نصرالدين السويلمي
أحدهم ينام في مستشفى للأوبئة المستعصية، طاعون، كوليرا، ايدز، حروق بليغة درجة اولى، حادث مروع، كسور في الجمجمة والعمود الفقري، نزيف حاد في المخ، موت كلينيكي....بينما يعاني هو من مخلفات عملية استئصال الزائدة الدودية، مع ذلك يمارس التذمر اكثر مما يمارسه كل أولئك الذين يتجاذبهم العذاب والموت، تجده يصرخ بالليل والنهار، وا مصيبتاه، يا ويلي، الموت ارحم، اذا لمحك يبالغ في التأوه وإذا حدثته يبالغ في الشكوى، واذا تركته يغرق في الاحباط...اكثر عبارة تستفزه ويصنفك من أجلها كعدو لدود، عبارة "يا ولدي احمد ربي، شوف غيرك كيفاش"، كانك قتلته! كأنك مارست عليه أبشع أنواع الاعتداءات! كأنك سلخته وهو على قيد الحياة....ذلك هو الوضع الأقرب للمواطن التونسي هذه الأيام، واذا تجنبنا التعميم فلا اقل من التأكيد أنها أغلبية مريحة.
يتذمر في البيت ، في الشارع، في العمل، في المسجد، في الخمارة، يرقص في الاعراس وينفخ! يتمايل مع المزود ويتمتم "شنو جابت لينا الثورة، كان لغلا والكوا" لا أحد من هذه الاكداس المحبطة المنخورة إعلاميا يقف ليتمعن، لا احد منهم يبادر الى فتح محركات البحث على النت، و اقتطاع نصف ساعة او ربعها، لإلقاء نظرة على وضع الدينار الاردني والجنيه المصري والليرة السورية والدرهم المغربي والدينار الجزائري والأوقية الموريتانية، لا أحد يؤكد لهم انها ازمة عالمية، وان عمال المغرب العربي في ايطاليا اصبحوا يغادرون الى تونس والجزائر والمغرب، او يفرون الى الأمام، بحثا عن النجاة الاجتماعية في المانيا او لكسمبورغ وهولندا وبأقدار اقل في فرنسا وبلجيكا، لا أحد يؤكد لهم ان الأوضاع الاجتماعية المتردية في عهد بن علي كانت بلا منبر ولا حنجرة، وان الوضع الاجتماعي بعد الثورة يبث على جميع الموجات ويتكلم بأكثر من حنجرة وأكثر من لغة، لذلك يعمد البعض عن سوء نية او عن غباء نية، الى الاشادة بالموت الصامت تحت دكتاتورية بن علي، والتشنيع بالاحتياج الصاخب تحت حرية سبعطاش ديسمبر.
لو تنتبه هذه الجحافل الفيسبوكية وتدخل في معركة الوعي من باب الوعي وليس من باب التسلية وقتل الوقت وتسجيل الجامات، لو يرتقي التطوع الى المطلوب ويتحرك النضال الافتراضي للرد والتوضيح والتصويب، لم توضع مقارنات بين رواتب بن علي وراتب الثورة، بين العمال الذين ادمجتهم دولة الثورة وغيرهم ممن ادمجتهم دولة الاسرة، لو يتحرك النضال الافتراضي خارج دائرة الاستهلاك السلبي، ويدرج في هذا الفضاء سعر الرغيف وسعر كيلو اللحم وسعر الزيت في مصر المستقرة عسكريا، في بلد تتدفق عليه شلالات من المال الاماراتي والسعودي! لا نتحدث عن الحرية ولا عن الكرامة ولا عن الاعلام ولا عن الهوان ولا عن العار الذي وصلت الى ذروته في جامعات مصر العلمية يوم 29 افريل 2019 حين اقدم رئيس جامعة بنها، على تكريم شعبان عبد الرحيم، ومنحه درع كلية الطب جامعة بنها..لا ..لا نتحدث عن ذلك بل نركز فقط على الأوضاع الاجتماعية المعيشية، لان في تونس طبقة تكفر بالكرامة ولديها حساسية مفرطة من الحرية.
