رسالة إلى الشّعب الجزائريّ



محمّد الحمدي

بصفتي مواطنا مغاربيّا أسمح لنفسي بأن اتوجّه إلى أحبّتي في الجزائر
.العزيزة بهذه الرّسالة

: أحبّتي
: إليكم منّي أجمل التّحايا و أصدق المشاعر الأخويّة و بعد
بادئ ذي بدء أقول بأنّني لست وصيّا عليكم و لست مؤهّلا لأوجّهكم
أو أعطيكم دروسا في السّياسة لأنّي منكم أتعلّم و من ثراء نضالكم
التاريخيّ ضدّ الاستعمار و عملائه أستفيد لكن أردت أن أذكّركم بتجربتنا
في تونس لعلّكم تستخلصون منها بعض العِبر التي قد تساعدكم على ضبط بوصلتكم

:أحبّتي
لا يخفاكم بأنّنا في تونس خرجنا إلى الشّوارع و قدّمنا مئات الشّهداء
و سقط نظام ابن علي في 14 جانفي 2011 و كنّا نتصوّر أنّ بلادنا ستصبح
عروس جنوب المتوسّط و سننعم بالحريّة و العدالة الاجتماعيّة و الكرامة
. إضافة إلى الرّفاه بكلّ أشكاله
و ها نحن بعد ثماني سنوات من انتفاضتنا نجني الحصاد المرّ و نكتشف أنّنا
صرنا في وطن لم نعد نعرفه لأنّ كلّ شيء قد قد ساء و تردّى إلى الحضيض
: و إليكم بعضُ النِّسب التي تؤشّر إلى تدهر أوضاعنا
. لقد بلغ معدّل البطالة خلال السّنة المنصرمة إلى 15.4في المائة -

. نسبة التضخّم تجاوزت 7 في المائة .

.اليورو صار يساوي تقريبا ثلاثة دنانير و نصف -

أمّا أسعار المواد الاستهلاكيّة الضروريّة فقد عرفت ارتفاعا صاروخيّا إذ لم
يعد المواطن قادرا على استهلاك البيض فما بالك باللّحم و السّمك إذ صرنا
نكتفي بشمّهما في الأسواق ؟
و الأنكى و الأوجع أنّ التونسيّ بدأ يحسّ أنّه دخل إلى نفق مظلم لا توجد
فيه أيّة كُوّة للنّور و هذا ما جعل وتيرة نِسبة الانتحار بواسطة النّار أو الغرق
في بحر المتوسّط ترتفع بشكل جنونيّ دون أن يدفع ذلك العصابة الحاكمة
.إلى دراسة الظّاهرة لمعرفة أسبابها و البحث عن حلول للحدّ منها و تطويقها


: أحبّتي في الجزائر
إنّكم تعرفون أنّ تونس كانت متميّزة بمنظومتها التعليميّة التي أفرزت أجيالا
متسلّحة بالعقل ، راسخة أقدامها في تربتها الحضاريّة العريقة لكنّها كانت
منفتحة على إنجازات الحضارة الإنسانيّة أمّا الآن فقد تهدّم ذلك الصّرح التعليميّ
الذي بنته أجيال عديدة بعرقها و دمها و صارت جامعتنا خارج التّصنيف عالميّا
وذلك حسب آخر تصنيف أنجزه مركز الجامعات العالميّة بشنغاي سنة2019
و ممّا لا شكّ فيه فإنّ مستوانا التعليميّ سيتردّى أكثر لأنّ العصابة الحاكمة
عندنا لا تؤمن بإنجازات العلم الحديث و هي تسفّه رموزه و تكفّرهم و ترى
أنّ العلم الصّحيح تحتكره الكتب الصّفراء التي تؤمن بعدم كرويّة الأرض
.و عدم صعود الإنسان إلى القمر
من كان يتصوّر أنّ تونس الجميلة كما نعتها الشابيّ ستفقد نضارتها و رُواءها
و ستتحوّل إلى تونستان ؟

