محمد علي حاج طيب
إلى بناة الدولة الوطنية....
إلى شهدائنا الأبرار...
إلى من قدموا أرواحهم من أجل تونس...
إلى جداتنا و أجدادنا بناة و حماة قيمة العلم و المعرفة...
إلى معلمينا و أساتذتنا...بناة الانسان و الأوطان...
إلى آبائنا و أمهاتنا..عنوان التضحية...رحيق الحياة..شمعة أضاءت لنا طريق العلم و ذابت من أجل بلوغ المعالي....
إلى أبنائنا..حلم الحياة و نبضنا الحي..مستقبل تونس المعرفة...
إلى أبناء شعبنا...
الثروة الحقيقية لوطننا...دولة المعرفة....دولة العلم...قيمة التعلم...تندثر...
نتحمل مسؤوليتنا اليوم من أجل الحفاظ على مكسب وطن المعرفة...
و نعلي الصوت حتى لا تستيقظوا غدا على حلم وطن ضاع...
أكتب هذه الكلمات لتكون حجة لنا و تكون حجة عليكم...
قياسا عل حملة "وينو البترول" و فاجعة مجزرة الرضع في دولة "الكرذونة"...التي هزت الضمير الإنساني...لكن للأسف ليس كل قلب نابض هو قلب حي.....أما الفاجعة فتتمزق أمامها الكلمات و تجف لأجلها العبارات...اندثرت الصحة و سيندثر معها الأصحّاء... أما حملة "وينو البترول" فهي تختزل إحساس شعب بمصادرة ممتلاكته و ثرواته...و كما صدعوا رؤوسنا بقولهم أنه خطاب شعبوي مرتهن لنظريات المؤامرة....فضاعت الحقائق بين أخطبوط الداخل و الخارج...و أضحى الوطن كله مستباحا ....لن أستفيض في هذا...لا خوفا.. و لكن لأن البشر أهم من الحجر...نعم هي كلمات أكتبها قبل أن تنطلق حملات ....وينهم الأساتذة الجامعيين؟...أين هي الجامعة العمومية؟ ... سيخبرونكم حينها أنها أضغاث أحلام...و أن تونس كانت و لازالت تعاني من ضعف مستوى التعليم العمومي .... و أنه لم يعرف يوما أننا كنا نقدر العلم و العلماء..و أنه خطاب ثورجيين و أن السياسة فن الممكن و أن تونس جزء من منظومة دولية و عليها أن تعلم حجمها و قدر المناورة في موقعها الجيوساسي...أفتطالبون بالعلم؟..اكتفوا بمحو الأمية و احمدوا الله على نعمة الأمن و قبلوا أيادي الأجنبي الذي وافق على رفع الجهل عنكم بعد أن استوطنت جامعاته أرضكم ....يومها الجامعة العمومية ستكون بمختصر مفيد حضانة ما بعد البكالوريا....
أكتب هذه الكلمات لأستبق السنوات و أحذر قرائي أننا في هذا الوطن تقدمنا خطوات نحو هدم الفرد بمقدراته الأخلاقية و الفكرية و الذاتية... و اذا كان أهل العلم و أصحاب الفكر يستشعرون الظلم و الغبن و القهر على وطن يضيع...فلا تسل على البقية....
الدولة و السياسة ...هدم قيمة المعرفة...
قبل أن أتقدم في التحليل...قد يقول البعض أن العالم اليوم...عالم بلا قيم و بلا أخلاق...عالم أباطرة المال و الأعمال و شبكات المصالح المافيوزية... و تونس ليست استثناءا...و لا مكان للمدينة الفاضلة في هذا الواقع المتوحش...
أقول لك و للجميع....صحيح...صحيح....صحيح...صحيح............ و لكن...
نعم تتخاصم و تتعارك القوى من أجل السلطة و المحافظة على المصالح القديمة و لجلب مصالح جديدة...و هي حرب قذرة في داخلها...يتم اخراجها للشعب بمساحيق التجميل..رغم أن الرداءة أصبحت لا تخفى على أحد...و الرائحة العفنة تطال أنوف الجميع...و هذه يسمونها سياسة.. اختلف العارفون في تعريفها...هناك من يقول أنها فن الكذب... و هناك من يقول أنها فن الممكن...لكن أقول أنها فن الالهاء...الهاء الشعب عن قضاياه و مصالحه الحقيقية...من أجل امتصاص رحيقه..الفرق بيننا و بينهم...أنهم يتخاصمون على سلطة دون أن يتخاصموا على وطن...و لذلك فالعلم و المعرفة و أهل العلم و أصحاب الفكر هم فوق السياسة و السياسيين و السياسوية...لكن في تونس السياسة اليوم فوق الوطن و القيم و أهل المعرفة و أصحاب الفكر...فوق الجميع...للأسف...
الدولة التونسية لا تنظر اليوم للتعليم و لكن تمعن النظر في ميزانية التعليم...و تبعا لسياسة التسويق فإن التوجه للخاص سيسمح لها بمزيد الضغط على ميزانية التعليم العالي التي خسرت مئات المليارات باعتبار تدني النسبة المئوية التي تمثلها ميزانية الوزارة من ميزانية الدولة من 7% سنة 2010 إلى 4.03 % سنة 2019.
إن الدولة اليوم لا تؤمن بدور للجامعي...الجامعي الذي عملوا على تهجينه ليلا نهارا ليصبح صاحب وظيفة و هو في الأصل صاحب رسالة...لأن الكل يسعى وراء السلطة دون تفكير في الوطن...لا يمكن القول أن الدولة لا تؤمن بكفاءة الأستاذ الجامعي الباحث لأنه أثبتها في كل دول العالم ... و هناك من الدول الأجنبية من يعتبر تونس خزانا للباحثين الذين تقوم باستقطابهم من أجل تغطية النقص الحاصل فيها على مستوى الخبرات ذات التكوين العلمي و الأكاديمي المتميز. و ما مشاريع انتصاب الجامعات الأجنبية في تونس مثل الجامعة الفرنسية التي تحشد من أجلها إمكانيات الدولة التونسية من أراضي و تمويلات و تغيير قوانين إلا أبلغ مثال .... الدولة اليوم لا تهتم بقيمة المعرفة لأن هدف المتدخلين و المتداخلين فيها هي السلطة و ليس الوطن... الدول الأجنبية تستغل المستوى المتدني للتأجير في الجامعة التونسية و هي متأكدة أنه عاجلا أو آجلا سيهاجر الأستاذ الجامعي لأن الفارق يقاس بالسنين الضوئية بين ما توفره له دولته و ما يتوفر بالخارج حتى في الدول التي كنا نعتبرها أقل منا نموا. يكفي القول أن الأستاذ الجامعي التونسي هو الأقل تأجيرا في دول شمال إفريقيا. إضافة إلى أنه القطاع الوحيد في الوظيفة العمومية الذي لا تثمّن فيه الخبرة و لا يرتقي صاحبه إلا عبر مناظرات وطنية بورصة شروطها تصعد دون نزول و على مستوى عالمي ...نعم على مستوى عالمي و ليس مغالاة في التعبير...لأننا ننشر أبحاثنا في مجلات علمية يتنافس عليها جميع باحثي العالم...الدولة التونسية هي التي اعترفت على لسان مسؤوليها أن الأستاذ الجامعي الباحث هو أكبر متضرر باعتباره الأقل زيادة في المرتبات بالنسبة المئوية إذا ما تمت مقارنته بكل العاملين في الوظيفة العمومية...ذلك أن الزيادة لم تتجاوز 20 % مقارنة بوظائف أخرى صلب الوظيفة العمومية تجاوزت 100%.
رئيس الحكومة في زيارة الدولة التي خصّ بها فرنسا أعرب لمجلة Jeune Afrique أنه لا يتخوف من هجرة الكفاءات التونسية..في حين اعتبر خلبوص وزير التعليم العالي هجرة الكفاءات فرصة لتونس...فرصة في ماذا؟...أعتقد أنها فرصة لخسارة كفاءاتها....للأسف الشديد...أتى الرد صاعقا بعد مجزرة الرضع في قطاع الصحة....و لا أعلم على كم سيستقر العدد النهائي بعد نشر هذا المقال... لقد أصبحنا في دولة تحتقر نخبتها و أهل العلم و الفكر..و لا أدل على هذا من دولة تتنصل من اتفاق 7 جوان 2018 الذي وقعته مع اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين المعروف اختصارا اجابة بعد إضراب إداري دام أكثر من 5 أشهر....لتجد الجامعة التونسية نفسها على صفيح ساخن من جديد نتيجة إضراب إداري للسنة الثانية على التوالي تبعا لتنصل الوزارة و من ورائها الحكومة من اتفاقاتها.... و إلى هذه الساعة لا مؤشر على تجاوز هذه الأزمة احتراما لكرامة الأستاذ الجامعي و أبنائنا الطلبة... و إلى الآن الدولة جلست مع الكل و أمضت مع الكل و حققت مكاسب للكل...إلا نخبة الوطن...إلا الأساتذة الجامعيون الباحثون...
