بقلم: شكري بن عيسى (*)
في كل مرة خلال هذه الفترة من العام، مع التئام منتدى دايفوس الاقتصادي، تكثر علينا وتتضخّم أمامنا المنشورات الممجدة لزعيم النهضة، الى حد أنّنا نخال أنفسنا في حضرة معجزة، بأنامل الغنوشي تخرجنا من واقع اليأس والاحباط العميق الذي تعيش على وقعه البلاد.
وطبعا ودون الدخول في التفصيل وحدهم المهووسون اذا لم يكونوا من صنف المتملقين او مريديه من التائهين، يعتقدون في هكذا أمر، اذ منتدى دايفوس ولد من رحم النيوليبرالية المعادية للانسان، ولا يمكن بحال أن يأتي لبلدنا بالخير ولا لأي بلد من بلدان العالم الثالث، برغم امتلاكه كل الامكانيات لذلك، ولكنه لا يمكن أن يتجاوز الفتات حتى يبقي من علويته وتفوّقه الدائم.
ودون الدخول أيضا في العراك حول ما يثار من دفع الغنوشي مقابل عالي جدا للحضور، أو الردود المقابلة التي تعلي من شأن رئيس حزب النهضة من "كبار ضيوف المنتدى"، الذي يعتبر دون معنى ولا جدوى، فالغنوشي في دايفوس فقط وفقط بفضل دماء الشهداء وثورة الجهات المهمشة، ولكن هل كان وفيا بالفعل لمطالب وشعارات الثورة، التي نشدت السيادة والكرامة الوطنية والقطع مع منوال العولمة المنكّل بانسانية الانسان؟

بالمنطق الذي يبحث عنه الغنوشي بتسويق نفسه كشخصية وازنة، دايفوس يعتبر اطارا خلابا له ولشخصه وحزبه ولانصاره ومادحيه الذين يتناسلون في ظل القحط الفكري والمعنوي السائد، أما بمنطق السيادة والكرامة والمصلحة الوطنية وقيم الثورة، فهو لا يعدو أن يكون لمزيد تكريس ارتهان الخيارات الوطنية، بطريقة حتى افظع مما كان في عهد المخلوع.
فاليوم هذه المنابر والمنتديات تختار المربكين ممن هم في السلطة او في الاحزاب، وتعلنهم ممثلين لهذه الثورات الكونية، التي تريد ان تستفيد من زخمها ومعانيها ودلالاتها وقيمها، ثم تفرغها من كل محاميلها وشحناتها، لتلقي بها في أتون الليبرالية المهيمنة، تحت تحكم الشركات العابرة للقارات، وهيمنة الدولة الكبرى، التي لا تسمح لهذه الثورات بتقرير مصيرها، وسلك النهج الوطني الاستقلالي الذي نشده الشباب الذي ضحى لاجلها.

