بقلم حامد الماطري
عندما كنت طفلا صغيراً، كنت اسمع الكبار يرددون مقولة استقرّت في لاوعي مخيّلتي حتى خلتها قانوناً إلاهيّاً لا لَبس فيه:"يا قاتل الروح ما عندك وين تروح".. اي انك قد تهرب بفعلتك اذا كانت سرقة او كذباً، لكن القاتل مصيره ان ينكشف وينال عقابه في الدنيا قبل الآخرة...
ومع مرور السنين، كبرت واستوعبت حقيقة الواقع، وفهمت ان العدالة في بلادي هي مفهوم قائم أساساً على الفرق في القوى، في النفوذ، في "المعارف"...
"اللي يوزن اكثر من صاحبه يغلب".. نفس العون الذي تجده يرغي ويزيد ولا يتوانى عن اي نوع من الاستبداد واستغلال السلطة وهو يتعامل مع طالب شاب او مع عامل يومي من منطقة شعبية ، يتحوّل وبسرعة عجيبة الى شيء ذليل ومنكسر ما ان يكتشف انّه اخطأ في تقييمه للشخص الذي يقابله، فاكتشف أنه "يزن اكثر منه" بنفوذ او بمعارف.. تماماً كتلك القولة المأثورة: "سامحني، نسخايبك مواطن"...!
في بلادي، يقتل شباب تونس في مراكز الامن والسّجون، وبدل ان تتجنّد كلّ الماكينة الكلّ لردع مثل هاته التجاوزات، تجدها تُنسِّق ما بينها لطمس الحقيقة بدل إظهارها..
"عمر" مشجع النادي الافريقي الذي ألقى به اعوان الشرطة في النهر حتى "يتعلّم العوم"، قد مضى اكثر من سنة على وفاته، وبالرغم من صدور اكثر من برقية حتى هذه اللّحظة، لميقع توقيف احد في القضية.. كيف ذلك والأمن بمختلف تشكيلاته وبمختلف رتبه تجرّأ على اقتحام المحكمة لما أصدرت حكم بتوقيف بوليسية ضالعين في القتل وبالشهود..؟
ان يكون هناك اعوان مارقين او غير منظبطين فهذا امر معقول، لكن ان تكون وزارة الداخلية اول من ينبري لتبييض هؤلاء عبر بيانات سخيفة لايصدّقها حتى قارئها، فهذا يعني ان المسالة ليست عبارة عن حالات معزولة بل هي سياسة ممنهجة، حتى لا نقول انها سياسة دولة..
قضية المواطن المقيم بالخارج اللذي قتل في براكة الساحل -فقط لانه تعود على الحرية وما "عطاش للذل كاره" عندما استوقفته دورية الشرطة- كان بيان وزارة الداخلية الذي صدر بعد الحادثة بساعات قليلة عنوان تواطؤ مؤسساتي مع اجرام الأعوان.، اذ تبنّى رواية مبتورة وقبل ان يفتح اي تحقيق او يأخذوا حتى وقتاً لحبك رواية اكثر تماسكاً..
طبعاً، لم يضفي التحقيق الى شيء، لم يدفع احد ثمن الجريمة، "بهيم قدم قرعة"، وفي أقصى الحالات يقع نقلة الأعوان حتى يبعدوهم عن الأنظار..
منذ ايام قليلة، يتوفى مواطن في السجن فسلّمت السلطات الجثة لاهلها وعلى وجهها اثار "طريحة" بقيت علاماتها جليَّة، بينما قال التقرير ان الهالك انتحر بعد ان "ألقى بنفسه من بناية عالية"... اي طبيب شرعيّ يصدر مثل هذا التقرير..؟! كانوا يقولون ايام بن علي انهم كانوا يفعلون ذلك تحت الضغط.. وما الذي يبرر تواطؤهم اليوم؟
هذه عيّنات من بعض ممّن قضى تحت التعذيب. من مات لم يتبقى له ما يخاف منه او عليه، لكن عشرات آخرين هضم حقّهم وضربوهم وعذّبوهموالحقوا بهم العاهات، ثمّ يحذّرونهم قبل المثول امام المحكمة "كان تقول قدام القاضي راهو فما شكون ضربك، نلبّسوك القضايا اللي في المركزالكلّ"... والامر لا يتعلّق بحالة فريدة، بل ممارسات متعدّدة.