ما قبل و ما بعد ثورة الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين...و الله تونسيين....
بعد القيمة المعنوية و المادية التي أنشأها بورقيبة في دولة ما بعد الاستقلال لأهل العلم و خاصة الأستاذ الجامعي....أتت مرحلة الدكتاتورية لتقلص من دوره في المجتمع و تضيق عليه المجال داخل المجتمع و الدولة فأصبح يعيش في برجه العاجي و يتخيل أن له مكانة غير أنها مكانة افتراضية لا توجد إلا في مخيلته....و عندها تقوقع على نفسه في ظل الدكتاتورية و خلق لنفسه إقطاعيات و مماليك صغيرة ساهم من خلالها في تضخيم الأنا و ساهم الكثيرون في إيجاد نظام داخل الجامعة أضعف الشخصية الفردية للباحث و علمه التبعية و ركز لديه اخلالات قيمية كبيرة و محدودية في الذكاء الاجتماعي...فأصبح الاعتماد على الذكاء الفردي و تم تغييب الذكاء الجماعي...و بلغ الانهيار أقصاه عندما أصبحت مهمته الأساسية تجاوز المناظرات و غابت القيمة المضافة التي عليه خلقها داخل المجتمع...و في ظل انتشار الرداءة تكونت شبكة مصالح افتراضية لا قيمة مادية أو معنوية لها و أصبح التناحر من أجلها حربا ضروسا دون وجود غنائم حقيقية....غاب الجامعي عن المجتمع و أصبح لا أحد يحس بوجوده أو غيابه وعقولنا تصور لنا مكانة ليست موجودة في الواقع....أما بعد الثورة فكل المساهمين في السلطة من كل الأحزاب لا علاقة لهم بالعلم أو أهله و الأمثلة عديدة و لا يمكن حصرها....و في ظل المطلبية النقابية العشوائية تم نسياننا لأن لا علم لهم بوجودنا و لا وزن لوجودنا داخل كل الأحزاب و المنظمات....لأنه عصر المال و ليس عصر العلم...أما لماذا جويلية و ليس فيفري فإنها الاحترافية في اللامسؤولية و أعني بها اللامسؤولية عن سابق إصرار و ترصد...لأنهم...كلهم دون استثناء...لا مكانة للعلم و أهله داخل استراتيجياتهم و تقسيمهم لثروات تونس بين لوبيات الفساد و المال و السياسة....و هم يعلمون أن دعائم الدول هي المعرفة...و استهداف أهل العلم هو احتلال ناعم بأدوات داخلية... خاصة و أنهم يعلمون أن المكسب التاريخي و الوراثي و الجيني لتونس هو الذكاء الفردي...
لم يعرف يوما عن الجامعيين العمل أو الانتماء النقابي...لكن لا أحد يقدر اليوم على نكران ارتباط وجدان الجامعيات و الجامعيين بنقابتهم اجابة..... و نجاح 5 وقفات احتجاجية متتالية....هو الحجة القصوى على موضوع التمثيلية النقابية.... و هي ...بعيدا عن المزايدات... في أبعادها القانونية و الاعتبارية وطنيا و دوليا ليست مرتبطة بأرقام...لكنها القدرة على التعبئة و النضال الحقيقي الذي تتبعه التضحيات و المكاسب الحقيقية...و هي تمثل عقلية الجامعي الباحث المجتهد الذي يعمل ليلا نهارا من أجل الوصول لنتائج متميزة من خلال مجهوده الشخصي... فمن أخلاقيات العمل الأكاديمي أن لا تستولي على تعب غيرك و أن لا تركب على عمل و تضحيات غيرك....على الأقل وجب الاعتراف بالفضل لأهله....و هي أعتقد أنها أيضا أخلاقيات العمل النقابي... إجابة هي اليوم عنوان الدفاع عن الجامعة العمومية...إضافة الى أن مناضلي الجامعة العمومية تحت مظلة نقابة اجابة هم امتداد لبناة الدولة الوطنية و لرواد العمل النقابي و شهدائه محمدعلي الحامي و فرحات حشاد...و هذا الموروث النضالي ليس علامة تجارية...بل يخص كل شرفاء هذا الوطن لتنهل منه كل القلوب الحية....
الأساتذة الجامعيون الباحثون التونسيون ...أقلية عرقية مضطهدة!!!...
نصدقكم القول أن الآلاف من الأساتذة الجامعيين الباحثين عندما انطلقوا في تحركهم النضالي من 2 جانفي 2018 تحت غطاء مظلة نقابة اجابة...نعم 2018 و ليست خطأ مطبعيا...كنا نعتقد أنها سوف تكون مجرد إشارة للدولة من نخبتها تستمر أياما قليلة نظرا لعدالة قضيتنا و دفاعا عن وطن المعرفة....لم يتخيل أحد أن الدولة بلغت هذا المستوى من اللاأخلاقية و الاحترافية في اللامسؤولية من خلال اهانتها لنخبتها و فكرها...الأساتذة الجامعيون الباحثون التونسيون....التونسيون....التونسيون... و بعد أن سخّروا حياتهم من أجل العلم و التعلّم...يعاملون اليوم كأنهم أقلية عرقية يقع اضطهادها...يحاربون بإمكانيات الدولة من سلطة و اعلام...بينما تعيش الجامعة العمومية أكبر تحرك نضالي في تاريخها منذ تأسيسها...و لا أدل من 5 الوقفات الاحتجاجية الحاشدة التي قامت بها نقابة اجابة و هي على التوالي: القصبة 11 جانفي 2018، مجلس النواب 7 فيفري 2018 و وزارة التعليم العالي في مناسبتين 11 أفريل 2018 و 12 ديسمبر 2018 و آخرها القصبة 20 فيفري 2019 حين رفض رئيس الحكومة يوسف الشاهد شرف الجلوس الى نخبة الوطن رغم قدوم 3500 أستاذ جامعي باحث من كل الجامعات و هو ما يعتبر أمنا قوميا عند الدول التي تقدر الأمور حق قدرها...
نعم هو الشعور بالاضطهاد كأقلية عرقية داخل هذا الوطن ذنبها الوحيد هو اختيارها لطريق العلم...هو ليسا غضبا و لكنه نتيجة أفعال و أقوال للقائمين على الدولة الذين تهمهم الحسابات السياسوية الضيقة أكثر مما أظهروا اهتماما لمصلحة الوطن العليا...أما الأفعال فهي كالآتي...أولها المراسلة بتاريخ 5 جانفي 2018 التي حددت منهج عقاب الجامعيين المدافعين عن رفعة وطن المعرفة و عن حقوقهم المسلوبة...و لم يغب عن إبداعات الوزارة إلا تعليق المشانق للجامعيين...و الأدهى و الأمر أن الممضي على المراسلة هو نور الدين السالمي مدير ديوان التعليم العالي حينها و الذي وقع ترقيته ليصبح وزيرا للتجهيز بعد التعديل الوزاري الفارط عرفانا بجميله بخصوص الاهانات التي لحقت الجامعيين...نعم سادتي يكافأ في بلدي من على أهل العلم يتطاول و يعتدي... الوزارة و على رأسها سليم خلبوص لم تسلك أي طريق للحل... بل أمعنت في استعمال كل الوسائل و الحلول المهينة للجامعيين باستعمال جنودها على مختلف مشاربهم و ألوانهم...و تمخضت عبقريتهم عن اللجان البيداغوجية لإعطاء امتحانات مكان الأساتذة المضربين... و من ثم ذهب الوزير إلى تطاوين هربا من جنود الجامعة العمومية نخبة النخبة يستجدي الطلبة قبول حلول الوزارة و مشاركتهم في اهانة أساتذتهم...و هو ما يعتبر سقوطا أخلاقيا لم يبلغه أحد قبله عبر ضرب العلاقة بين أبنائنا الطلبة و أساتذتهم الذين يدافعون عن جامعة عمومية وطنية رائدة من أجلهم و من أجل الأجيال القائمة...لكن وعيهم تجاوز رهانات الوزير الخاسرة و لم يقبلوا الحلول التي تهين أساتذتهم و تدمر جامعتهم....كل هذا من أجل أن لا يجلس ليتحاور مع الأساتذة الباحثين التونسيين...و الله العظيم تونسيين...و في الأخير بلغت بهم القذارة مستوى غير مسبوق في تاريخ الدولة الوطنية...الدولة التي من ثوابتها حب العلم و التعلم و منح العلماء مكانة عليا داخل هذا الوطن...لن أنسى و لن ننسى...نحن التونسيون الجامعيون الباحثون...قيام الدولة عبر لامسؤولييها بالبدء في إيقاف مرتبات نخبة هذا الوطن من أجل تجويعهم و تجويع أبنائهم و تركيعهم. و الآن الشاهد و معه خلبوص و معهم أعداء الجامعة العمومية يتركون الجامعيين الباحثين المدافعين عن وطن المعرفة دون مرتبات شهر مارس 2019... و يكفينا فخرا أن نكون صحبة زوجة الشهيد و أبنائه...فخرنا جميعا الدكتور الشهيد حاتم بالطاهر..الدولة تعاقب الأيتام على نضالات أوليائهم..أهل العلم و الفكر هم سادة الأوطان و قادتها رغم تطاول المتطاولين...لأنهم مهما تطاولوا لن يطالوا شموخنا و لن يهدوا عزائم دعائمها العلم و الفكر...
