أطفال المدرسة ''القرآنية'' بالرقاب.. عندما يستيقظ ضمير الدولة فجأة!



بقلم: شكري بن عيسى (*)

بقاء هيكل "تعليمي" خارج عن اطار الرقابة الادارية والتربوية والثقافية والصحية، وبدون ترخيص قانوني على الأغلب، لمدة سنوات عديدة، هو أكبر عناصر الادانة لهذه الدولة التي تحرّكت اليوم بطريقة هوليودية، لتقول أنّها موجودة وحاضرة، بكل مؤسساتها القضائية والامنية والوزارية لتضرب بالحديد ضد التجاوزات، والأمر كله تناقضات لا تجعلنا نصدّق الروايات، مهما كان مصدرها وادعائها وقوّة صوتها، وما يزيد في الارتياب هو ارتباط الوقائع بمؤسسات عودتنا بعدم الاستكانة لما تقدمه، ويأتي الاعلام على رأسها وخاصة حمزة البلومي، الذي صار نموذجا للسقوط المهني السحيق خدمة للاجندات الحزبية المعلومة.


أوّل المعطيات القادمة من الداخلية في بيانها يوم الأحد ، تفيد بوجود بين المعنيين أطفال دون سن السادسة عشر منقطعين عن الدراسة، وهذا ثاني عنصر ادانة لدولة لا تلتزم بقوانينها ودستورها، ولا تحاسب مؤسساتها التعليمية والادارية والرقابية، حول التزام دستوري صريح (الفصل 16) يفرض على الدولة اجبارية تعليم الاطفال الى حدود سن السادسة عشر، ولكن أيضا البيان السردي كان كله خروقات للدستور (الفصل 23) والقانون، اذ وحده القضاء وفق الدستور يمكن أن يوجه التهم ويدين الاشخاص بعد المحاكمة العادلة، وليس الجهاز التحقيقي البحثي للداخلية، (على طريقة الشيباني الذي لازلنا ننتظر اثبات اتهاماته الباطلة لاهالينا في الكامور)، انبرى في الادانات بطريقة مسرحية من نوع "تعرض للعنف" و"سوء المعاملة" و"الاستغلال الاقتصادي"، مع نوع البهارات المعتادة مثل "الجرب" و"القمل"، التي التقفتها مباشرة "موزاييك" لتصنع منها فلما هليوديا حقق رقما فلكيا في المشاهدة (الى حد الثامنة مساء: 10 آلاف بارتاج)، دون أدنى التزام بالمعايير المهنية المستوجبة اعتبارا للقاعدة الاصولية "مصدر وحيد لا يعتبر مصدرا".

البيان أشار الى أن انطلاق المعاينات من الداخلية كان بتاريخ 29 جانفي المنقضي، أي بالارتباط مع "التحقيق" الصحفي على قناة "الحوار التونسي" في برنامج "الحقائق الاربع"، والامر تم بالتنسيق مع الهيئة الوطنية لمكافحة التعذيب والمندوب الجهوي لحماية الطفولة ومراجعة النيابة العمومية بسيدي بوزيد التي اذنت بالبحث والمعاينات، والامر انتهى بعد تنقل آخر للوحدات الامنية المختصة مع المندوب العام للطفولة وخمسة أخصائيين نفسين بتاريخ 31 جانفي، وباذن من النيابة العمومية بنقل الاطفال وايوائهم بأحد المراكز المندمجة للشباب والطفولة وتمكينهم من الرعاية المختلفة، والاحتفاظ بصاحب "المدرسة" من أجل الاتجار بالاشخاص والاستغلال الاقتصادي لاطفال والاعتداء بالعنف والاشتباه في الانتماء لتنظيم ارهابي، مع امرأة عمرها 26 البيان ادعى انها اعترفت بزواجها مع المعني خلاف الصيغ القانونية، والمعطى المقدم حول "المتمدرسين" يفيد بوجود 42 طفل بين 10 و18 سنة و27 راشدا بين 18 و35 سنة، وهذا عنصر الادانة الثالث باستمرار أطفال دون رعاية ولا حماية لسنوات في خرق لما يقتضيه الدستور في فصله 47.



