نصرالدين السويلمي
عدت يا يوم موته..من هذا الذي ما فتئت تذكره ركبانكم، من يكون؟ هو أصغر دكتور مهندس في العالم عن عمر 23 سنة.. حاز على دكتوراه دولة في الرياضيات وعمره 27 سنة.. ديبلوم جامعي للدراسات العلمية رياضيات وفيزياء.. شهادة الأستاذية بالرياضيات.. ديبلوم الدراسات المعمقة بباريس.. ديبلوم مهندس رئيس صناعة آلية بباريس.. دكتوراه اختصاص فيزياء نظرية بباريس.. دكتوراه دولة رياضيات..مدرس و مؤسس و مدير قسم الرياضيات بجامعة صفاقس.. عضو بالمجلس العلمي وبلجان الانتداب ..أستاذ بمعهد الرسكلة و التكوين المستمر بتونس.. من مؤسسي المدرسة القومية للمهندسين.. كاتب عام مؤسس لنقابة التعليم العالي بصفاقس.. مقرر بمركزية الرياضيات ببرلين و متشقن بالولايات المتحدة الأمريكية.. أستاذ زائر بجامعة مريلند الأمريكية و المركز الدولي للفيزياء النظرية بإيطاليا.. عضوا بالمركز القومي للبحث العلمي بفرنسا .. عضوا بالمركز الدولي للفيزياء النظرية بتريستا، يونسكو و الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. عضو إتحاد الفيزيائيين والرياضيين العرب.. عضو مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.. أستاذ باتحاد الجامعات الناطقة بالفرنسية ببلجيكا وكندا....
كل هذا المشوار المرصع بالألقاب والمهام والانجازات احرزه عقل تونس قبل سن 34 سنة، فالعالم الجليل ولد سنة 1953 وانهى النظام مسيرته سنة 1987، اين خضع الى سلسلة من المحاكمات والسجون والمراقبة الإدارية .. حينها ارتأ نظام بن علي ايقاف العالم الزاحف نحو الالقاب والارقام القياسية، وتحويل وجهته الى السجون والتعذيب والحرمان والأمراض التي صارعها طويلا ورافقته الى ان لبى داعي ربه يوم 24 مارس 2015، قبل ذلك رفض بن علي تدخلات العديد من النوادي العلمية حول العالم، التي رغب بعضها في الاستفادة من علم الرجل، طالبوا فقط بجواز سفر واطلاق سراحه وهم يتكفلون بالباقي، لكن بن علي كان قرر ان يحرم العالم والعلم من عقل تونس، كما رفض تدخل وزير التعليم العالي سابقاً بفرنسا عالم الرياضيات المعروف ،لورونت شوارتز، قبلها وبعدها عمل عقل تونس في مجالات مختلفة، ليطعم أولاده ويكسّر حصار التجويع ، حصار الاذلال، حينها استعمل العالم الجليل احد اغرب الاسلحة واكثرها طرافة، استعمل راجمات المعدنوس لكسر الحصار وجلب الحليب والخبز لأبنائه!! إنهم يقاتلونه بمقدرات الدولة ويقاتلهم بربطة خضرة! تلك هي معارك العلماء مع الطواغيت، عادة ما تخاض تحت شعار السهل الممتنع.
ظل المرض يلازم عقل تونس، وظل العقل على قيد الحياة، رغم أهوال الحصار والسجون، رغم الألم ، رغم الموت الذي حوم كثيرا، إلا ان الأقدار كانت تخبئ الاجمل والارقى للرجل، كأنّ الله ابى ان يرحل العقل الجليل، قبل ان يرد عليه هيبة العالم، كأنّ الله اختبره حين رفعه الى درجة العالمية بعقله وعلمه، ثم اختبره حين امتحنه بأهوال السجون، ثم اختبره لما اشتد الحصار، واختبره يوم غابت الاسلحة من على وجه الأرض ولم يبقى غير المعدنوس، فاستعمله العالم بطيب خاطر، قهر به الجوع، وقبل ذلك قهر به بن علي وقوافل العار التي كانت تنعم بالذل تحت حذاء الجنرال السميك.. ويكأنّ الله أجّل الموت الى ما بعد تكريم الرجل في صفاقس، في تونس، داخل النهضة، بين طلبته في رحاب الجامعة التي بعثها قبل عقود، في النوادي العلمية وبين العلماء وفي قلب العقول، ثم وقبل ان تغرب شمس العقل المجاهد، كرمه الله بوزارة التعليم العالي، وكأنّ المولى قرر ان يختم مسيرة راهب العلم بالتوزير في وزارة العلم.. ثم لم يلبث العالم طويلا في دنيا الناس، لقد قرر الله واستجاب الراهب ، ثم انه وذات مارس، نزل عقل تونس ضيفا على رب العزة....
