محمد فضل الله الزغلامي
ها أنا الآن، أقف أمام المرآة.. تشير الساعة إلى الرابعة صباحا.
هي ليلة أخرى من ألف ليلة لا أعرف فيها طعم النوم ، أو أنني ربما أتعمد السهر حتى الضحى لأمضي باقي اليوم مغمض العينين.
مرّت أكثر من ربع ساعة ولازلت أمام المرآة، أحدّق في الوشم الثالث على جسدي النحيل.
أفكر.. من كان يتصور أن الوشم سيغطي جسد فتًا عادي مثلي؟
وشم هو الثالث في ظرف ثلاث سنوات، تحديدا منذ أن أدمنت الألم.. ألم مادي، يترك أثره في شتى أنحاء جسدي، يلازمني لأيام لينسيني ألما آخر معنوي، يأبى منذ مدة أن يتركني في حال سبيلي، يحتل عقلي وفؤادي، لا دواء قادر على طرده، فتراني، إذا ما تلى القمر الشمس، أتخذ ركنا من غرفتي الصغيرة، أضغط بيدي على ركبتي وأبكي لساعات كالمجانين. أو لعلي واحد منهم.
ها أنا الآن، أقف أمام المرآة وأفكر.. من كان يتصور أن ذلك الفتى الرصين، كما وصفتني والدتي دائما، قائلة أني على خلاف شقيقي الأصغر، أطيعها في كل صغيرة وكبيرة ولم أسبب لها القلق يوما، ظنا منها أنها بقولها هذا تمدحني.. أفكر.. من كان يتصور أن فتى كهذا، سيتشبه بأقران السوء؟
حقيقة لا أعلم إن كان الأمر إيجابيا أم سلبيا. أقصد تحولي من فتى "عادي" إلى فتى "خبيث". وللتوضيح هنا فإنه إذا ما قيل في وطني عن شخصٍ ما بأنّه عادي، فقد ذُم. وأما إذا وصِف بالخبيث، فقد تمّ مدحه.
كما قلت، لا أعلم إذا ما كان الأمر إيجابيا أم سلبيا، لكن، ما أنا على يقين منه أني أتخلص رويدا من الألم المعنوي الذي حدثتكم عنه.
لا تستعجلوا، اعلى بأنكم تتساءلون الآن، عن علاقة ثورات الربيع العربي بما اقوله، خاصة وأني ذكرتها في عنوان هذا النص.. إليكم علاقتها.
مع ثورات الربيع العربي، ولأكون دقيقا هنا، قبل أن يقرر بشار الأسد رسم مشاهد مروعة لجثث متفحمة، لا ملامح لها، ولأطفال بالكاد يتنفسون، بفعل الكيمياوي ومع احتلال دبابات عبد الفتاح السيسي، ميدان "التحرير"، وأثناء اكتشافي لشخصيّة خليفة حفتر، وصولاً إلى تحليق طائرات التحالف العربي في سماء اليمن. قبل كل هذا وأثناءه، كنت أبكي، نعم أبكي، لمجرد ان يصفع جندي صهيوني مثلا، كهلا فلسطينيا.
صورة كالتي ذكرتها للتو، كانت كفيلة بأن تضيق الخناق على قلبي لأيام متتالية.
أذكر أني، لدى مشاهدتي لأسماء البلتاجي تحتضر، لم أبتسم لأشهر، وكنت مع كل رغيف خبز يعبر حلقي، أراها تبكي اينما أشيح بوجهي.. فأشعر بالذنب، وكأنّيٓ قاتلها.
مرضي هذا، بدأ مع ثورات الربيع العربي، وهاهو ينتهي بنهايتها على ما أعتقد. تلك الثورات التي صورت لي بأني مركز الأمة..
مهلا دعوني لا ابالغ، لا اقصد فعلا مركزها، ولكن هوسي بها وصل بي إلى درجة الاهتمام بكل تفصيل يجدّ بمصر واليمن وسوريا وليبيا وتونس، والعالم بأسره. أبحث، مثلا، عما إذا كان فوز "هيلاري كلينتون" بالرئاسيات في الولايات المتحدة الأمريكية سيكون في صالحي كمواطن في الشرق الاوسط أم هو وبال علي وعلى أبنائي في المستقبل.