إضافة إلى الاهانة التي ألحقها بهم رئيس الحكومة في وقفتهم بالقصبة يوم 20 فيفري 2019... و قد بلغ الرقي بالجامعيين الباحثين منحى آخر من خلال الاحتجاج الالكتروني باستعمال وصف #StopChahedEtSlim و لأول مرة في تاريخ تونس... والذي انطلق يوم 20 فيفري 2019... تعبيرا عن غضبهم تجاه الحكومة التي لم تحترم اتفاقاتها و لا ترغب في تمكينهم من حقوقهم...و سيحفظ عصر المعلومات و محركات البحث الأفعال و الأقوال لمن تجرأ على أهل العلم و أصحاب الفكر..و بعيدا عن أعين الملاحظين..قامت أذرعهم في الشبكة الافتراضية إلى منعنا من التعليق...نعم تسلب اليوم حرية التعبير في وقت اعتقدنا أنه المكسب الوحيد في تونس ما بعد الثورة...اليوم المئات من الأساتذة يمنعون من التعليق على صفحة وزارة التعليم العالي في…. Facebook.نعم تغتال الكلمة الحرة للحرائر و الأحرار...المدافعين عن حق أبناء هذا الشعب في تعليم عمومي متميز يحفظ المصعد الاجتماعي لمن اختار العلم سبيلا... باختصار شديد الأساتذة الجامعيون التونسيون يعيشون دكتاتورية ما بعد 2011...
لم و لن يتساءلوا عن ثمن تركيع الجامعيين..و لن يستسلموا....لأن السلطة العمياء و المتكبرة تبنى على تمجيد الجهل و تستعدي العلم و أهله...اليوم المؤكد أنه لن نعود كما كنا قبل جانفي 2018...فإما عودة بكرامة محفوظة و حقوق مردودة... نواصل بها رسالتنا..و إلا فهو المسمار الأخير في كرذونة الجامعة العمومية...لأنه حينها ستضحي الدولة بآخر جنود هذه الجامعة...بنخبة نخبتها..و من سيدفع الثمن الباهض هو شعبنا...لذلك قلت و أعيدها...أكتب هذه الكلمات لتكون حجة عليكم و تكون حجة لنا...حفظ الله تونس بحفظ التونسيين...
الطالب...بين الإضراب و مزايدات السلطة...
مصلحة الطالب...كلمة تتقاذفها و تلعكها الألسن منذ جانفي 2018.. حق أريد به باطل من طرف الوزارة...لأن الأساتذة الباحثين هم الأقدر على معرفة مصلحة أبنائهم الطلبة...بداية يجب التوضيح أن التعليم في تونس يعمل فرز المتميزين من أبنائنا عبر مناظرتين في السادسة و التاسعة أساسي...ليكون الحصاد في مناظرة البكالوريا...ليتم ارسال المتفوقين الى البلدان الأجنبية أين يجدون من يحترمهم و يحترم أساتذتهم... هي حرب استنزاف مدمية بوسائل ناعمة...أساسها القضاء على فرص البقاء و البناء في هذا الوطن...و لذلك أنشأت لا مسؤوليتهم سفنا و رواسي للذكاء التونسي لنجد أبناءنا يولدون الجسد في تونس و العقل وراء البحار ... في تونس اليوم تكوين جامعي بأربع سرعات مختلفة...الأول هو التعليم الأجنبي الذي يقع التحضير له على قدم و ساق...و التعليم العالي الخاص الذي وسّمه تقرير دائرة المحاسبات ب 80 صفحة من التجاوزات...كلاهما لأبناء العائلات الميسورة...و طبعا لا تسل عن الجودة و المساواة في الفرص اذا وجدت نفسك بين لوبيات المال و الأعمال في تونس...و تبقى اذن المؤسسات العمومية و هي قسمين...واحد منها معد للتصدير الكلي مثل بعض مدارس التكوين الهندسي و الطب...و الأخير هو تعليم عالي لأصحاب الامكانيات المحدودة في اختصاص البطالة المستدامة...
كل هذه المنظومة للتعليم العالي ساهمت و لا تزال في القضاء على مستقبل آلاف الطلبة نظرا لعدم تلاءم التكوين مع سوق الشغل...اضافة للشعب ذات التشغيلية المنعدمة...دولة تدفع بأبنائها الى محرقة حقيقية قضت و لازالت على مستقبل عشرات الآلاف من شبابنا و قوّتنا العاملة...المشكل أنها دولة بلا عقل و لا عاطفة...تلمح في أعينهم غياب الدافع للدراسة... لكل الذين يتشدقون بمصلحة الطلبة بهتانا و زورا...أقول أين أنتم من كل هذا...و بخصوص طريقة الاضراب..."ما يداوي المر كان الي أمر منه"...لكن حتى مع المر...هذه الحكومة لم تحرك ساكنا و لم تعط الجامعيين حقهم... و هاهي ترمي بالطلبة للسنة الثانية على التوالي في المجهول...رغم وجود اتفاق لم تلتزم بتطبيقه...
منذ نوفمبر 2017 و Youtube شاهد على هذا وزير التعليم العالي...نسمع ببرامج الاصلاح من حينها...و لا نرى اصلاحا... و كلها مشاريع رفضت من الجامعيين...من المنشور 60 لتوحيد الاجازات الأساسية و التطبيقية و عمل اللجان القطاعية ..و التهديد بغلق مؤسسات جامعية اضافة الى العمل على اعداد برامج بصفة متسرعة..و هو برنامج لاقى المعارضة في جميع الجامعات...ثم المنشور 50 الخاص بالتكوين الهندسي الذي يرمي الى المساواة بين الخاص و العام المتميز بالسنوات التحضيرية عن المسار التكويني الهندسي بالجامعات الخاصة..فالأمر الحكومي عدد929 الخاص بإجبارية التربص في المؤسسات الاقتصادية...كلها مشاريع يتم الاعداد لها دون رؤية واضحة و دون تحديد أولويات و حاجيات الدولة...
اما عن الدكتوراه فيغيب عن الدولة من خلال وزارة الاشراف أنه ليس تكوينا هدفه محو الأمية بل هو تكوين أكاديمي هدفه انشاء كفاءات و خبرات تستفيد منها الدولة...سيقول البعض أنه لا يمكن للدولة احتواء الجميع في الوظيفة العمومية...نقول أننا لم نطالب بالجميع...لكن الدولة أغلقت باب الانتداب لسنوات متتالية ممعنة في اهانة المتفوقين و المتميزين من أبنائها..لسائل أن يسأل ماهي تكلفة انتداب العشرات في جميع الاختصاصات بالنسبة للدولة علما و أنها لم تغلق باب الانتداب نهائيا في الوظيفة العمومية لكن تم غلقه بصفة متحجرة للأساتذة الجامعيين.
و بعد أن يمضي العمر و تجد نفسك تبدأ العمل في سن متأخرة...لتعاقب مرة أخرى عند التقاعد نظرا لضعف المرتب المرتبط أساسا بعدد سنوات العمل..و الذي تعتل صحته شفانا و شفاكم الله...له المستشفى العمومي...و عندها هي أعمار و أقدار...بعيدا عن أي منظومة تأمين على المرض... و حتى بالنسبة للترقيات فإنها تأخرت حتى أصبحت نتائج دورة 2017 تعلن في 2019 و هذا اعتداء صارخ على حق الأساتذة في الترقية... بالنسبة للدكاترة المعطلين عن العمل...يدعونهم ليلا نهارا للانتصاب للحساب الخاص...و هم لم يقع تكوينهم في بعث المشاريع... ما عدى تدريسهم لمادة "ثقافة المؤسسات" التي لا تسمن و لا تغني من جوع... و بعد كل هذا يتباكون على مصلحة الطالب التي دفعنا و لازلنا عمرنا من أجلها...
بين الارهاب و الترهيب و التهريب و التهرّب...ضاعت القدوة و رفع الجهل فوق صرح المعرفة....
ما يهدم اليوم هي دعائم وطن المعرفة...نغرس في أبنائنا اليوم أن العلم طريق الفشل... حيث لم يبق التعلم هو المصعد الاجتماعي الذي ضحّت من أجله العائلات بالغالي و النفيس..اليوم يعاقب المتميزون من أبنائنا ذنبهم أنهم اختاروا طريق العلم...اليوم اهتزت المكانة الأدبية و المادية لأهل العلم...و ما سعي الدولة الى المواجهة بين الطلبة و أساتذتهم قصد المس من كرامتهم إلا القاع الذي بلغته السياسة و هاهي تستمر في الحفر قصد بلوغ قاع جديد... كل هذا يدفع بجيل و تتبعه أجيال للاقتداء بالمهربين و المتهربين لأنهم أصحاب النفوذ و المال... و لأن طريق العلم لا يحفظ الكرامة بل يجلب الاهانة... كل هذا نتلمسه اليوم من خلال تراجع المستوى المعرفي لخريجي الجامعة العمومية... و هذا طبيعي لأن كسب المعرفة هو طريق مثابرة و صبر و تضحية يمتد على عشرات السنوات من عمر طالب العلم... و لم يعد أحد يجد الدوافع ليسلك هذا الطريق الصعب... و هذا ستكون له عواقب وخيمة أولها انحدار قيمة الشهادة العلمية و أخطرها انحدار مستوى الجامعة العمومية... لأن جيل اليوم من الأساتذة الباحثين لن يستمر إلى الأبد....