يـــــا الله ، من الذي اعتلى سلم العلم ونال شرف السجن في سبيل الله ونزل الى اسواق الغلابة يسترزق من رزقهم الطاهر الممزوج بالعرق النقي، ثم صعد الى منابر التوزير ليقود النخبة..من ذا الذي حاز كل تلك الألقاب ثم اذا تحدث اليه الطفل الصغير رأيته يُغالب علامات الحياء...عجيب هل يغلب الحياء عقول العلماء! أي نعم ويغلب الحياء عقول الأنبياء ، تلك خصلة من خصال الرسل...الى الجنة ايها العقل الجميل..إلى الجنة.
يحكى أنه وعندما طوعت للرجال أنفسهم وشرعوا في إنزال العقل الطاهر الى القبر، حاول بعض طلاب واحباب العالم الجليل، سرقة ابتسامته الجميلة، حتى لا تدفن معه وحتى يستفيد منها العالم في زرع البسمة وسط المحنة، لكن القبر تمسك بجميع مستحقاته، فاستسلم الاحباب أمام التراب.
رددها الشاعر بالأمس ونرددها اليوم..
ماتــوا ومــا الأيــامُ بــعـدَ فــراقــهـم
إلا انـتــظــارُ لــقــائِــهـم ،ولـقد عَبــرْ
ألــمُ الــــفــراقِ بـــــلا وداعٍ قـــاتـــلٌ
لــكــن مــن الأحــزانِ لـيسَ لنا مـفــرْ
مـن ذا قضى من دونِ حزنٍ عـــمـرهُ؟
أوعــاشَ دونَ صـــبابــةٍ وبــلا ســهرْ
لــو كـانــت الــدنــيا تــطيبُ لأهلـهـا
لاخــتارهــا ربُ الـــسـماءِ لنا الـمـقـرْ
لـكـنـهـا مـحــضُ ابـــتـــلاءٍ لـلـــورى
لـــيرى ويـجــزي كلَ عـبدٍ قـد صــبرْ

رسالة نادرة من عقل تونس إلى أبنائه
"بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله
أبنائي الأعزاء سلام الله عليكم و رحمته و بركاته
قريبا ستعودون للدراسة بحول الله تعالى أرجو أن لا يكون غيابي عنكم للمرة الثالثة في السنة الدراسية سلبيا و أرجو أن تكونوا عند حسن ظني بكم في طاعة أمكم و مثابرتكم و نشاطكم و جدية عملكم حتى تصلوا إلى الغاية المنشودة و أدعو الله عز و جل أن يهديكم سبل الفوز و النجاح و أن يبصركم لما فيه الخير و الفلاح و أن يرشدكم طريق الهدى. أبنائي الأعزاء أعلموا أن خبر خير يأتيني منكم يخفف عني ألامي و يضمد جراحي في هذه المحنة المسلطة علي أسأل الله ان يظهر لنا حقنا كاملا غير منقوص و أن يتولى امرنا إنه نعم المولى و نعم البصير فعليكم بطاعة أمكم و العمل بنصائح معلميكم و حسن الخلق مع جميع الناس و أسألوا أمكم عن سلوكي عندما كنت تلميذا مثلكم فأرجوا أن تكونوا كذلك و يمكنكم أن تبعثوا كل اسبوع رسالة لأن زيارتكم اثناء الدراسة غير ممكنة و قد يعجل الله بعودتي لكم في وقت قريب فهو حاكم الحاكمين و لا يستشير في حكمه احدا و لا يصعب عليه امر يقول للشيء كن فيكون . أوصيكم بأختكم خيرا أعينوها و خذوا بيدها.