الكهل اللي صوّره المارّة في الكبارية منذ ثلاثة سنين وهو يتعرض للضرب من قبل اعوان البوليس في الطريق العام، ومن ورائهم سيدة شقراء تصرخ وتقول "زيدوه خلّي يتربّى".. ترى هل نال حقّه بعد ان أصبحت قضيته محط أنظار الاعلام، ووجد مساندة الرأي العام؟ المسالة بسيطة:"برّدوا الحكاية" لبضعة اشهر ومن ثمّ صيغت التحقيقات بشكل انتهى بان حكم عليه هو بالحبس لستّة اشهر..
مريم منوّر ضربها الأعوان في المركز ومن ثمّ -وبكل وقاحة- عملوا بمقولة "ضربني وبكى سبقني وشكى"، واشتكوا بها انها هي التي اعتدت علىرئيس المركز وستة اعوان.. (وهي لا تزن 60 كغ).. المؤلم هو انه وبفضل تجنّد المحامين والحقوقيين، لم يتمكّنوا من إتمام المهزلة بحبسها، لكن الفتاة لا زالت تخوض غمار صراع قضائي منذ سنوات من دون ان تجد من يعطيها حقّها ويمتلك الشجاعة والنزاهة الكافية لاصدار حكم سيبدو بديهياً لطفل من عشر سنوات.
نتذكّر جميعاً الفتاة التي تعرّضت للاغتصاب على يد اعوان شرطة في السنة الاولى للثورة (لتصبح القصة بعد ذلك موضوع فيلم سينمائي "على كف عفريت"). نتذكّر كيف تآمرت مختلف الأجهزة الامنية -ومعها بعض الأبواق الإعلامية- على الفتاة وكيف وجدت نفسها في السجن، وكلّ ما قيل فيها آنذاك. لحسن حظها انها صارت قضية رأي عام، وان الثورة مازالت متّقدة، وان الفتاة تمسّكت بموقفها ووجدت من يساندها، وإلا لقبعت هي مكان مغتصبيها في السّجن.
كثيرون يعتقدون انهم محصّنون ضد مثل هذه التعدّيات.. انها لا تحدث الا لغيرهم، لكنهم مخطئون.. ان تلتزم بحافّة الطريق، ان "تشدّ الحيط"، بل ان تلتصق بالحائط، فهذا لن يمنع الظلم من ان يزداد ويتوسّع، ليلحق بك الى منزلك ووسط عائلتك، بل الى نومك لو لزم، ولا حاجة ان نذكّر ان لناتجارب غير قديمة في الموضوع..
أكيد اغلب البوليسية والقضاة شرفاء، لكن يفترض انهم يكونوا اول من يفضح هذه الممارسات لا ان تأخذهم الحميّة القطاعية ليتغلّب الكوربوراتيسم على الحقّ وعلى القانون!
عندما تصير البلاد ظالمة وتعجز فيها عن ادراك حقّك، يصبح اكثر من عادي ان يتحوّل شباب تونس الى مشروع من بين اثنين: امّا "حارق" اوارهابي.. يصبح عاديّاً -او على الأقل مفهوماً- ان ينقم هؤلاء على بلاد فرضت عليهم سلطة ظالمة، بل وعلى المجتمع اللي سمح بحصول ذلك، والذي لم يحسّ بآلامهم او معاناة ذويهم لان الرأي العام كان منشغلاً آنذاك بمقابلة كرة او بسكال سياسي عابر..
ونتسائل من بعد ذلك، بكل "تبهليل" من أين أتى كل هؤلاء الإرهابيين، وننظّر عن أسباب تطرّف الشباب، واستفحال الإجرام!
عندما قلنا ان لا مصالحة قبل المحاسبة، لم يكن ذلك عنوان شماتة او نقمة، نحن فقط نريد لمثل هاته المآسي ان تتوقّف.. لا اكثر ولا اقل..
عندما دافعنا على مسار العدالة الانتقالية، لم يكن ذلك عشقاً في سهام بن سدرين ولا خدمة للنهضة (حسب ما يتصور الأغبياء اللذين أصبحوا لا يَرَوْنالدنيا الا من منظار النهضة)، بل لانه المسار الوحيد الذي يستطيع ان يبعث بصيص أمل في طريق بلادنا.
لا نريد لتونسيين آخر ان يموت تحت التعذيب، فقط لان شرطيّاً سبّ امّه فارجع عليه الشتيمة بمثلها..
لا اريد، لولدي ولا ولدك، ان "ينتحروه" في مركز الشرطة او ان يُلقى به في الوادي ليعلّموه السباحة..
اما ان نواصل سياسة "أخطى راسي واضرب"، فلن يسلم اي راس، بل ستتحول البلاد الى مرتع للعصابات، بالزّي او من غير زيّ.