الحقيقة أنّ حملات التشكيك في سلامة الاجراءات وحياد الادارة والقضاء منذ نقل الاطفال لتونس بطريقة غريبة وصادمة، اضافة لتأكّد أخبار الفحوصات الشرجية، ولم تكن الحملات والحملات المضادة في انفصال مع الانتماءات الايديولوجية، ولكن الأمر بدا محل شكوك قوية لمعطى أساسي وهو التحرّك الاستعراضي لمؤسسات الدولة، خلاف الحالات السابقة المشابهة والأكثر خطورة حتى مثل الاعتداء بالفاحشة على اطفال في رياض اطفال، وقضية التعذيب الوحشية في مركز أطفال التوحد السنة المنقضية، ما جعل الأمر يبدو من زاوية استهداف الدين وكل ما له علاقة بالمعتقد الاسلامي، والاستفهامات والضبابية تتكثف، خاصة بوجود دولة مستقيلة في حماية الطفولة بشكل واسع، مع انتشار حالات الاتجار بالطفولة والتشرد والاستغلال في العمل وحتى جنسيا، اضافة لانتشار المخدرات وحالات الانتحار المتزايدة.


والامر فيه تناقض وازدواجية في التعامل من سلطة مفترض ان تلتزم الدستور والقانون وخاصة مبدأ المساواة (فصل 21 من الدستور)، وخاصة الحياد ازاء كل القضايا مثلما يقتضيه الدستور (الفصل 15)، وهو ما جعلها في مأزق حقيقي بقطع النظر عن حقيقة وجود مخالفات وجرائم من عدمه، أمّا الأمر الآخر الذي أثّر وعمّق الاحتقان الاجتماعي خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي هو اختفاء المنظمات الحقوقية التي ترفع شعارات التقدمية والحداثية، ولم نكد نعثر لها عن قرار مثلما حدث الأمر في قضية المثلية الجنسية (اللواط) في الفصل 230 مجلة جزائية الذي اهتزت له اغلب المنظمات الحقوقية، لكنها اليوم تغيب بشكل كامل في معظمها باستثناء العفو الدولية التي اصدرت بيان تنديد ، متعلق باحتجاز الاطفال وعملية الفحص الشرجي وعدم السماح لأوليائهم بمقابلتهم.



والطريقة الاستعراضية الحقيقة ألقت بشكوك كثيفة للبعض حول غياب الحياد ووجود شبهات "استهداف الدين"، ولكن أيضا حضور شكوك قوية حول التوظيف السياسي في فترة حساسة في سنة انتخابية حاسمة وشد سياسي حاد، في ظل احتقان سياسي واجتماعي واقتصادي عنيف، في محيط وطني طغى عليه نزاع نقابة الثانوي ووزارة التربية وتعطّل كامل للمرفق التعليمي-التربوي، وبعث حزب الشاهد في ارتباط بالسطو على شعار وطني "تحيا تونس"، ورفع تجميد مشبوه من مجلس الاتحاد الاوروبي على اموال مروان المبروك، وعلى بعد أمتار من اضراب عام بيومين، وافتقاد عديد المواد الاساسية من زيت وسكر وغاز مدعم وفرينة وسميد ارطب مدعم الخ.، اضافة لعجز الدولة الكبير عن مواجهة عواصف الثلوج في الشمال الغربي والقصرين، والامر بدا في جزء كبير للالهاء حول هذه القضايا وغيرها، وفي جزء لخلق استقطاب سياسي حاد على أساس الدين والنموذج المجتمعي يستفيد منه حزب القصبة الجديد.



والتصرف والاسلوب من الدولة اضافة الى الشكوك المسترابة حول حياديته وخدمته الصالح العام، فقد بدا مختلا مخالفا للقانون خارقا للدستور، وخاصة متناقضا غير خاضع لمبدأ المساواة الجوهري، وحكايات القمل والجرب فقد تم تسجيل مئات منها في المدارس الرسمية اضافة للالتهابات الكبدية، تضاف اليها الروضات الخاصة العشوائية وحتى الوحشية دون نسيان المدارس التي تفتقد للحماية الصحية والشروط البيداغوجية، وانتشار مدارس يهودية واجنبية دون رقابة، والأمر بدا فيه اختلال عميق بنقل عشرات الاطفال دون استشارة الاباء بما يشبه الاعتقال الجماعي، مع وجود شبهات بالضغط والتعذيب وتعتيم وعند اصدار بيانات تكون موجّهة.