فبعد تصريح الشاهد المسيء للشعب والشباب الذي قام بالثورة وسمح له باعتلاء رئاسة الحكومة، بتصريحه ان الشعب لم يفهم بعد الحرية والديمقراطية في علاقة بتعطيل الفسفاط، يأتي تصريح الغنوشي الذي طلب فيه من صندوق النقد الدولي التخفيض من ضغوطه على تونس حتى لا يحصل "انفجار"، والبعض من حملة البنادير انبرى مهللا مطبلا للسراب، والتوصيفات تراوحت بين "الرسالة البليغة" والمديح الصّاخب، وصفحات مونبيليز تنشر المنشورات والاشهار (السبونسوريزاسيون) يشتغل بفاعلية قصوى، الى حدّ أنّنا خلنا أن الغنوشي سيدخل علينا بـ"الفتح المبين"، الذي سيقضي معه على كل الفقر والبطالة وتخلف التنمية..
ولكن مثل العام السابق والذي قبله وحتى الذي سبقه، والدعاية الممجوجة لمشاركاته في الصدد، فالبلاد تسير من سيء الى أسوأ، الى حدّ أن التوصيفات والتشخيصات أصبحت غير قادرة عن رسم حقيقة الواقع، وكل الكلمات صارت عاجزة عن تمثل الحالة المدقعة التي عليها البلاد والعباد، والشعب لا يزال يصحو وينام على وقع التضخم والبطالة واضراب التعليم وعجز الصناديق الاجتماعية وضبابية المستقبل، ولكن ما يثير الاستياء حقيقة هو أن تونس اليوم صارت في حالة هوان دولي لا يوصف ولم يسبق له مثيل.
فتصريح الغنوشي
بالفعل لا يمكن تنزيله لا في خانة الجرأة ولا في خانة الابداع ولا غيره مما يروّج زورا وتدليسا وتزلفا ومديحا، فما اقدم عليه زعيم الحركة النهضوية، يصب في سياق الاستجداء المهين والمذل للشعب التونسي، وفيه اذلال مقيت لشعب فجر اكبر الثورات في التاريخ، فاذا بقياداته في عجز شنيع لا يقدمون الا على مد اليد وطلب المعونة، في دليل على عقم مقارباتهم وجدب أفكارهم وسياساتهم، دون الاشارة الى أنّ حزبه هو الحاكم وهو من أتى بصندوق النقد الدولي في مناسبتين، سواء في جوان 2013 خلال حكم العريض عبر قرض تحت عنوان accord de confirmation، او في ماي 2016 من خلال الية تمويل mecanisme elargi de crédit، أديا الى الانهيار الوحشي الحالي للدينار ودوامة التضخم الصاعقة.
وطبعا لا بد من أصوات المداهنة والتدليس أن تعلو، لتجعل من الهراء انجازا، والنفخ في كل ما هو عقيم لجعله ثمرات نادرة، وهي نفس الاصوات التي قادت البلاد نحو هذا الانهيار المتواصل، وعند الاستفحال تخرج علينا بنظرية الافلاس الاخرى، وبأننا تلافينا "الأسوأ" ويجب تحمل "السيء"، موجهين الاصابع يمينا وشمالا للمقارنة مع انظمة سورية او ليبية او يمنية، لا يمكن بحال مقارنتها بتونس وثورتها وتاريخها وتجانس شعبها!!
(*) قانوني وناشط حقوقي
في كل مرة خلال هذه الفترة من العام، مع التئام منتدى دايفوس الاقتصادي، تكثر علينا وتتضخّم أمامنا المنشورات الممجدة لزعيم النهضة، الى حد أنّنا نخال أنفسنا في حضرة معجزة، بأنامل الغنوشي تخرجنا من واقع اليأس والاحباط العميق الذي تعيش على وقعه البلاد.
وطبعا ودون الدخول في التفصيل وحدهم المهووسون اذا لم يكونوا من صنف المتملقين او مريديه من التائهين، يعتقدون في هكذا أمر، اذ منتدى دايفوس ولد من رحم النيوليبرالية المعادية للانسان، ولا يمكن بحال أن يأتي لبلدنا بالخير ولا لأي بلد من بلدان العالم الثالث، برغم امتلاكه كل الامكانيات لذلك، ولكنه لا يمكن أن يتجاوز الفتات حتى يبقي من علويته وتفوّقه الدائم.
ودون الدخول أيضا في العراك حول ما يثار من دفع الغنوشي مقابل عالي جدا للحضور، أو الردود المقابلة التي تعلي من شأن رئيس حزب النهضة من "كبار ضيوف المنتدى"، الذي يعتبر دون معنى ولا جدوى، فالغنوشي في دايفوس فقط وفقط بفضل دماء الشهداء وثورة الجهات المهمشة، ولكن هل كان وفيا بالفعل لمطالب وشعارات الثورة، التي نشدت السيادة والكرامة الوطنية والقطع مع منوال العولمة المنكّل بانسانية الانسان؟