البحث العلمي في تونس....لتبحث عن شيء آخر...
أما عن البحث العلمي...فلا تسل...في تونس هو إعجاز علمي...يعمل الباحث التونسي بإمكانيات منعدمة و وسط بنية تحتية مهترئة...الوزارة تتشدق بأنها رفعت من ميزانية البحث العلمي...التي لا تتجاوز ميزانية جمعية كروية...لا يجيب أن تنخدعوا بأقوالهم...لأن البحث في تونس يصرف بالأورو و بالدولار... اذا لمعرفة الميزانية الحقيقية يجب تحويلها للعملتين اللتان ذكرتهما و حينها ستكتشفون الصفر كما اكتشفه أجدادنا... دولة و وزارة لا تحمل رؤية للبحث العلمي...سياسات مرتعشة... البحث العلمي هو أمن قومي و أهله فوق الغوغاء السياسية...الباحث التونسي هو شخص خارق للعادة...تستغله الدولة لعلمها بجديته و مثابرته... و هو يقوم بكل شيء داخل الجامعة...المهام الإدارية و البحثية دون مقابل أو مقابل اهانته و التعدي على حقوقه مثل ما تفعل الآن .... لماذا رضينا بكل هذا؟... ربما هي متلازمة اعمل ثم اعمل و إن أهانوك اعمل أكثر....
الأستاذ الباحث يصرف على بحوثه من مرتبه الذي لا يتجاوز 570 أورو...أقل من منحة البطالة في الغرب...و لترتقي في السلم المهني يشترطون عليك البحوث....نعلم جيدا كما تعلم الدولة أن العديد منا يضطرون إلى قروض بنكية من أجل أعمالهم العلمية...و كما قلت سابقا اجتهدت الدولة و عملت ما في وسعها حتى يتخلى عن واجبه البحثي و التفرغ فقط للتدريس لأنه لن يقدر على الصمود أمام تجفيف الإمكانيات. بعد سنوات من الجد و العمل...تأتيك الفرصة لمشاركة أعمالك مع خبراء من العالم أجمع...فتبدأ رحلة المعاناة من ملف التأشيرة...إلى ثمن تذكرة الطائرة...إلى تكاليف الإقامة...إضافة إلى تكاليف ترسيم البحث في الملتقيات العلمية... و حتى ان ساهم مخبر البحث بمبلغ بسيط من التكاليف...عليك أن تدفع من عندك...ثم عليك تحضير ملف أخر ثم نسيانه لتتفاجأ بعد أشهر أنه عليك تسوية وضعية عشرة سنوات من عمرك لمصلحة الضرائب (و هذا حدث لي شخصيا)...و أنت الموظف العمومي الذي تأخذ مرتبك من الدولة.... يعاقبونك على اجتهادك...أنت حينها يتتبعونك و يتغاضون عن المهرب و المتهرب...
و حتى نتبين غياب الرؤية لدى الدولة بخصوص التعليم العالي يكفي القول أننا في 2019 نعمل بنظام أساسي مرّ عليه أكثر من 25 سنة...و حتى محاولات الوزارة لاقتراح نظام أساسي جديد اعتمادا على مفاوضات ماراطونية قامت بها في صائفة 2018 مع نقابة اجابة باءت بالفشل...لأنها قدمته في نسخة هجينة لا روح فيها...غابت فيها الرؤية الواضحة لدور الأستاذ الباحث...الذي يريدوا أن يسجنوه في مربع المناظرات دون ممارسة بحث علمي حقيقي ذا جدوى معرفية من أجل الوطن و استمرارية المنظومة التعليمية...
الأستاذ الباحث في تونس يقوم باقتراح مشاريع بحثية على مستوى عالمي من أجل توفير فرص بحث علمي للطلبة بتمويلات البرامج... و كل هذا هو مجهود فردي يتحدى فيه كل الظروف المعدومة من أجل البقاء و حتى تجد الأجيال القادمة موروثا معرفيا تبني عليه و تطوره...يقوم بكل الأعمال الإدارية و البحثية دون أن يجد أدنى مساعدة حقيقية توفرها له الدولة... أما المشاريع التي يكون فيها الطرف التونسي موجودا في التقييم فحينها تغيب الشفافية و تصبح معركة مصالح و شبكات لا تدري و لا ترغب الدخول إليها... و كم مرة تم رفض مشروع بحثي من لجنة تقييم فيها طرف تونسي ليقع قبوله بلجنة أخرى أجنبية صرفة.
و يغيب علينا في حمّى المشاريع هذه...أنها كلها موجهة لاحتياجات الأطراف الأجنبية المانحة لأنها هي من تحدد المواضيع...و هي طبعا موضوعة وفق احتياجاتها... و نحن ليس هناك من يحدد احتياجاتنا و يرصد لها الإمكانيات أو يؤمن بالبحث العلمي... هي كلمات هلامية لا يفقهونها...بل بالعكس هم فرحون لأنهم بصدد توفير فرص خروج لطلبتنا و باحثينا للخارج من خلال تقريب الجامعات الأجنبية...و ما حاجتنا نحن لأصحاب العقول؟... و هل يقدرون على حكم شعب ذا عقول مفكرة؟...يبيع القرد و يضحك على شاريه...
لم يتساءل يوما أحد من أين نأتي بمن يكون و يؤطر طلبتنا إذا يئس المستبسلون اليوم... و إذا ضاعت المعرفة كم نحتاج من الوقت لإعادة بنائها... و إن اهتزت صورة أهل العلم في الخارج بعد المكانة التي بنيت على مدى 60 سنة... و إن أصبحت الشهادة لا تحمل قيمة الورقة التي طبعت عليها..و انقطع السبيل حتى عن فرص ما وراء البحار..أسئلة و غيرها لا علاقة لها بغوغاء السياسة في تونس....
من "كرذونة" الصحة العمومية....إلى "حاويات القمامة" بالتعليم العالي...استشراف للمستقبل
تساءلت كثيرا لماذا يضطر الأستاذ الجامعي الباحث الى العمل النقابي؟..المنطق يقول أن الدولة هي الضمان لمكانته الأدبية و العلمية و المادية...خاصة و أنه الأعلى في سلم الشهائد و الكفاءة...و يعتبر أمنا قوميا و على الدولة توفير الامكانيات لعمله... لكننا اليوم نجد أنفسنا في وضعية سيئة للغاية غابت فيها الاعتبارات الأخلاقية و القيمية...و "الكرذونة" الدالة على الفاجعة التي أدمت قلوبنا و على انهيار منظومة الصحة في تونس...هي استشراف لمستقبل الجامعة العمومية...و لقد استمعت لوزيرة الصحة بالنيابة التي قالت أن البلاد الآن في حالة طوارئ خاصة بالصحة العمومية...و ههنا نقول ماذا تنتظر الدولة لتعلن حالة الطوارئ في التعليم العالي؟...إننا من خلال ما تم التطرق إليه لا نرمي إلى دق ناقوس الخطر...لأن الخطر أصبح بيننا و انتهى..و لا يجب انتظار المأساة...لأن الوضع الذي نحن عليه مثل المرض الخبيث...نخاف أن نستفيق على مراحل متقدمة منه لا شفاء منها...و حينها لن يضعوا الجامعة العمومية في "كرذونة" بل سيرمون المنظومة كاملة في حاويات القمامة غير عابئين بتضحيات أجيال و أجيال على امتداد عشرات السنين... لأن البديل موجود...الأجنبي و الخاص...
نحن قررنا الصمود دفاعا عن جامعتنا العمومية صرح المعرفة.... و عزمنا البقاء فيها من أجل بناء العقول في جامعتنا العمومية...نحيا على عهد بناة العقول السابقين....بناة هذا الوطن من رحم معاناة الملايين عبر عشرات السنين...أما نحن فعلى عهدهم باقون و لرسالتهم حافظون...وطن المعرفة....
و نحن كلنا ثقة بنجاحنا لصدقنا و مثابرتنا و إيماننا بعدالة قضيتنا... و متيقنون أنهم لن يجدوا "كرذونة" تتسع للجامعة العمومية و لجنودها ...نخبة الوطن و أهل العلم و أصحاب الفكر...
فلا عاش في تونس من خانها....و لا عاش من ليس من جندها....
محمد علي حاج طيب
كلية العلوم بصفاقس
أكتب هذه الكلمات لتكون حجة لنا و تكون حجة عليكم...
إلى بناة الدولة الوطنية....