ختاما بلغوا سلامي إلى أمي العزيزة و إلى جدتكم العكري و إلى عماتكم و خالاتكم و خالكم الطيب و جدكم الحاج... و كل الجيران و لا تنسوا سلامي الحار إلى الرجل البطل الهمام و الفارس المقدام السيد عباس و غلى مريم العزيزة
و السلام
سجن 9 افريل سنة 1988 "
عدت يا يوم موته..من هذا الذي ما فتئت تذكره ركبانكم، من يكون؟ هو أصغر دكتور مهندس في العالم عن عمر 23 سنة.. حاز على دكتوراه دولة في الرياضيات وعمره 27 سنة.. ديبلوم جامعي للدراسات العلمية رياضيات وفيزياء.. شهادة الأستاذية بالرياضيات.. ديبلوم الدراسات المعمقة بباريس.. ديبلوم مهندس رئيس صناعة آلية بباريس.. دكتوراه اختصاص فيزياء نظرية بباريس.. دكتوراه دولة رياضيات..مدرس و مؤسس و مدير قسم الرياضيات بجامعة صفاقس.. عضو بالمجلس العلمي وبلجان الانتداب ..أستاذ بمعهد الرسكلة و التكوين المستمر بتونس.. من مؤسسي المدرسة القومية للمهندسين.. كاتب عام مؤسس لنقابة التعليم العالي بصفاقس.. مقرر بمركزية الرياضيات ببرلين و متشقن بالولايات المتحدة الأمريكية.. أستاذ زائر بجامعة مريلند الأمريكية و المركز الدولي للفيزياء النظرية بإيطاليا.. عضوا بالمركز القومي للبحث العلمي بفرنسا .. عضوا بالمركز الدولي للفيزياء النظرية بتريستا، يونسكو و الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. عضو إتحاد الفيزيائيين والرياضيين العرب.. عضو مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.. أستاذ باتحاد الجامعات الناطقة بالفرنسية ببلجيكا وكندا....
كل هذا المشوار المرصع بالألقاب والمهام والانجازات احرزه عقل تونس قبل سن 34 سنة، فالعالم الجليل ولد سنة 1953 وانهى النظام مسيرته سنة 1987، اين خضع الى سلسلة من المحاكمات والسجون والمراقبة الإدارية .. حينها ارتأ نظام بن علي ايقاف العالم الزاحف نحو الالقاب والارقام القياسية، وتحويل وجهته الى السجون والتعذيب والحرمان والأمراض التي صارعها طويلا ورافقته الى ان لبى داعي ربه يوم 24 مارس 2015، قبل ذلك رفض بن علي تدخلات العديد من النوادي العلمية حول العالم، التي رغب بعضها في الاستفادة من علم الرجل، طالبوا فقط بجواز سفر واطلاق سراحه وهم يتكفلون بالباقي، لكن بن علي كان قرر ان يحرم العالم والعلم من عقل تونس، كما رفض تدخل وزير التعليم العالي سابقاً بفرنسا عالم الرياضيات المعروف ،لورونت شوارتز، قبلها وبعدها عمل عقل تونس في مجالات مختلفة، ليطعم أولاده ويكسّر حصار التجويع ، حصار الاذلال، حينها استعمل العالم الجليل احد اغرب الاسلحة واكثرها طرافة، استعمل راجمات المعدنوس لكسر الحصار وجلب الحليب والخبز لأبنائه!! إنهم يقاتلونه بمقدرات الدولة ويقاتلهم بربطة خضرة! تلك هي معارك العلماء مع الطواغيت، عادة ما تخاض تحت شعار السهل الممتنع.
ظل المرض يلازم عقل تونس، وظل العقل على قيد الحياة، رغم أهوال الحصار والسجون، رغم الألم ، رغم الموت الذي حوم كثيرا، إلا ان الأقدار كانت تخبئ الاجمل والارقى للرجل، كأنّ الله ابى ان يرحل العقل الجليل، قبل ان يرد عليه هيبة العالم، كأنّ الله اختبره حين رفعه الى درجة العالمية بعقله وعلمه، ثم اختبره حين امتحنه بأهوال السجون، ثم اختبره لما اشتد الحصار، واختبره يوم غابت الاسلحة من على وجه الأرض ولم يبقى غير المعدنوس، فاستعمله العالم بطيب خاطر، قهر به الجوع، وقبل ذلك قهر به بن علي وقوافل العار التي كانت تنعم بالذل تحت حذاء الجنرال السميك.. ويكأنّ الله أجّل الموت الى ما بعد تكريم الرجل في صفاقس، في تونس، داخل النهضة، بين طلبته في رحاب الجامعة التي بعثها قبل عقود، في النوادي العلمية وبين العلماء وفي قلب العقول، ثم وقبل ان تغرب شمس العقل المجاهد، كرمه الله بوزارة التعليم العالي، وكأنّ المولى قرر ان يختم مسيرة راهب العلم بالتوزير في وزارة العلم.. ثم لم يلبث العالم طويلا في دنيا الناس، لقد قرر الله واستجاب الراهب ، ثم انه وذات مارس، نزل عقل تونس ضيفا على رب العزة....