عندما كنت طفلا صغيراً، كنت اسمع الكبار يرددون مقولة استقرّت في لاوعي مخيّلتي حتى خلتها قانوناً إلاهيّاً لا لَبس فيه:"يا قاتل الروح ما عندك وين تروح".. اي انك قد تهرب بفعلتك اذا كانت سرقة او كذباً، لكن القاتل مصيره ان ينكشف وينال عقابه في الدنيا قبل الآخرة...
ومع مرور السنين، كبرت واستوعبت حقيقة الواقع، وفهمت ان العدالة في بلادي هي مفهوم قائم أساساً على الفرق في القوى، في النفوذ، في "المعارف"...
"اللي يوزن اكثر من صاحبه يغلب".. نفس العون الذي تجده يرغي ويزيد ولا يتوانى عن اي نوع من الاستبداد واستغلال السلطة وهو يتعامل مع طالب شاب او مع عامل يومي من منطقة شعبية ، يتحوّل وبسرعة عجيبة الى شيء ذليل ومنكسر ما ان يكتشف انّه اخطأ في تقييمه للشخص الذي يقابله، فاكتشف أنه "يزن اكثر منه" بنفوذ او بمعارف.. تماماً كتلك القولة المأثورة: "سامحني، نسخايبك مواطن"...!
في بلادي، يقتل شباب تونس في مراكز الامن والسّجون، وبدل ان تتجنّد كلّ الماكينة الكلّ لردع مثل هاته التجاوزات، تجدها تُنسِّق ما بينها لطمس الحقيقة بدل إظهارها..
"عمر" مشجع النادي الافريقي الذي ألقى به اعوان الشرطة في النهر حتى "يتعلّم العوم"، قد مضى اكثر من سنة على وفاته، وبالرغم من صدور اكثر من برقية حتى هذه اللّحظة، لميقع توقيف احد في القضية.. كيف ذلك والأمن بمختلف تشكيلاته وبمختلف رتبه تجرّأ على اقتحام المحكمة لما أصدرت حكم بتوقيف بوليسية ضالعين في القتل وبالشهود..؟
ان يكون هناك اعوان مارقين او غير منظبطين فهذا امر معقول، لكن ان تكون وزارة الداخلية اول من ينبري لتبييض هؤلاء عبر بيانات سخيفة لايصدّقها حتى قارئها، فهذا يعني ان المسالة ليست عبارة عن حالات معزولة بل هي سياسة ممنهجة، حتى لا نقول انها سياسة دولة..
قضية المواطن المقيم بالخارج اللذي قتل في براكة الساحل -فقط لانه تعود على الحرية وما "عطاش للذل كاره" عندما استوقفته دورية الشرطة- كان بيان وزارة الداخلية الذي صدر بعد الحادثة بساعات قليلة عنوان تواطؤ مؤسساتي مع اجرام الأعوان.، اذ تبنّى رواية مبتورة وقبل ان يفتح اي تحقيق او يأخذوا حتى وقتاً لحبك رواية اكثر تماسكاً..
طبعاً، لم يضفي التحقيق الى شيء، لم يدفع احد ثمن الجريمة، "بهيم قدم قرعة"، وفي أقصى الحالات يقع نقلة الأعوان حتى يبعدوهم عن الأنظار..
منذ ايام قليلة، يتوفى مواطن في السجن فسلّمت السلطات الجثة لاهلها وعلى وجهها اثار "طريحة" بقيت علاماتها جليَّة، بينما قال التقرير ان الهالك انتحر بعد ان "ألقى بنفسه من بناية عالية"... اي طبيب شرعيّ يصدر مثل هذا التقرير..؟! كانوا يقولون ايام بن علي انهم كانوا يفعلون ذلك تحت الضغط.. وما الذي يبرر تواطؤهم اليوم؟
هذه عيّنات من بعض ممّن قضى تحت التعذيب. من مات لم يتبقى له ما يخاف منه او عليه، لكن عشرات آخرين هضم حقّهم وضربوهم وعذّبوهموالحقوا بهم العاهات، ثمّ يحذّرونهم قبل المثول امام المحكمة "كان تقول قدام القاضي راهو فما شكون ضربك، نلبّسوك القضايا اللي في المركزالكلّ"... والامر لا يتعلّق بحالة فريدة، بل ممارسات متعدّدة.