أقدر، من هو المسؤول عن تخريب المنشآت العمومية في مصر وما هدفه من دفع الناس نحو الخروج ضد محمد مرسي.
امضي وقتا ليس بقصير، أقرأ توقعات المحللين.. هي سيصبح وطني كالسويد بعد أن تخلصنا من الديكتاتورية؟ ألتهم مقالات السياسة والاقتصاد والثقافة وأتحدث في كل شيء.
كانت حالتي تسوء يوماً بعد يوم! اصبح كل شيء بالنسبة إلي متعلق بالرابع عشر من شهر جانفي لسنة 2011.
كنت افرح لكل انتخابات، اينما كانت، تسكرني مظاهر الحرية والدينقراطية حد الثمالة.. وكنت أموت إذا مات مواطن مصري. يموت هو مرة فأموت أنا مرات ومرات.
كنت أتضور جوعا إذا ما فقد طفل يمني وزنه، وكلما أكلتُ أكثر، أجوع أكثر فأكثر، إلى أن اشرأب وجهي وصار قاتم اللون. تخالني مدمنا للمخدرات.
كنت أختنق، إذا ما اختنقت نساء سوريا، يختنقن هن لدقائق فأختنق أنا لساعات.
بقيت على تلك الحال، إلى حدود يوم الناس هذا، لا، قبل اسبوع على ما أظن، أي عندما أعلن الجزائريون رفضهم ترشح عبد العزيز بوتفليقة، لعهدة خامسة. وجدتني، وعلى غير السنوات الأخيرة غير متحمس، بل أكثر من ذلك، لم ولا أولي الأمر اي اهتمام.. بل أكثر من ذلك ايضا، أجدني أردّد في نفسي ليتهم يتراجعون.
ولا أحفيكم سرا، أمس، او اليوم، لا أعرف.. اظن أن يومي هو أمسكم، فأنتم نائمون الآن، بينما لم أستيقظ أنا إلا منذ ساعات قليلة.
المهم، اليوم، رأيت جثثا في مصر وقد نهشتها النيران. فلم أتأثر.
اظنني شفيت فعلا!
أعلم أن ما أتفوه به الآن ضرب من الجنون، بالنسبة لكم على الأقل.
سأراعي مشاعركم، لن أقول بأني صرتُ أفرح لكل روح عربية تنتقل إلى جوار ربها، بعيدًا عن عذابات الدنيا. لكن، ولأكون صريحا، الموت تحولت في نظري من طامة، إلى منفذ، أو مخرج، أو طوق نجاة. الموت تحولت في نظري إلى حياة حقيقية!
أظنني شفيتُ فعلا، صحيح أن أفكاري تماما كما يبدو هذا النص.
ولعله فعلا مشوش، لست ادري. أعتقد بأنها أعراض شفائي، فما مررت به ليس بيسير. أن تكون "عاديا" ثم تتحول إلى "خبيث" ليس أمرا سهلا.
أنا الآن لست متأكدا من كل شيء، لكني اخيرا لا اشعر باي ألم معنوي!
في فيلم "الحريف"، جلس عادل إمام، وقد كان يجسد شخصية فارس، إلى والده الذي اتخذ مسكنا فوق سطح بناية، قائلا :"أمي ماتت..".
ببرود، يطلب والده منه سيجارة، ويجيب "كلنا هنموت". يواصل الأب :"ساعات بنموت قبل الموت بكثير".
أظنني مثله، نجوت مؤخرا ومت مؤخرًا، معنويا على الأقل، في انتظار المنفذ الحقيقي الذي سيأخذني حيث يخبر ذلك الصغير السوري ربه بكل شيء.
انا الآن لا اشعر بأي الم معنوي!! لا اشعر بالخوف من المستقبل، لاول مرة! ذاك التشاؤم الذي كبلني طويلا، اختفى!
اليوم، أشعر بأني مستعد لما هو أسوء مما رايته في اليمن ومصر وسوريا وليبيا، وبالمنسابة، اراه قريبا.. قريبا جدا.