: أحبّتي
عندما نقوم بجرد للمكاسب التي جنيْناها من انتفاضتنا بعد ثماني سنوات
نجد أنّ المكسب الوحيد الذي افتَكَكْناهُ يتمثّل في حريّة التّعبير لكنّ العصابة
الحاكمة ضاقت به و هي تعمل ليلا نهارا على تصفيته و إعادتنا من جديد
إلى مربّع الاستبداد و دليلنا على ذلك ارتفاع وتيرة المحاكمات السياسيّة
.ضدّ الصّحافيين و مدوّني وسائل التّواصل الاجتماعيّ هذه الأيّام
و الأخطر من كلّ ما ذكرت هو فقدان تونس لسيادتها إذ صارت تتحكّم فيها
الدّوائر الماليّة العالميّة و صارت ترتع في ربوعنا المخابرات العالميّة
و بعد أن كانت سياستنا الخارجيّة موجّهة لخدمة مصالحنا صارت
الآن مرتبطة أشدّ الارتباط بالأحلاف الرجعيّة التي تقودها العربيّة السعوديّة
.بغطاء صهيونيّ أمريكيّ
في المحصّلة النّهائيّة نتيجة السّياسات المتّبعة من 2011 إلى الآن
فإنّ التونسيّ نقم على السّياسيين جميعا و رماهم كلّهم في سلّة واحدة
.و صار يحنّ إلى عصر الدكتاتوريّة

: أحبّتي في الجزائر
أنتم تعرفون حقّ المعرفة أنّ وطنكم مستهدف من القوى الصهيونيّة
و الاستعماريّة و الرجعيّة العربيّة و هي تعمل سرّا و علانية على
تقويض الجزائر قلعتنا الوحيدة التي ظلّت شامخة و لم تتأثّر برياح الرّبيع
العربيّ الذي تحوّل بعد الرّكوب على الانتفاضات الشعبيّة و تدجينها . إلى ربيع عبريّ

: أحبّتي
لقد عشتم ويلات العشريّة السّوداء التي دفعت فيها الجزائر ضريبة
ثقيلة من خلال الدّم المسفوح و تعطيل آلة الإنتاج الاقتصاديّ
و انعدام الأمن ممّا جعل آلافا من الأطبّاء و المهندسين و الأساتذة
الجامعيين و الصّحافيين يفرّون إلى بلدان الشّمال لكن رغم تلك
المحنة استطاعت الجزائر العظيمة أن تستردّ عافيتها و أن تقف على
ساقيها بكلّ عنفوان و أنا متأكّد أنّ تلك المحنة قد حصّنت كلّ جزائريّ
. و عمّقت وعيه الوطنيّ و جعلته غير قابل للاختراق

و آخر الكلام أقول لكم حذار أن تنساقوا وراء أعدائكم و هم كُثرُ
.و متنوّعون منهم من يعيش بينكم و منهم الوافد من بعيد و قريب
حافظوا على وطنكم و ضعوا نصْب أعينكم مصلحة الجزائر
.فوق الأفراد و الأحزاب و المذاهب و الجهات
لقد حمت الجزائر ظهرنا في تونس و آزرتنا ماديّا و معنويّا و هي الوحيدة
التي وقفت إلى جانبنا دون مقايضات و حسابات سياسويّة ضيّقة لذلك
ستبقى الجزائر في قلوب كلّ حرائر و أحرار تونس و سنكون إلى جانبكم
.دائما في السرّاء و الضرّاء
: و في الختام أهديكم هذا القصيد

:و قد قال لي صاحبي

..و عيْنُهُ ترْمُقني بعتابٍ مُريبْ

نسيتَ الجزائر..؟

!..قُلْتُ : سؤالٌ غريبْ

..أضافَ : فكمْ سنة قدْ تقضّتْ
و أنتَ بعيدٌ..؟
!..و كنتُ أظنّكَ منها قريبْ
أما زُرتَها مرّة بعد طول الفراقِ..؟
أما قد حننْتَ إليها..؟
..أجبْتُ : أنا لم أزرْها
و كيف أزورُ التي تسكنُ القلبَ..
تقاسمني شمسَ يومي من الصّبح حتّى المغيبْ..؟
..و في اللّيل تُصبح خمري
..و شعري
..دِثارِي
..و موقدَ ناري
..و ضحكةَ أمّي
!..و وجهَ الحبيبْ.



Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 177746