يـــــا الله ، من الذي اعتلى سلم العلم ونال شرف السجن في سبيل الله ونزل الى اسواق الغلابة يسترزق من رزقهم الطاهر الممزوج بالعرق النقي، ثم صعد الى منابر التوزير ليقود النخبة..من ذا الذي حاز كل تلك الألقاب ثم اذا تحدث اليه الطفل الصغير رأيته يُغالب علامات الحياء...عجيب هل يغلب الحياء عقول العلماء! أي نعم ويغلب الحياء عقول الأنبياء ، تلك خصلة من خصال الرسل...الى الجنة ايها العقل الجميل..إلى الجنة.
يحكى أنه وعندما طوعت للرجال أنفسهم وشرعوا في إنزال العقل الطاهر الى القبر، حاول بعض طلاب واحباب العالم الجليل، سرقة ابتسامته الجميلة، حتى لا تدفن معه وحتى يستفيد منها العالم في زرع البسمة وسط المحنة، لكن القبر تمسك بجميع مستحقاته، فاستسلم الاحباب أمام التراب.
رددها الشاعر بالأمس ونرددها اليوم..
ماتــوا ومــا الأيــامُ بــعـدَ فــراقــهـم
إلا انـتــظــارُ لــقــائِــهـم ،ولـقد عَبــرْ
ألــمُ الــــفــراقِ بـــــلا وداعٍ قـــاتـــلٌ
لــكــن مــن الأحــزانِ لـيسَ لنا مـفــرْ
مـن ذا قضى من دونِ حزنٍ عـــمـرهُ؟
أوعــاشَ دونَ صـــبابــةٍ وبــلا ســهرْ
لــو كـانــت الــدنــيا تــطيبُ لأهلـهـا
لاخــتارهــا ربُ الـــسـماءِ لنا الـمـقـرْ
لـكـنـهـا مـحــضُ ابـــتـــلاءٍ لـلـــورى
لـــيرى ويـجــزي كلَ عـبدٍ قـد صــبرْ

رسالة نادرة من عقل تونس إلى أبنائه
"بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله
أبنائي الأعزاء سلام الله عليكم و رحمته و بركاته
قريبا ستعودون للدراسة بحول الله تعالى أرجو أن لا يكون غيابي عنكم للمرة الثالثة في السنة الدراسية سلبيا و أرجو أن تكونوا عند حسن ظني بكم في طاعة أمكم و مثابرتكم و نشاطكم و جدية عملكم حتى تصلوا إلى الغاية المنشودة و أدعو الله عز و جل أن يهديكم سبل الفوز و النجاح و أن يبصركم لما فيه الخير و الفلاح و أن يرشدكم طريق الهدى. أبنائي الأعزاء أعلموا أن خبر خير يأتيني منكم يخفف عني ألامي و يضمد جراحي في هذه المحنة المسلطة علي أسأل الله ان يظهر لنا حقنا كاملا غير منقوص و أن يتولى امرنا إنه نعم المولى و نعم البصير فعليكم بطاعة أمكم و العمل بنصائح معلميكم و حسن الخلق مع جميع الناس و أسألوا أمكم عن سلوكي عندما كنت تلميذا مثلكم فأرجوا أن تكونوا كذلك و يمكنكم أن تبعثوا كل اسبوع رسالة لأن زيارتكم اثناء الدراسة غير ممكنة و قد يعجل الله بعودتي لكم في وقت قريب فهو حاكم الحاكمين و لا يستشير في حكمه احدا و لا يصعب عليه امر يقول للشيء كن فيكون . أوصيكم بأختكم خيرا أعينوها و خذوا بيدها.
ختاما بلغوا سلامي إلى أمي العزيزة و إلى جدتكم العكري و إلى عماتكم و خالاتكم و خالكم الطيب و جدكم الحاج... و كل الجيران و لا تنسوا سلامي الحار إلى الرجل البطل الهمام و الفارس المقدام السيد عباس و غلى مريم العزيزة
و السلام
سجن 9 افريل سنة 1988 "




Om Kalthoum - ألف ليلة وليلة
Commentaires
7 de 7 commentaires pour l'article 179256