ها أنا الآن، أقف أمام المرآة.. تشير الساعة إلى الرابعة صباحا.
هي ليلة أخرى من ألف ليلة لا أعرف فيها طعم النوم ، أو أنني ربما أتعمد السهر حتى الضحى لأمضي باقي اليوم مغمض العينين.
مرّت أكثر من ربع ساعة ولازلت أمام المرآة، أحدّق في الوشم الثالث على جسدي النحيل.
أفكر.. من كان يتصور أن الوشم سيغطي جسد فتًا عادي مثلي؟
وشم هو الثالث في ظرف ثلاث سنوات، تحديدا منذ أن أدمنت الألم.. ألم مادي، يترك أثره في شتى أنحاء جسدي، يلازمني لأيام لينسيني ألما آخر معنوي، يأبى منذ مدة أن يتركني في حال سبيلي، يحتل عقلي وفؤادي، لا دواء قادر على طرده، فتراني، إذا ما تلى القمر الشمس، أتخذ ركنا من غرفتي الصغيرة، أضغط بيدي على ركبتي وأبكي لساعات كالمجانين. أو لعلي واحد منهم.
ها أنا الآن، أقف أمام المرآة وأفكر.. من كان يتصور أن ذلك الفتى الرصين، كما وصفتني والدتي دائما، قائلة أني على خلاف شقيقي الأصغر، أطيعها في كل صغيرة وكبيرة ولم أسبب لها القلق يوما، ظنا منها أنها بقولها هذا تمدحني.. أفكر.. من كان يتصور أن فتى كهذا، سيتشبه بأقران السوء؟
حقيقة لا أعلم إن كان الأمر إيجابيا أم سلبيا. أقصد تحولي من فتى "عادي" إلى فتى "خبيث". وللتوضيح هنا فإنه إذا ما قيل في وطني عن شخصٍ ما بأنّه عادي، فقد ذُم. وأما إذا وصِف بالخبيث، فقد تمّ مدحه.
كما قلت، لا أعلم إذا ما كان الأمر إيجابيا أم سلبيا، لكن، ما أنا على يقين منه أني أتخلص رويدا من الألم المعنوي الذي حدثتكم عنه.
لا تستعجلوا، اعلى بأنكم تتساءلون الآن، عن علاقة ثورات الربيع العربي بما اقوله، خاصة وأني ذكرتها في عنوان هذا النص.. إليكم علاقتها.
مع ثورات الربيع العربي، ولأكون دقيقا هنا، قبل أن يقرر بشار الأسد رسم مشاهد مروعة لجثث متفحمة، لا ملامح لها، ولأطفال بالكاد يتنفسون، بفعل الكيمياوي ومع احتلال دبابات عبد الفتاح السيسي، ميدان "التحرير"، وأثناء اكتشافي لشخصيّة خليفة حفتر، وصولاً إلى تحليق طائرات التحالف العربي في سماء اليمن. قبل كل هذا وأثناءه، كنت أبكي، نعم أبكي، لمجرد ان يصفع جندي صهيوني مثلا، كهلا فلسطينيا.
صورة كالتي ذكرتها للتو، كانت كفيلة بأن تضيق الخناق على قلبي لأيام متتالية.
أذكر أني، لدى مشاهدتي لأسماء البلتاجي تحتضر، لم أبتسم لأشهر، وكنت مع كل رغيف خبز يعبر حلقي، أراها تبكي اينما أشيح بوجهي.. فأشعر بالذنب، وكأنّيٓ قاتلها.
مرضي هذا، بدأ مع ثورات الربيع العربي، وهاهو ينتهي بنهايتها على ما أعتقد. تلك الثورات التي صورت لي بأني مركز الأمة..
مهلا دعوني لا ابالغ، لا اقصد فعلا مركزها، ولكن هوسي بها وصل بي إلى درجة الاهتمام بكل تفصيل يجدّ بمصر واليمن وسوريا وليبيا وتونس، والعالم بأسره. أبحث، مثلا، عما إذا كان فوز "هيلاري كلينتون" بالرئاسيات في الولايات المتحدة الأمريكية سيكون في صالحي كمواطن في الشرق الاوسط أم هو وبال علي وعلى أبنائي في المستقبل.
