لماذا تغيب السياسة عن البرامج السياسية؟



بقلم الأستاذ بولبابه سالم

رغم تعدد البرامج السياسية في مختلف وسائل الاعلام المرئية و المسموعة سواء كانت عمومية او خاصة فإن نسبة متابعتها تراجعت مقارنة بالسنوات الاولى للثورة .


من أهم الاسباب ان تلك البرامج سياسوية اكثر منها سياسية ،، تعني السياسوية بناء البرامج على تصريحات من هنا و هناك لتحليلها و نقدها و ابراز المواقف منها ، و في الغالب يتم ترذيل تلك المواقف و التصريحات المنسوبة الى اي مسؤول في الدولة او شخصية عامة او معارضة و احيانا السخرية منها حسب الخلفية الفكرية و السياسية للقائل و طبيعة الخط التحريري للقناة او الاذاعة او الميول الذاتية لمقدم البرنامج ، و قد نجد غمزا و لمزا وراء الكاميرا بين المنشط و ضيوفه من محللين تختارهم ادارة التحرير على المقاس .


اما السياسة في معناها العام فهي تدبير شؤون الناس و معالجة مشاغلهم و التفاعل مع تطلعاتهم و سؤال الفاعلين السياسيين عن برامج احزابهم لحلحلة مشاكل التونسيين و تقديم بدائل واقعية دون تنظيرات طوباوية .

لسنا في حاجة للتذكير بصعوبة الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية التي يعيشها الشعب ، و من يعايش الناس يلمس تذمرهم من غلاء المعيشة و صعوبة الحصول على مسكن ،، هذا دون اعتبار مشاكل التشغيل و اختلال التوازن بين الجهات في مجال التنمية ،، و ها قد عاد وزير الاستثمار مؤخرا بمشاريع لانجاز الميترو الخفيف في الوطن القبلي ، و بناء المدينة الادارية بالعقبة في الضاحية الغربية للعاصمة اضافة الى الشروع في انجاز ميناء النفيضة الضخم ،،، سيكون اغلب العمال من مناطق الشمال الغربي المهمش و الذي يحتاج الى تنمية حقيقية تدعم استقرار السكان في مدنهم .
في هذا الخضم ياتي أحدهم و قد يكون من تلك المناطق المهمشة لا ليسأل عن اسباب تواصل التهميش و عدم وصول قطار التنمية و التمييز الايجابي المطلوب ، بل ليسأل ضيوفه عن المشروع المجتمعي و المواقف من المساواة في الميراث ،، قضايا ايديولوجية تجاوزها التونسيون بعد كتابة دستور 27 جانفي 2014 الذي صفق له كل العالم .

بدأ التونسيون يهجرون تلك البرامج لأنها لا تشبههم و لا تعبّر عن مشاغلهم و لا تجيب عن تساؤلاهم الحارقة . لقد تعبوا من الصراعات العبثية و نقاش الصالونات ، و لعل استطلاعات الرأي الاخيرة -رغم بعض التحفظات- تؤكد أن الواقع مختلف .

بعض النواب كسبوا شعبية لأن تدخلاتهم فيها دفاع عن مصالح و اولويات جهاتهم التنموية و مطالبة بتسريع المشاريع المعطلة و مراقبة لعمل الحكومة ..
اما البحث عن الاثارة فلم يعد مثيرا بعد أن تحولت بعض القنوات الخاصة الى كوكتال من مواضيع البوز.

للامانة ايضا ،هناك اعلاميون مجتهدون و قدموا الاضافة للمشهد و تجاوزوا السائد و يعملون دون أجندات خفية فتطور خطابهم و اصبحوا يستضيفون الشخصيات الوازنة مع أسئلة دقيقة و محيّنة في تفاعل راق مع المستجدات الوطنية و الآفاق المستقبلية .
رغم كل شيء، يبقى اعلامنا افضل بكثير مما يحدث في بعض الدول العربية ،،

كاتب و محلل سياسي


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 177955