إلى شهدائنا الأبرار...
إلى من قدموا أرواحهم من أجل تونس...
إلى جداتنا و أجدادنا بناة و حماة قيمة العلم و المعرفة...
إلى معلمينا و أساتذتنا...بناة الانسان و الأوطان...
إلى آبائنا و أمهاتنا..عنوان التضحية...رحيق الحياة..شمعة أضاءت لنا طريق العلم و ذابت من أجل بلوغ المعالي....
إلى أبنائنا..حلم الحياة و نبضنا الحي..مستقبل تونس المعرفة...
إلى أبناء شعبنا...
الثروة الحقيقية لوطننا...دولة المعرفة....دولة العلم...قيمة التعلم...تندثر...
نتحمل مسؤوليتنا اليوم من أجل الحفاظ على مكسب وطن المعرفة...
و نعلي الصوت حتى لا تستيقظوا غدا على حلم وطن ضاع...
أكتب هذه الكلمات لتكون حجة لنا و تكون حجة عليكم...
قياسا عل حملة "وينو البترول" و فاجعة مجزرة الرضع في دولة "الكرذونة"...التي هزت الضمير الإنساني...لكن للأسف ليس كل قلب نابض هو قلب حي.....أما الفاجعة فتتمزق أمامها الكلمات و تجف لأجلها العبارات...اندثرت الصحة و سيندثر معها الأصحّاء... أما حملة "وينو البترول" فهي تختزل إحساس شعب بمصادرة ممتلاكته و ثرواته...و كما صدعوا رؤوسنا بقولهم أنه خطاب شعبوي مرتهن لنظريات المؤامرة....فضاعت الحقائق بين أخطبوط الداخل و الخارج...و أضحى الوطن كله مستباحا ....لن أستفيض في هذا...لا خوفا.. و لكن لأن البشر أهم من الحجر...نعم هي كلمات أكتبها قبل أن تنطلق حملات ....وينهم الأساتذة الجامعيين؟...أين هي الجامعة العمومية؟ ... سيخبرونكم حينها أنها أضغاث أحلام...و أن تونس كانت و لازالت تعاني من ضعف مستوى التعليم العمومي .... و أنه لم يعرف يوما أننا كنا نقدر العلم و العلماء..و أنه خطاب ثورجيين و أن السياسة فن الممكن و أن تونس جزء من منظومة دولية و عليها أن تعلم حجمها و قدر المناورة في موقعها الجيوساسي...أفتطالبون بالعلم؟..اكتفوا بمحو الأمية و احمدوا الله على نعمة الأمن و قبلوا أيادي الأجنبي الذي وافق على رفع الجهل عنكم بعد أن استوطنت جامعاته أرضكم ....يومها الجامعة العمومية ستكون بمختصر مفيد حضانة ما بعد البكالوريا....
أكتب هذه الكلمات لأستبق السنوات و أحذر قرائي أننا في هذا الوطن تقدمنا خطوات نحو هدم الفرد بمقدراته الأخلاقية و الفكرية و الذاتية... و اذا كان أهل العلم و أصحاب الفكر يستشعرون الظلم و الغبن و القهر على وطن يضيع...فلا تسل على البقية....
الدولة و السياسة ...هدم قيمة المعرفة...
قبل أن أتقدم في التحليل...قد يقول البعض أن العالم اليوم...عالم بلا قيم و بلا أخلاق...عالم أباطرة المال و الأعمال و شبكات المصالح المافيوزية... و تونس ليست استثناءا...و لا مكان للمدينة الفاضلة في هذا الواقع المتوحش...
أقول لك و للجميع....صحيح...صحيح....صحيح...صحيح............ و لكن...
نعم تتخاصم و تتعارك القوى من أجل السلطة و المحافظة على المصالح القديمة و لجلب مصالح جديدة...و هي حرب قذرة في داخلها...يتم اخراجها للشعب بمساحيق التجميل..رغم أن الرداءة أصبحت لا تخفى على أحد...و الرائحة العفنة تطال أنوف الجميع...و هذه يسمونها سياسة.. اختلف العارفون في تعريفها...هناك من يقول أنها فن الكذب... و هناك من يقول أنها فن الممكن...لكن أقول أنها فن الالهاء...الهاء الشعب عن قضاياه و مصالحه الحقيقية...من أجل امتصاص رحيقه..الفرق بيننا و بينهم...أنهم يتخاصمون على سلطة دون أن يتخاصموا على وطن...و لذلك فالعلم و المعرفة و أهل العلم و أصحاب الفكر هم فوق السياسة و السياسيين و السياسوية...لكن في تونس السياسة اليوم فوق الوطن و القيم و أهل المعرفة و أصحاب الفكر...فوق الجميع...للأسف...
الدولة التونسية لا تنظر اليوم للتعليم و لكن تمعن النظر في ميزانية التعليم...و تبعا لسياسة التسويق فإن التوجه للخاص سيسمح لها بمزيد الضغط على ميزانية التعليم العالي التي خسرت مئات المليارات باعتبار تدني النسبة المئوية التي تمثلها ميزانية الوزارة من ميزانية الدولة من 7% سنة 2010 إلى 4.03 % سنة 2019.
إن الدولة اليوم لا تؤمن بدور للجامعي...الجامعي الذي عملوا على تهجينه ليلا نهارا ليصبح صاحب وظيفة و هو في الأصل صاحب رسالة...لأن الكل يسعى وراء السلطة دون تفكير في الوطن...لا يمكن القول أن الدولة لا تؤمن بكفاءة الأستاذ الجامعي الباحث لأنه أثبتها في كل دول العالم ... و هناك من الدول الأجنبية من يعتبر تونس خزانا للباحثين الذين تقوم باستقطابهم من أجل تغطية النقص الحاصل فيها على مستوى الخبرات ذات التكوين العلمي و الأكاديمي المتميز. و ما مشاريع انتصاب الجامعات الأجنبية في تونس مثل الجامعة الفرنسية التي تحشد من أجلها إمكانيات الدولة التونسية من أراضي و تمويلات و تغيير قوانين إلا أبلغ مثال .... الدولة اليوم لا تهتم بقيمة المعرفة لأن هدف المتدخلين و المتداخلين فيها هي السلطة و ليس الوطن... الدول الأجنبية تستغل المستوى المتدني للتأجير في الجامعة التونسية و هي متأكدة أنه عاجلا أو آجلا سيهاجر الأستاذ الجامعي لأن الفارق يقاس بالسنين الضوئية بين ما توفره له دولته و ما يتوفر بالخارج حتى في الدول التي كنا نعتبرها أقل منا نموا. يكفي القول أن الأستاذ الجامعي التونسي هو الأقل تأجيرا في دول شمال إفريقيا. إضافة إلى أنه القطاع الوحيد في الوظيفة العمومية الذي لا تثمّن فيه الخبرة و لا يرتقي صاحبه إلا عبر مناظرات وطنية بورصة شروطها تصعد دون نزول و على مستوى عالمي ...نعم على مستوى عالمي و ليس مغالاة في التعبير...لأننا ننشر أبحاثنا في مجلات علمية يتنافس عليها جميع باحثي العالم...الدولة التونسية هي التي اعترفت على لسان مسؤوليها أن الأستاذ الجامعي الباحث هو أكبر متضرر باعتباره الأقل زيادة في المرتبات بالنسبة المئوية إذا ما تمت مقارنته بكل العاملين في الوظيفة العمومية...ذلك أن الزيادة لم تتجاوز 20 % مقارنة بوظائف أخرى صلب الوظيفة العمومية تجاوزت 100%.
رئيس الحكومة في زيارة الدولة التي خصّ بها فرنسا أعرب لمجلة Jeune Afrique أنه لا يتخوف من هجرة الكفاءات التونسية..في حين اعتبر خلبوص وزير التعليم العالي هجرة الكفاءات فرصة لتونس...فرصة في ماذا؟...أعتقد أنها فرصة لخسارة كفاءاتها....للأسف الشديد...أتى الرد صاعقا بعد مجزرة الرضع في قطاع الصحة....و لا أعلم على كم سيستقر العدد النهائي بعد نشر هذا المقال... لقد أصبحنا في دولة تحتقر نخبتها و أهل العلم و الفكر..و لا أدل على هذا من دولة تتنصل من اتفاق 7 جوان 2018 الذي وقعته مع اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين المعروف اختصارا اجابة بعد إضراب إداري دام أكثر من 5 أشهر....لتجد الجامعة التونسية نفسها على صفيح ساخن من جديد نتيجة إضراب إداري للسنة الثانية على التوالي تبعا لتنصل الوزارة و من ورائها الحكومة من اتفاقاتها.... و إلى هذه الساعة لا مؤشر على تجاوز هذه الأزمة احتراما لكرامة الأستاذ الجامعي و أبنائنا الطلبة... و إلى الآن الدولة جلست مع الكل و أمضت مع الكل و حققت مكاسب للكل...إلا نخبة الوطن...إلا الأساتذة الجامعيون الباحثون...
ما قبل و ما بعد ثورة الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين...و الله تونسيين....