لو يعلم شعب تونس ان محمد الدغباجي خرج على فرنسا بمكحلة مصدّة، وحين عزم لم يترك في بيته غير شكارة شعير يتقاسمها أهله ودوابه، حينها كانت أسهم الحرية اعلى بكثير من الزيت والسكر، لو يعلم شعب تونس ان الدغباجي لم يقدم زهرة شبابه لتونس من اجل الطماطم والصابون واليغرط، بل من اجل ان يترك لأبناء وطنه الحرية والكرامة، لو يدرك هذا الشعب ان الثورة وان أبطأت في تحسين أوضاعه الاجتماعية، فقد مكنته من الاحتجاج على أوضاعه الاجتماعية، وقدمت له فرصة تغيير حكامه وتجربة أحزابه من اجل تحسين الاوضاع الاجتماعية، لو يدرك هذا الشعب وغيره من الشعوب العربية، ان أهالي سطيف عندما شرعوا يوم 9 ماي 1945 في دفن 45 الف من شهداء 8 ماي، لم يسجل التاريخ ان أحدهم خرج وقال "مالا ثورة ما شفنا منها كان الموت"، لم يسجل التاريخ ان أصوات ارتفعت تلعن الفاتح من نوفمبر 1954...لقد كانت ضريبة الحرية أكثر من 8 ملايين شهيد طوال حقبة الاستعمار، ولا احد يخرج اليوم في الجزائر ويلعن بن مهيدي وبلقاسم وبوضياف والثلة التي فجرت الثورة...يذهب الخبز والخضار ثم يعود، أما الكرامة اذا تبزعت فيصعب تجميعها من جديد.
ندرك ان الكثير من احرار تونس حسموا أمرهم واختاروا درب الدغباجي، لكن الفئة الباغية، الفئة الطاعنة الضالعة في العبودية، مازالت تصر على منهج شعبان عبد الرحيم، مازالت تسعى لإحداث ثقب في هذا الوطن، يمر منه عراب الاستعمار الاشقر، عراب الصهيونية، يمر منه غلام زياد يجر خلفه دجال طبرق، يعبر مسيلمة الابوظبيي مع عبده الى الجنوب.. الى الحامة.. ليقف على قبر الدغباجي ويردد بشماتة "ها قد عدنا يا محمد الدغباجي"!
أحدهم ينام في مستشفى للأوبئة المستعصية، طاعون، كوليرا، ايدز، حروق بليغة درجة اولى، حادث مروع، كسور في الجمجمة والعمود الفقري، نزيف حاد في المخ، موت كلينيكي....بينما يعاني هو من مخلفات عملية استئصال الزائدة الدودية، مع ذلك يمارس التذمر اكثر مما يمارسه كل أولئك الذين يتجاذبهم العذاب والموت، تجده يصرخ بالليل والنهار، وا مصيبتاه، يا ويلي، الموت ارحم، اذا لمحك يبالغ في التأوه وإذا حدثته يبالغ في الشكوى، واذا تركته يغرق في الاحباط...اكثر عبارة تستفزه ويصنفك من أجلها كعدو لدود، عبارة "يا ولدي احمد ربي، شوف غيرك كيفاش"، كانك قتلته! كأنك مارست عليه أبشع أنواع الاعتداءات! كأنك سلخته وهو على قيد الحياة....ذلك هو الوضع الأقرب للمواطن التونسي هذه الأيام، واذا تجنبنا التعميم فلا اقل من التأكيد أنها أغلبية مريحة.
يتذمر في البيت ، في الشارع، في العمل، في المسجد، في الخمارة، يرقص في الاعراس وينفخ! يتمايل مع المزود ويتمتم "شنو جابت لينا الثورة، كان لغلا والكوا" لا أحد من هذه الاكداس المحبطة المنخورة إعلاميا يقف ليتمعن، لا احد منهم يبادر الى فتح محركات البحث على النت، و اقتطاع نصف ساعة او ربعها، لإلقاء نظرة على وضع الدينار الاردني والجنيه المصري والليرة السورية والدرهم المغربي والدينار الجزائري والأوقية الموريتانية، لا أحد يؤكد لهم انها ازمة عالمية، وان عمال المغرب العربي في ايطاليا اصبحوا يغادرون الى تونس والجزائر والمغرب، او يفرون الى الأمام، بحثا عن النجاة الاجتماعية في المانيا او لكسمبورغ وهولندا وبأقدار اقل في فرنسا وبلجيكا، لا أحد يؤكد لهم ان الأوضاع الاجتماعية المتردية في عهد بن علي كانت بلا منبر ولا حنجرة، وان الوضع الاجتماعي بعد الثورة يبث على جميع الموجات ويتكلم بأكثر من حنجرة وأكثر من لغة، لذلك يعمد البعض عن سوء نية او عن غباء نية، الى الاشادة بالموت الصامت تحت دكتاتورية بن علي، والتشنيع بالاحتياج الصاخب تحت حرية سبعطاش ديسمبر.