بالمنطق الذي يبحث عنه الغنوشي بتسويق نفسه كشخصية وازنة، دايفوس يعتبر اطارا خلابا له ولشخصه وحزبه ولانصاره ومادحيه الذين يتناسلون في ظل القحط الفكري والمعنوي السائد، أما بمنطق السيادة والكرامة والمصلحة الوطنية وقيم الثورة، فهو لا يعدو أن يكون لمزيد تكريس ارتهان الخيارات الوطنية، بطريقة حتى افظع مما كان في عهد المخلوع.
فاليوم هذه المنابر والمنتديات تختار المربكين ممن هم في السلطة او في الاحزاب، وتعلنهم ممثلين لهذه الثورات الكونية، التي تريد ان تستفيد من زخمها ومعانيها ودلالاتها وقيمها، ثم تفرغها من كل محاميلها وشحناتها، لتلقي بها في أتون الليبرالية المهيمنة، تحت تحكم الشركات العابرة للقارات، وهيمنة الدولة الكبرى، التي لا تسمح لهذه الثورات بتقرير مصيرها، وسلك النهج الوطني الاستقلالي الذي نشده الشباب الذي ضحى لاجلها.

فبعد تصريح الشاهد المسيء للشعب والشباب الذي قام بالثورة وسمح له باعتلاء رئاسة الحكومة، بتصريحه ان الشعب لم يفهم بعد الحرية والديمقراطية في علاقة بتعطيل الفسفاط، يأتي تصريح الغنوشي الذي طلب فيه من صندوق النقد الدولي التخفيض من ضغوطه على تونس حتى لا يحصل "انفجار"، والبعض من حملة البنادير انبرى مهللا مطبلا للسراب، والتوصيفات تراوحت بين "الرسالة البليغة" والمديح الصّاخب، وصفحات مونبيليز تنشر المنشورات والاشهار (السبونسوريزاسيون) يشتغل بفاعلية قصوى، الى حدّ أنّنا خلنا أن الغنوشي سيدخل علينا بـ"الفتح المبين"، الذي سيقضي معه على كل الفقر والبطالة وتخلف التنمية..
ولكن مثل العام السابق والذي قبله وحتى الذي سبقه، والدعاية الممجوجة لمشاركاته في الصدد، فالبلاد تسير من سيء الى أسوأ، الى حدّ أن التوصيفات والتشخيصات أصبحت غير قادرة عن رسم حقيقة الواقع، وكل الكلمات صارت عاجزة عن تمثل الحالة المدقعة التي عليها البلاد والعباد، والشعب لا يزال يصحو وينام على وقع التضخم والبطالة واضراب التعليم وعجز الصناديق الاجتماعية وضبابية المستقبل، ولكن ما يثير الاستياء حقيقة هو أن تونس اليوم صارت في حالة هوان دولي لا يوصف ولم يسبق له مثيل.
فتصريح الغنوشي
بالفعل لا يمكن تنزيله لا في خانة الجرأة ولا في خانة الابداع ولا غيره مما يروّج زورا وتدليسا وتزلفا ومديحا، فما اقدم عليه زعيم الحركة النهضوية، يصب في سياق الاستجداء المهين والمذل للشعب التونسي، وفيه اذلال مقيت لشعب فجر اكبر الثورات في التاريخ، فاذا بقياداته في عجز شنيع لا يقدمون الا على مد اليد وطلب المعونة، في دليل على عقم مقارباتهم وجدب أفكارهم وسياساتهم، دون الاشارة الى أنّ حزبه هو الحاكم وهو من أتى بصندوق النقد الدولي في مناسبتين، سواء في جوان 2013 خلال حكم العريض عبر قرض تحت عنوان accord de confirmation، او في ماي 2016 من خلال الية تمويل mecanisme elargi de crédit، أديا الى الانهيار الوحشي الحالي للدينار ودوامة التضخم الصاعقة. وطبعا لا بد من أصوات المداهنة والتدليس أن تعلو، لتجعل من الهراء انجازا، والنفخ في كل ما هو عقيم لجعله ثمرات نادرة، وهي نفس الاصوات التي قادت البلاد نحو هذا الانهيار المتواصل، وعند الاستفحال تخرج علينا بنظرية الافلاس الاخرى، وبأننا تلافينا "الأسوأ" ويجب تحمل "السيء"، موجهين الاصابع يمينا وشمالا للمقارنة مع انظمة سورية او ليبية او يمنية، لا يمكن بحال مقارنتها بتونس وثورتها وتاريخها وتجانس شعبها!!
(*) قانوني وناشط حقوقي




Om Kalthoum - الأهات
Commentaires
2 de 2 commentaires pour l'article 175820