بعد القيمة المعنوية و المادية التي أنشأها بورقيبة في دولة ما بعد الاستقلال لأهل العلم و خاصة الأستاذ الجامعي....أتت مرحلة الدكتاتورية لتقلص من دوره في المجتمع و تضيق عليه المجال داخل المجتمع و الدولة فأصبح يعيش في برجه العاجي و يتخيل أن له مكانة غير أنها مكانة افتراضية لا توجد إلا في مخيلته....و عندها تقوقع على نفسه في ظل الدكتاتورية و خلق لنفسه إقطاعيات و مماليك صغيرة ساهم من خلالها في تضخيم الأنا و ساهم الكثيرون في إيجاد نظام داخل الجامعة أضعف الشخصية الفردية للباحث و علمه التبعية و ركز لديه اخلالات قيمية كبيرة و محدودية في الذكاء الاجتماعي...فأصبح الاعتماد على الذكاء الفردي و تم تغييب الذكاء الجماعي...و بلغ الانهيار أقصاه عندما أصبحت مهمته الأساسية تجاوز المناظرات و غابت القيمة المضافة التي عليه خلقها داخل المجتمع...و في ظل انتشار الرداءة تكونت شبكة مصالح افتراضية لا قيمة مادية أو معنوية لها و أصبح التناحر من أجلها حربا ضروسا دون وجود غنائم حقيقية....غاب الجامعي عن المجتمع و أصبح لا أحد يحس بوجوده أو غيابه وعقولنا تصور لنا مكانة ليست موجودة في الواقع....أما بعد الثورة فكل المساهمين في السلطة من كل الأحزاب لا علاقة لهم بالعلم أو أهله و الأمثلة عديدة و لا يمكن حصرها....و في ظل المطلبية النقابية العشوائية تم نسياننا لأن لا علم لهم بوجودنا و لا وزن لوجودنا داخل كل الأحزاب و المنظمات....لأنه عصر المال و ليس عصر العلم...أما لماذا جويلية و ليس فيفري فإنها الاحترافية في اللامسؤولية و أعني بها اللامسؤولية عن سابق إصرار و ترصد...لأنهم...كلهم دون استثناء...لا مكانة للعلم و أهله داخل استراتيجياتهم و تقسيمهم لثروات تونس بين لوبيات الفساد و المال و السياسة....و هم يعلمون أن دعائم الدول هي المعرفة...و استهداف أهل العلم هو احتلال ناعم بأدوات داخلية... خاصة و أنهم يعلمون أن المكسب التاريخي و الوراثي و الجيني لتونس هو الذكاء الفردي...
لم يعرف يوما عن الجامعيين العمل أو الانتماء النقابي...لكن لا أحد يقدر اليوم على نكران ارتباط وجدان الجامعيات و الجامعيين بنقابتهم اجابة..... و نجاح 5 وقفات احتجاجية متتالية....هو الحجة القصوى على موضوع التمثيلية النقابية.... و هي ...بعيدا عن المزايدات... في أبعادها القانونية و الاعتبارية وطنيا و دوليا ليست مرتبطة بأرقام...لكنها القدرة على التعبئة و النضال الحقيقي الذي تتبعه التضحيات و المكاسب الحقيقية...و هي تمثل عقلية الجامعي الباحث المجتهد الذي يعمل ليلا نهارا من أجل الوصول لنتائج متميزة من خلال مجهوده الشخصي... فمن أخلاقيات العمل الأكاديمي أن لا تستولي على تعب غيرك و أن لا تركب على عمل و تضحيات غيرك....على الأقل وجب الاعتراف بالفضل لأهله....و هي أعتقد أنها أيضا أخلاقيات العمل النقابي... إجابة هي اليوم عنوان الدفاع عن الجامعة العمومية...إضافة الى أن مناضلي الجامعة العمومية تحت مظلة نقابة اجابة هم امتداد لبناة الدولة الوطنية و لرواد العمل النقابي و شهدائه محمدعلي الحامي و فرحات حشاد...و هذا الموروث النضالي ليس علامة تجارية...بل يخص كل شرفاء هذا الوطن لتنهل منه كل القلوب الحية....
الأساتذة الجامعيون الباحثون التونسيون ...أقلية عرقية مضطهدة!!!...
نصدقكم القول أن الآلاف من الأساتذة الجامعيين الباحثين عندما انطلقوا في تحركهم النضالي من 2 جانفي 2018 تحت غطاء مظلة نقابة اجابة...نعم 2018 و ليست خطأ مطبعيا...كنا نعتقد أنها سوف تكون مجرد إشارة للدولة من نخبتها تستمر أياما قليلة نظرا لعدالة قضيتنا و دفاعا عن وطن المعرفة....لم يتخيل أحد أن الدولة بلغت هذا المستوى من اللاأخلاقية و الاحترافية في اللامسؤولية من خلال اهانتها لنخبتها و فكرها...الأساتذة الجامعيون الباحثون التونسيون....التونسيون....التونسيون... و بعد أن سخّروا حياتهم من أجل العلم و التعلّم...يعاملون اليوم كأنهم أقلية عرقية يقع اضطهادها...يحاربون بإمكانيات الدولة من سلطة و اعلام...بينما تعيش الجامعة العمومية أكبر تحرك نضالي في تاريخها منذ تأسيسها...و لا أدل من 5 الوقفات الاحتجاجية الحاشدة التي قامت بها نقابة اجابة و هي على التوالي: القصبة 11 جانفي 2018، مجلس النواب 7 فيفري 2018 و وزارة التعليم العالي في مناسبتين 11 أفريل 2018 و 12 ديسمبر 2018 و آخرها القصبة 20 فيفري 2019 حين رفض رئيس الحكومة يوسف الشاهد شرف الجلوس الى نخبة الوطن رغم قدوم 3500 أستاذ جامعي باحث من كل الجامعات و هو ما يعتبر أمنا قوميا عند الدول التي تقدر الأمور حق قدرها...
نعم هو الشعور بالاضطهاد كأقلية عرقية داخل هذا الوطن ذنبها الوحيد هو اختيارها لطريق العلم...هو ليسا غضبا و لكنه نتيجة أفعال و أقوال للقائمين على الدولة الذين تهمهم الحسابات السياسوية الضيقة أكثر مما أظهروا اهتماما لمصلحة الوطن العليا...أما الأفعال فهي كالآتي...أولها المراسلة بتاريخ 5 جانفي 2018 التي حددت منهج عقاب الجامعيين المدافعين عن رفعة وطن المعرفة و عن حقوقهم المسلوبة...و لم يغب عن إبداعات الوزارة إلا تعليق المشانق للجامعيين...و الأدهى و الأمر أن الممضي على المراسلة هو نور الدين السالمي مدير ديوان التعليم العالي حينها و الذي وقع ترقيته ليصبح وزيرا للتجهيز بعد التعديل الوزاري الفارط عرفانا بجميله بخصوص الاهانات التي لحقت الجامعيين...نعم سادتي يكافأ في بلدي من على أهل العلم يتطاول و يعتدي... الوزارة و على رأسها سليم خلبوص لم تسلك أي طريق للحل... بل أمعنت في استعمال كل الوسائل و الحلول المهينة للجامعيين باستعمال جنودها على مختلف مشاربهم و ألوانهم...و تمخضت عبقريتهم عن اللجان البيداغوجية لإعطاء امتحانات مكان الأساتذة المضربين... و من ثم ذهب الوزير إلى تطاوين هربا من جنود الجامعة العمومية نخبة النخبة يستجدي الطلبة قبول حلول الوزارة و مشاركتهم في اهانة أساتذتهم...و هو ما يعتبر سقوطا أخلاقيا لم يبلغه أحد قبله عبر ضرب العلاقة بين أبنائنا الطلبة و أساتذتهم الذين يدافعون عن جامعة عمومية وطنية رائدة من أجلهم و من أجل الأجيال القائمة...لكن وعيهم تجاوز رهانات الوزير الخاسرة و لم يقبلوا الحلول التي تهين أساتذتهم و تدمر جامعتهم....كل هذا من أجل أن لا يجلس ليتحاور مع الأساتذة الباحثين التونسيين...و الله العظيم تونسيين...و في الأخير بلغت بهم القذارة مستوى غير مسبوق في تاريخ الدولة الوطنية...الدولة التي من ثوابتها حب العلم و التعلم و منح العلماء مكانة عليا داخل هذا الوطن...لن أنسى و لن ننسى...نحن التونسيون الجامعيون الباحثون...قيام الدولة عبر لامسؤولييها بالبدء في إيقاف مرتبات نخبة هذا الوطن من أجل تجويعهم و تجويع أبنائهم و تركيعهم. و الآن الشاهد و معه خلبوص و معهم أعداء الجامعة العمومية يتركون الجامعيين الباحثين المدافعين عن وطن المعرفة دون مرتبات شهر مارس 2019... و يكفينا فخرا أن نكون صحبة زوجة الشهيد و أبنائه...فخرنا جميعا الدكتور الشهيد حاتم بالطاهر..الدولة تعاقب الأيتام على نضالات أوليائهم..أهل العلم و الفكر هم سادة الأوطان و قادتها رغم تطاول المتطاولين...لأنهم مهما تطاولوا لن يطالوا شموخنا و لن يهدوا عزائم دعائمها العلم و الفكر...