لو تنتبه هذه الجحافل الفيسبوكية وتدخل في معركة الوعي من باب الوعي وليس من باب التسلية وقتل الوقت وتسجيل الجامات، لو يرتقي التطوع الى المطلوب ويتحرك النضال الافتراضي للرد والتوضيح والتصويب، لم توضع مقارنات بين رواتب بن علي وراتب الثورة، بين العمال الذين ادمجتهم دولة الثورة وغيرهم ممن ادمجتهم دولة الاسرة، لو يتحرك النضال الافتراضي خارج دائرة الاستهلاك السلبي، ويدرج في هذا الفضاء سعر الرغيف وسعر كيلو اللحم وسعر الزيت في مصر المستقرة عسكريا، في بلد تتدفق عليه شلالات من المال الاماراتي والسعودي! لا نتحدث عن الحرية ولا عن الكرامة ولا عن الاعلام ولا عن الهوان ولا عن العار الذي وصلت الى ذروته في جامعات مصر العلمية يوم 29 افريل 2019 حين اقدم رئيس جامعة بنها، على تكريم شعبان عبد الرحيم، ومنحه درع كلية الطب جامعة بنها..لا ..لا نتحدث عن ذلك بل نركز فقط على الأوضاع الاجتماعية المعيشية، لان في تونس طبقة تكفر بالكرامة ولديها حساسية مفرطة من الحرية.
لو يعلم شعب تونس ان محمد الدغباجي خرج على فرنسا بمكحلة مصدّة، وحين عزم لم يترك في بيته غير شكارة شعير يتقاسمها أهله ودوابه، حينها كانت أسهم الحرية اعلى بكثير من الزيت والسكر، لو يعلم شعب تونس ان الدغباجي لم يقدم زهرة شبابه لتونس من اجل الطماطم والصابون واليغرط، بل من اجل ان يترك لأبناء وطنه الحرية والكرامة، لو يدرك هذا الشعب ان الثورة وان أبطأت في تحسين أوضاعه الاجتماعية، فقد مكنته من الاحتجاج على أوضاعه الاجتماعية، وقدمت له فرصة تغيير حكامه وتجربة أحزابه من اجل تحسين الاوضاع الاجتماعية، لو يدرك هذا الشعب وغيره من الشعوب العربية، ان أهالي سطيف عندما شرعوا يوم 9 ماي 1945 في دفن 45 الف من شهداء 8 ماي، لم يسجل التاريخ ان أحدهم خرج وقال "مالا ثورة ما شفنا منها كان الموت"، لم يسجل التاريخ ان أصوات ارتفعت تلعن الفاتح من نوفمبر 1954...لقد كانت ضريبة الحرية أكثر من 8 ملايين شهيد طوال حقبة الاستعمار، ولا احد يخرج اليوم في الجزائر ويلعن بن مهيدي وبلقاسم وبوضياف والثلة التي فجرت الثورة...يذهب الخبز والخضار ثم يعود، أما الكرامة اذا تبزعت فيصعب تجميعها من جديد.
ندرك ان الكثير من احرار تونس حسموا أمرهم واختاروا درب الدغباجي، لكن الفئة الباغية، الفئة الطاعنة الضالعة في العبودية، مازالت تصر على منهج شعبان عبد الرحيم، مازالت تسعى لإحداث ثقب في هذا الوطن، يمر منه عراب الاستعمار الاشقر، عراب الصهيونية، يمر منه غلام زياد يجر خلفه دجال طبرق، يعبر مسيلمة الابوظبيي مع عبده الى الجنوب.. الى الحامة.. ليقف على قبر الدغباجي ويردد بشماتة "ها قد عدنا يا محمد الدغباجي"!




Sabah Fakhri - ابعث جواب
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 181696