الكهل اللي صوّره المارّة في الكبارية منذ ثلاثة سنين وهو يتعرض للضرب من قبل اعوان البوليس في الطريق العام، ومن ورائهم سيدة شقراء تصرخ وتقول "زيدوه خلّي يتربّى".. ترى هل نال حقّه بعد ان أصبحت قضيته محط أنظار الاعلام، ووجد مساندة الرأي العام؟ المسالة بسيطة:"برّدوا الحكاية" لبضعة اشهر ومن ثمّ صيغت التحقيقات بشكل انتهى بان حكم عليه هو بالحبس لستّة اشهر..
مريم منوّر ضربها الأعوان في المركز ومن ثمّ -وبكل وقاحة- عملوا بمقولة "ضربني وبكى سبقني وشكى"، واشتكوا بها انها هي التي اعتدت علىرئيس المركز وستة اعوان.. (وهي لا تزن 60 كغ).. المؤلم هو انه وبفضل تجنّد المحامين والحقوقيين، لم يتمكّنوا من إتمام المهزلة بحبسها، لكن الفتاة لا زالت تخوض غمار صراع قضائي منذ سنوات من دون ان تجد من يعطيها حقّها ويمتلك الشجاعة والنزاهة الكافية لاصدار حكم سيبدو بديهياً لطفل من عشر سنوات.
نتذكّر جميعاً الفتاة التي تعرّضت للاغتصاب على يد اعوان شرطة في السنة الاولى للثورة (لتصبح القصة بعد ذلك موضوع فيلم سينمائي "على كف عفريت"). نتذكّر كيف تآمرت مختلف الأجهزة الامنية -ومعها بعض الأبواق الإعلامية- على الفتاة وكيف وجدت نفسها في السجن، وكلّ ما قيل فيها آنذاك. لحسن حظها انها صارت قضية رأي عام، وان الثورة مازالت متّقدة، وان الفتاة تمسّكت بموقفها ووجدت من يساندها، وإلا لقبعت هي مكان مغتصبيها في السّجن.
كثيرون يعتقدون انهم محصّنون ضد مثل هذه التعدّيات.. انها لا تحدث الا لغيرهم، لكنهم مخطئون.. ان تلتزم بحافّة الطريق، ان "تشدّ الحيط"، بل ان تلتصق بالحائط، فهذا لن يمنع الظلم من ان يزداد ويتوسّع، ليلحق بك الى منزلك ووسط عائلتك، بل الى نومك لو لزم، ولا حاجة ان نذكّر ان لناتجارب غير قديمة في الموضوع..
أكيد اغلب البوليسية والقضاة شرفاء، لكن يفترض انهم يكونوا اول من يفضح هذه الممارسات لا ان تأخذهم الحميّة القطاعية ليتغلّب الكوربوراتيسم على الحقّ وعلى القانون!
عندما تصير البلاد ظالمة وتعجز فيها عن ادراك حقّك، يصبح اكثر من عادي ان يتحوّل شباب تونس الى مشروع من بين اثنين: امّا "حارق" اوارهابي.. يصبح عاديّاً -او على الأقل مفهوماً- ان ينقم هؤلاء على بلاد فرضت عليهم سلطة ظالمة، بل وعلى المجتمع اللي سمح بحصول ذلك، والذي لم يحسّ بآلامهم او معاناة ذويهم لان الرأي العام كان منشغلاً آنذاك بمقابلة كرة او بسكال سياسي عابر..
ونتسائل من بعد ذلك، بكل "تبهليل" من أين أتى كل هؤلاء الإرهابيين، وننظّر عن أسباب تطرّف الشباب، واستفحال الإجرام!
عندما قلنا ان لا مصالحة قبل المحاسبة، لم يكن ذلك عنوان شماتة او نقمة، نحن فقط نريد لمثل هاته المآسي ان تتوقّف.. لا اكثر ولا اقل..
عندما دافعنا على مسار العدالة الانتقالية، لم يكن ذلك عشقاً في سهام بن سدرين ولا خدمة للنهضة (حسب ما يتصور الأغبياء اللذين أصبحوا لا يَرَوْنالدنيا الا من منظار النهضة)، بل لانه المسار الوحيد الذي يستطيع ان يبعث بصيص أمل في طريق بلادنا.
لا نريد لتونسيين آخر ان يموت تحت التعذيب، فقط لان شرطيّاً سبّ امّه فارجع عليه الشتيمة بمثلها..
لا اريد، لولدي ولا ولدك، ان "ينتحروه" في مركز الشرطة او ان يُلقى به في الوادي ليعلّموه السباحة..
اما ان نواصل سياسة "أخطى راسي واضرب"، فلن يسلم اي راس، بل ستتحول البلاد الى مرتع للعصابات، بالزّي او من غير زيّ.




Om Kalthoum - أنساك
Commentaires
2 de 2 commentaires pour l'article 180751