك الجوعان الذي يجلس امام التلفاز يشاهد الاطباق الشهية والغلال وانواع الحلويات والمكسرات.

يجلس الان اخواننا وجيراننا على الشاطئ يبحثون عن الخشب لصناعة سفينة الإبحار، تُعرض عليهم بعض السفن الجاهزة المجهولة، تعرض عليهم بعض اليخوت الجميلة الفاخرة، التي لا علم لهم بمن يقودها وأين وجهتها وما هي مهامها، فقط يُطلب منهم الصعود وتقديم صكوك الثقة على بياض! أما نحن فقد تجاوزنا هذه المرحلة بكثير، لقد احضرنا الخشب وبنينا السفينة وابحرنا منذ 8 سنوات، نحن الآن في قلب المحيط، نصارع الأمواج ونغالب الرياح العاتية، من الحين للآخر يقوم الصباحية وعبيد الصبايحية بخرق المركبة، يثِب الاحرار والحرائر لسد الخروقات بملابسهم واغطيتهم وربما بايديهم وارجلهم.. حالة سجال رهيبة ومرهقة تتم في عرض البحر بين الاخيار والاشرار، وبقدر إصرار قوى الشر على هزيمة الانتصار، بقدر ايمان الأخيار بانتصار الانتصار.. وانها لسبعطاش ديسمبر حتى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 181869