إضافة إلى الاهانة التي ألحقها بهم رئيس الحكومة في وقفتهم بالقصبة يوم 20 فيفري 2019... و قد بلغ الرقي بالجامعيين الباحثين منحى آخر من خلال الاحتجاج الالكتروني باستعمال وصف #StopChahedEtSlim و لأول مرة في تاريخ تونس... والذي انطلق يوم 20 فيفري 2019... تعبيرا عن غضبهم تجاه الحكومة التي لم تحترم اتفاقاتها و لا ترغب في تمكينهم من حقوقهم...و سيحفظ عصر المعلومات و محركات البحث الأفعال و الأقوال لمن تجرأ على أهل العلم و أصحاب الفكر..و بعيدا عن أعين الملاحظين..قامت أذرعهم في الشبكة الافتراضية إلى منعنا من التعليق...نعم تسلب اليوم حرية التعبير في وقت اعتقدنا أنه المكسب الوحيد في تونس ما بعد الثورة...اليوم المئات من الأساتذة يمنعون من التعليق على صفحة وزارة التعليم العالي في…. Facebook.نعم تغتال الكلمة الحرة للحرائر و الأحرار...المدافعين عن حق أبناء هذا الشعب في تعليم عمومي متميز يحفظ المصعد الاجتماعي لمن اختار العلم سبيلا... باختصار شديد الأساتذة الجامعيون التونسيون يعيشون دكتاتورية ما بعد 2011...
لم و لن يتساءلوا عن ثمن تركيع الجامعيين..و لن يستسلموا....لأن السلطة العمياء و المتكبرة تبنى على تمجيد الجهل و تستعدي العلم و أهله...اليوم المؤكد أنه لن نعود كما كنا قبل جانفي 2018...فإما عودة بكرامة محفوظة و حقوق مردودة... نواصل بها رسالتنا..و إلا فهو المسمار الأخير في كرذونة الجامعة العمومية...لأنه حينها ستضحي الدولة بآخر جنود هذه الجامعة...بنخبة نخبتها..و من سيدفع الثمن الباهض هو شعبنا...لذلك قلت و أعيدها...أكتب هذه الكلمات لتكون حجة عليكم و تكون حجة لنا...حفظ الله تونس بحفظ التونسيين...
الطالب...بين الإضراب و مزايدات السلطة...
مصلحة الطالب...كلمة تتقاذفها و تلعكها الألسن منذ جانفي 2018.. حق أريد به باطل من طرف الوزارة...لأن الأساتذة الباحثين هم الأقدر على معرفة مصلحة أبنائهم الطلبة...بداية يجب التوضيح أن التعليم في تونس يعمل فرز المتميزين من أبنائنا عبر مناظرتين في السادسة و التاسعة أساسي...ليكون الحصاد في مناظرة البكالوريا...ليتم ارسال المتفوقين الى البلدان الأجنبية أين يجدون من يحترمهم و يحترم أساتذتهم... هي حرب استنزاف مدمية بوسائل ناعمة...أساسها القضاء على فرص البقاء و البناء في هذا الوطن...و لذلك أنشأت لا مسؤوليتهم سفنا و رواسي للذكاء التونسي لنجد أبناءنا يولدون الجسد في تونس و العقل وراء البحار ... في تونس اليوم تكوين جامعي بأربع سرعات مختلفة...الأول هو التعليم الأجنبي الذي يقع التحضير له على قدم و ساق...و التعليم العالي الخاص الذي وسّمه تقرير دائرة المحاسبات ب 80 صفحة من التجاوزات...كلاهما لأبناء العائلات الميسورة...و طبعا لا تسل عن الجودة و المساواة في الفرص اذا وجدت نفسك بين لوبيات المال و الأعمال في تونس...و تبقى اذن المؤسسات العمومية و هي قسمين...واحد منها معد للتصدير الكلي مثل بعض مدارس التكوين الهندسي و الطب...و الأخير هو تعليم عالي لأصحاب الامكانيات المحدودة في اختصاص البطالة المستدامة...
كل هذه المنظومة للتعليم العالي ساهمت و لا تزال في القضاء على مستقبل آلاف الطلبة نظرا لعدم تلاءم التكوين مع سوق الشغل...اضافة للشعب ذات التشغيلية المنعدمة...دولة تدفع بأبنائها الى محرقة حقيقية قضت و لازالت على مستقبل عشرات الآلاف من شبابنا و قوّتنا العاملة...المشكل أنها دولة بلا عقل و لا عاطفة...تلمح في أعينهم غياب الدافع للدراسة... لكل الذين يتشدقون بمصلحة الطلبة بهتانا و زورا...أقول أين أنتم من كل هذا...و بخصوص طريقة الاضراب..."ما يداوي المر كان الي أمر منه"...لكن حتى مع المر...هذه الحكومة لم تحرك ساكنا و لم تعط الجامعيين حقهم... و هاهي ترمي بالطلبة للسنة الثانية على التوالي في المجهول...رغم وجود اتفاق لم تلتزم بتطبيقه...
منذ نوفمبر 2017 و Youtube شاهد على هذا وزير التعليم العالي...نسمع ببرامج الاصلاح من حينها...و لا نرى اصلاحا... و كلها مشاريع رفضت من الجامعيين...من المنشور 60 لتوحيد الاجازات الأساسية و التطبيقية و عمل اللجان القطاعية ..و التهديد بغلق مؤسسات جامعية اضافة الى العمل على اعداد برامج بصفة متسرعة..و هو برنامج لاقى المعارضة في جميع الجامعات...ثم المنشور 50 الخاص بالتكوين الهندسي الذي يرمي الى المساواة بين الخاص و العام المتميز بالسنوات التحضيرية عن المسار التكويني الهندسي بالجامعات الخاصة..فالأمر الحكومي عدد929 الخاص بإجبارية التربص في المؤسسات الاقتصادية...كلها مشاريع يتم الاعداد لها دون رؤية واضحة و دون تحديد أولويات و حاجيات الدولة...
اما عن الدكتوراه فيغيب عن الدولة من خلال وزارة الاشراف أنه ليس تكوينا هدفه محو الأمية بل هو تكوين أكاديمي هدفه انشاء كفاءات و خبرات تستفيد منها الدولة...سيقول البعض أنه لا يمكن للدولة احتواء الجميع في الوظيفة العمومية...نقول أننا لم نطالب بالجميع...لكن الدولة أغلقت باب الانتداب لسنوات متتالية ممعنة في اهانة المتفوقين و المتميزين من أبنائها..لسائل أن يسأل ماهي تكلفة انتداب العشرات في جميع الاختصاصات بالنسبة للدولة علما و أنها لم تغلق باب الانتداب نهائيا في الوظيفة العمومية لكن تم غلقه بصفة متحجرة للأساتذة الجامعيين.
و بعد أن يمضي العمر و تجد نفسك تبدأ العمل في سن متأخرة...لتعاقب مرة أخرى عند التقاعد نظرا لضعف المرتب المرتبط أساسا بعدد سنوات العمل..و الذي تعتل صحته شفانا و شفاكم الله...له المستشفى العمومي...و عندها هي أعمار و أقدار...بعيدا عن أي منظومة تأمين على المرض... و حتى بالنسبة للترقيات فإنها تأخرت حتى أصبحت نتائج دورة 2017 تعلن في 2019 و هذا اعتداء صارخ على حق الأساتذة في الترقية... بالنسبة للدكاترة المعطلين عن العمل...يدعونهم ليلا نهارا للانتصاب للحساب الخاص...و هم لم يقع تكوينهم في بعث المشاريع... ما عدى تدريسهم لمادة "ثقافة المؤسسات" التي لا تسمن و لا تغني من جوع... و بعد كل هذا يتباكون على مصلحة الطالب التي دفعنا و لازلنا عمرنا من أجلها...
بين الارهاب و الترهيب و التهريب و التهرّب...ضاعت القدوة و رفع الجهل فوق صرح المعرفة....
ما يهدم اليوم هي دعائم وطن المعرفة...نغرس في أبنائنا اليوم أن العلم طريق الفشل... حيث لم يبق التعلم هو المصعد الاجتماعي الذي ضحّت من أجله العائلات بالغالي و النفيس..اليوم يعاقب المتميزون من أبنائنا ذنبهم أنهم اختاروا طريق العلم...اليوم اهتزت المكانة الأدبية و المادية لأهل العلم...و ما سعي الدولة الى المواجهة بين الطلبة و أساتذتهم قصد المس من كرامتهم إلا القاع الذي بلغته السياسة و هاهي تستمر في الحفر قصد بلوغ قاع جديد... كل هذا يدفع بجيل و تتبعه أجيال للاقتداء بالمهربين و المتهربين لأنهم أصحاب النفوذ و المال... و لأن طريق العلم لا يحفظ الكرامة بل يجلب الاهانة... كل هذا نتلمسه اليوم من خلال تراجع المستوى المعرفي لخريجي الجامعة العمومية... و هذا طبيعي لأن كسب المعرفة هو طريق مثابرة و صبر و تضحية يمتد على عشرات السنوات من عمر طالب العلم... و لم يعد أحد يجد الدوافع ليسلك هذا الطريق الصعب... و هذا ستكون له عواقب وخيمة أولها انحدار قيمة الشهادة العلمية و أخطرها انحدار مستوى الجامعة العمومية... لأن جيل اليوم من الأساتذة الباحثين لن يستمر إلى الأبد....