والمعالجة هنا بدت متهافتة وحادت عن طريقها وصوابها، والتعمية على تقصير الدولة كان واضحا في جانب كبير، اذ وجود هذه "المدرسة" واستمرارها لسنوات مع كل المخالفات المسجلة هو أكبر ادانة للدولة، والغياب الكامل للدولة كان صارخا من من وزارة التربية الى الاسرة والطفولة الى الشباب الى الثقافة والامن والقضاء، ويبدو أنّ هذه المدرسة ليست الوحيدة فقد يكون أمثالها عشرات وربما مئات، والدولة هنا ملزمة بتأصيل الناشئة في الهوية العربية الاسلامية، وسلامة الشكل من سلامة الهدف، وما شاهدناه في هذه المسماة مدرسة ليس اساءة للتلميذ والتعليم فقط بل اساءة للدين في ذاته، بارساء تعليم خارج كل رقابة حكومية ومجتمعية ومدنية، يفتقد للقواعد البيداغوجية والتربوية والصحية، بمشرفين قد لا تتوفر فيهم الشروط الدنيا وتعريض الاطفال لمخاطر عالية، وهذا الشكل فيه تقهقر حتى على التعليم الزيتوني الأصلي الذي تم تطويره في أكثر من مرة، ليستجيب للشروط وحاجيات العصر، واضافة لذلك فهذه المواقع يمكن أن تشكّل منابع لتفريخ الارهاب وهذا هو الاخطر، ولكن أسلوب الدولة في التعامل هو الذي واجه أفعالا خاطئة وربما اجرامية بشكل خاطىء مختل وربما اجرامي.


وهذا ما يثبت أنّ "الصحوة الحكومية" مشكوك فيها ومسترابة بل غير صحيحة، وغطّت عن حقيقة وجوهر مشكل مستفحل في بلدنا، وهو الانقطاع المدرسي الذي يعد بقرابة 100 الف سنويا، وعدم التمدرس الاجباري بعشرات الالاف لمن سنهم دون 16، مع وجود تعليم عمومي لا يوفر لا الجودة ولا مستوجبات الحد الادنى للاغراء على متابعته، كما غطّت عن حقيقة الطفولة الجانحة والمشرّدة والغارقة في المخدرات، والتي تستوجب وقفة حقيقية من كل الدولة، وليس عبر هذه المعالجة الفلكلورية الاستعراضية، تحت الاستغلال الفاحش الرخيص للاعلام، مع وجود خلفيات ومقاصد باتت مكشوفة ومفضوحة، بطمس الازمة العميقة التي تتخبط فيها البلاد وتحويلها الى استقطاب حاد على أساس ايديولوجي، بات فعالا مطلع كل سنة انتخابية!!

(*) قانوني وناشط حقوقي

Commentaires


4 de 4 commentaires pour l'article 176357

Mongi  (Tunisia)  |Lundi 04 Février 2019 à 11h 40m |           

اشبيهم جماعة النمط ما يبحثوا على القذارة ويحاربوها كان كيف تبدا مربوطة (ولو بشبهة) بالمدارس القرآنية ؟؟
اشبيهم ما تكلموش على القذارة والبذاءة وقلّة الحياء والكلام البذيء إلّي موجود في قنوات العار ؟؟
اشبيهم ما تكلموش على النساء العاريات إلّي يستضيف فيهم نوفل الورتاني وسامي الفهري وبقية الشلّة متع إعلام المجاري؟؟
اشبيه ضميرهم ما يستيقظ كان على الشبهات (المقصودة) إلّي عندها علاقة بالدّين ؟؟؟

Almokh  ()  |Lundi 04 Février 2019 à 09h 29m |           
مفارقات،في نفس الأسبوع يحتفل المثليون في حفل صاخب بنزل الماجستيك بقلب العاصمة بحضور دبلوماسي و تحت الحماية الأمنيّة ٬حينها تنتهك حرمة مدرسة قرآنية بالرقاب و يحشر منسوبيها في سيارات الأمن و ينقلون إلى العاصمة على جناح السرعة و كأن أمن البلد عُرّض للخطر

Mnasser57  (Austria)  |Lundi 04 Février 2019 à 09h 28m |           
كلام غي الصميم وتحليل منطقي

MOUSALIM  (Tunisia)  |Lundi 04 Février 2019 à 08h 05m |           
أخيرا مقال متميز للكاتب ويستحق التحية والاحترام .