أقدر، من هو المسؤول عن تخريب المنشآت العمومية في مصر وما هدفه من دفع الناس نحو الخروج ضد محمد مرسي.
امضي وقتا ليس بقصير، أقرأ توقعات المحللين.. هي سيصبح وطني كالسويد بعد أن تخلصنا من الديكتاتورية؟ ألتهم مقالات السياسة والاقتصاد والثقافة وأتحدث في كل شيء.
كانت حالتي تسوء يوماً بعد يوم! اصبح كل شيء بالنسبة إلي متعلق بالرابع عشر من شهر جانفي لسنة 2011.
كنت افرح لكل انتخابات، اينما كانت، تسكرني مظاهر الحرية والدينقراطية حد الثمالة.. وكنت أموت إذا مات مواطن مصري. يموت هو مرة فأموت أنا مرات ومرات.
كنت أتضور جوعا إذا ما فقد طفل يمني وزنه، وكلما أكلتُ أكثر، أجوع أكثر فأكثر، إلى أن اشرأب وجهي وصار قاتم اللون. تخالني مدمنا للمخدرات.
كنت أختنق، إذا ما اختنقت نساء سوريا، يختنقن هن لدقائق فأختنق أنا لساعات.
بقيت على تلك الحال، إلى حدود يوم الناس هذا، لا، قبل اسبوع على ما أظن، أي عندما أعلن الجزائريون رفضهم ترشح عبد العزيز بوتفليقة، لعهدة خامسة. وجدتني، وعلى غير السنوات الأخيرة غير متحمس، بل أكثر من ذلك، لم ولا أولي الأمر اي اهتمام.. بل أكثر من ذلك ايضا، أجدني أردّد في نفسي ليتهم يتراجعون.
ولا أحفيكم سرا، أمس، او اليوم، لا أعرف.. اظن أن يومي هو أمسكم، فأنتم نائمون الآن، بينما لم أستيقظ أنا إلا منذ ساعات قليلة.
المهم، اليوم، رأيت جثثا في مصر وقد نهشتها النيران. فلم أتأثر.
اظنني شفيت فعلا!
أعلم أن ما أتفوه به الآن ضرب من الجنون، بالنسبة لكم على الأقل.
سأراعي مشاعركم، لن أقول بأني صرتُ أفرح لكل روح عربية تنتقل إلى جوار ربها، بعيدًا عن عذابات الدنيا. لكن، ولأكون صريحا، الموت تحولت في نظري من طامة، إلى منفذ، أو مخرج، أو طوق نجاة. الموت تحولت في نظري إلى حياة حقيقية!
أظنني شفيتُ فعلا، صحيح أن أفكاري تماما كما يبدو هذا النص.
ولعله فعلا مشوش، لست ادري. أعتقد بأنها أعراض شفائي، فما مررت به ليس بيسير. أن تكون "عاديا" ثم تتحول إلى "خبيث" ليس أمرا سهلا.
أنا الآن لست متأكدا من كل شيء، لكني اخيرا لا اشعر باي ألم معنوي!
في فيلم "الحريف"، جلس عادل إمام، وقد كان يجسد شخصية فارس، إلى والده الذي اتخذ مسكنا فوق سطح بناية، قائلا :"أمي ماتت..".
ببرود، يطلب والده منه سيجارة، ويجيب "كلنا هنموت". يواصل الأب :"ساعات بنموت قبل الموت بكثير".
أظنني مثله، نجوت مؤخرا ومت مؤخرًا، معنويا على الأقل، في انتظار المنفذ الحقيقي الذي سيأخذني حيث يخبر ذلك الصغير السوري ربه بكل شيء.
انا الآن لا اشعر بأي الم معنوي!! لا اشعر بالخوف من المستقبل، لاول مرة! ذاك التشاؤم الذي كبلني طويلا، اختفى!
اليوم، أشعر بأني مستعد لما هو أسوء مما رايته في اليمن ومصر وسوريا وليبيا، وبالمنسابة، اراه قريبا.. قريبا جدا.




Om Kalthoum - ألف ليلة وليلة
Commentaires
1 de 1 commentaires pour l'article 178311