البحث العلمي في تونس....لتبحث عن شيء آخر...
أما عن البحث العلمي...فلا تسل...في تونس هو إعجاز علمي...يعمل الباحث التونسي بإمكانيات منعدمة و وسط بنية تحتية مهترئة...الوزارة تتشدق بأنها رفعت من ميزانية البحث العلمي...التي لا تتجاوز ميزانية جمعية كروية...لا يجيب أن تنخدعوا بأقوالهم...لأن البحث في تونس يصرف بالأورو و بالدولار... اذا لمعرفة الميزانية الحقيقية يجب تحويلها للعملتين اللتان ذكرتهما و حينها ستكتشفون الصفر كما اكتشفه أجدادنا... دولة و وزارة لا تحمل رؤية للبحث العلمي...سياسات مرتعشة... البحث العلمي هو أمن قومي و أهله فوق الغوغاء السياسية...الباحث التونسي هو شخص خارق للعادة...تستغله الدولة لعلمها بجديته و مثابرته... و هو يقوم بكل شيء داخل الجامعة...المهام الإدارية و البحثية دون مقابل أو مقابل اهانته و التعدي على حقوقه مثل ما تفعل الآن .... لماذا رضينا بكل هذا؟... ربما هي متلازمة اعمل ثم اعمل و إن أهانوك اعمل أكثر....
الأستاذ الباحث يصرف على بحوثه من مرتبه الذي لا يتجاوز 570 أورو...أقل من منحة البطالة في الغرب...و لترتقي في السلم المهني يشترطون عليك البحوث....نعلم جيدا كما تعلم الدولة أن العديد منا يضطرون إلى قروض بنكية من أجل أعمالهم العلمية...و كما قلت سابقا اجتهدت الدولة و عملت ما في وسعها حتى يتخلى عن واجبه البحثي و التفرغ فقط للتدريس لأنه لن يقدر على الصمود أمام تجفيف الإمكانيات. بعد سنوات من الجد و العمل...تأتيك الفرصة لمشاركة أعمالك مع خبراء من العالم أجمع...فتبدأ رحلة المعاناة من ملف التأشيرة...إلى ثمن تذكرة الطائرة...إلى تكاليف الإقامة...إضافة إلى تكاليف ترسيم البحث في الملتقيات العلمية... و حتى ان ساهم مخبر البحث بمبلغ بسيط من التكاليف...عليك أن تدفع من عندك...ثم عليك تحضير ملف أخر ثم نسيانه لتتفاجأ بعد أشهر أنه عليك تسوية وضعية عشرة سنوات من عمرك لمصلحة الضرائب (و هذا حدث لي شخصيا)...و أنت الموظف العمومي الذي تأخذ مرتبك من الدولة.... يعاقبونك على اجتهادك...أنت حينها يتتبعونك و يتغاضون عن المهرب و المتهرب...
و حتى نتبين غياب الرؤية لدى الدولة بخصوص التعليم العالي يكفي القول أننا في 2019 نعمل بنظام أساسي مرّ عليه أكثر من 25 سنة...و حتى محاولات الوزارة لاقتراح نظام أساسي جديد اعتمادا على مفاوضات ماراطونية قامت بها في صائفة 2018 مع نقابة اجابة باءت بالفشل...لأنها قدمته في نسخة هجينة لا روح فيها...غابت فيها الرؤية الواضحة لدور الأستاذ الباحث...الذي يريدوا أن يسجنوه في مربع المناظرات دون ممارسة بحث علمي حقيقي ذا جدوى معرفية من أجل الوطن و استمرارية المنظومة التعليمية...
الأستاذ الباحث في تونس يقوم باقتراح مشاريع بحثية على مستوى عالمي من أجل توفير فرص بحث علمي للطلبة بتمويلات البرامج... و كل هذا هو مجهود فردي يتحدى فيه كل الظروف المعدومة من أجل البقاء و حتى تجد الأجيال القادمة موروثا معرفيا تبني عليه و تطوره...يقوم بكل الأعمال الإدارية و البحثية دون أن يجد أدنى مساعدة حقيقية توفرها له الدولة... أما المشاريع التي يكون فيها الطرف التونسي موجودا في التقييم فحينها تغيب الشفافية و تصبح معركة مصالح و شبكات لا تدري و لا ترغب الدخول إليها... و كم مرة تم رفض مشروع بحثي من لجنة تقييم فيها طرف تونسي ليقع قبوله بلجنة أخرى أجنبية صرفة.
و يغيب علينا في حمّى المشاريع هذه...أنها كلها موجهة لاحتياجات الأطراف الأجنبية المانحة لأنها هي من تحدد المواضيع...و هي طبعا موضوعة وفق احتياجاتها... و نحن ليس هناك من يحدد احتياجاتنا و يرصد لها الإمكانيات أو يؤمن بالبحث العلمي... هي كلمات هلامية لا يفقهونها...بل بالعكس هم فرحون لأنهم بصدد توفير فرص خروج لطلبتنا و باحثينا للخارج من خلال تقريب الجامعات الأجنبية...و ما حاجتنا نحن لأصحاب العقول؟... و هل يقدرون على حكم شعب ذا عقول مفكرة؟...يبيع القرد و يضحك على شاريه...
لم يتساءل يوما أحد من أين نأتي بمن يكون و يؤطر طلبتنا إذا يئس المستبسلون اليوم... و إذا ضاعت المعرفة كم نحتاج من الوقت لإعادة بنائها... و إن اهتزت صورة أهل العلم في الخارج بعد المكانة التي بنيت على مدى 60 سنة... و إن أصبحت الشهادة لا تحمل قيمة الورقة التي طبعت عليها..و انقطع السبيل حتى عن فرص ما وراء البحار..أسئلة و غيرها لا علاقة لها بغوغاء السياسة في تونس....
من "كرذونة" الصحة العمومية....إلى "حاويات القمامة" بالتعليم العالي...استشراف للمستقبل
تساءلت كثيرا لماذا يضطر الأستاذ الجامعي الباحث الى العمل النقابي؟..المنطق يقول أن الدولة هي الضمان لمكانته الأدبية و العلمية و المادية...خاصة و أنه الأعلى في سلم الشهائد و الكفاءة...و يعتبر أمنا قوميا و على الدولة توفير الامكانيات لعمله... لكننا اليوم نجد أنفسنا في وضعية سيئة للغاية غابت فيها الاعتبارات الأخلاقية و القيمية...و "الكرذونة" الدالة على الفاجعة التي أدمت قلوبنا و على انهيار منظومة الصحة في تونس...هي استشراف لمستقبل الجامعة العمومية...و لقد استمعت لوزيرة الصحة بالنيابة التي قالت أن البلاد الآن في حالة طوارئ خاصة بالصحة العمومية...و ههنا نقول ماذا تنتظر الدولة لتعلن حالة الطوارئ في التعليم العالي؟...إننا من خلال ما تم التطرق إليه لا نرمي إلى دق ناقوس الخطر...لأن الخطر أصبح بيننا و انتهى..و لا يجب انتظار المأساة...لأن الوضع الذي نحن عليه مثل المرض الخبيث...نخاف أن نستفيق على مراحل متقدمة منه لا شفاء منها...و حينها لن يضعوا الجامعة العمومية في "كرذونة" بل سيرمون المنظومة كاملة في حاويات القمامة غير عابئين بتضحيات أجيال و أجيال على امتداد عشرات السنين... لأن البديل موجود...الأجنبي و الخاص...
نحن قررنا الصمود دفاعا عن جامعتنا العمومية صرح المعرفة.... و عزمنا البقاء فيها من أجل بناء العقول في جامعتنا العمومية...نحيا على عهد بناة العقول السابقين....بناة هذا الوطن من رحم معاناة الملايين عبر عشرات السنين...أما نحن فعلى عهدهم باقون و لرسالتهم حافظون...وطن المعرفة....
و نحن كلنا ثقة بنجاحنا لصدقنا و مثابرتنا و إيماننا بعدالة قضيتنا... و متيقنون أنهم لن يجدوا "كرذونة" تتسع للجامعة العمومية و لجنودها ...نخبة الوطن و أهل العلم و أصحاب الفكر...
فلا عاش في تونس من خانها....و لا عاش من ليس من جندها....
محمد علي حاج طيب
كلية العلوم بصفاقس
أكتب هذه الكلمات لتكون حجة لنا و تكون حجة عليكم...




Om Kalthoum - ألف ليلة وليلة
Commentaires
1 de 1 commentaires pour l'article 179260