مكثر تحت عاصفة ثلجية ساحقة.. وعزلة تنموية مقيتة



بقلم: شكري بن عيسى (*)

في نشرة أخبار الثامنة التي خصصت عنوانها الأوّل لتدهور الأحوال الجوية، لم تتطابق الأوضاع الماثلة في الصورة مع تصريحات المسؤولين، لجهات بحالها محاصرة بطبيعتها، وبمجرّد هطول الثلوج تنعزل، في مقابل ظهور لمسؤولين من بينهم والي سليانة، يؤكّد أنّه قام بكل الاحتياطات، وكل التدخّلات تمّت على جميع المستويات، الصحيّة والاجتماعية والتربوية.



في نفس الوقت، ومع فارق تسجيل التصريحات النهارية والواقع في هذه اللحظة في الليل، ظهرت العيوب جميعها والهوّة سحيقة، ولم تقدر الكلمات النمطية المستنسخة عن سابقاتها تغطيتها وردمها، ومدينة مكثر الآن كما وصلنا ترزح تحت عاصفة ثلجية لا تطاق، والسيارات والشاحنات في هذه اللحظة عالقة في الطرقات كما وصلنا من على عين المكان، وطبعا الوالي وكل المتدخلين لم نر بعد ظهورهم في نشرة الاخبار وجودا، فاللجان والتحضيرات وكل الاستعدادات التي تحدث عنها تذوب، ففي الليل يترك المواطنين تحت العزلة التامة يواجهون الطبيعة وفظاعاتها.


فلا الوزراء الذين تحدّث الشّاهد عن تحولهم للجهات المنكوبة قبل أسابيع يظهرون، فالبرد قارس وأصوات هذه الجهات لا يوجد من ينقلها، والاستعراض تم منذ أسابيع والصور تم نشرها في المواقع بعد تنقل الوزراء، و"أعطوا اشارة انطلاق توزيع المساعادات"، ويكفيهم انجاز "اعطاء الاشارة" الذي أبى الولاة الا الانتظار ليتم على أيدي الوزراء بـ"ببركاتها" وما فيها من "يمن" و"خير عميم"، وبعد استنفاذ ذلك الفتات المهين، وتلك الكليوات من الماقرونة وبعض الحشايا، لم يعد لديهم ما يمكن تخدير الناس به وتسكين أوجاعهم والامهم العميقة.


الآن في مكثر، وطبعا هذا الوضع يمكن تعميمه عن بقية الجهات الاخرى في جندوبة والكاف والقصرين وسليانة، المدينة تعصف بها الثلوج مع انقطاع للطرقات وتقطّع للكهرباء والماء، وطبعا يترك الأهالي تحت العزلة التامة، ليواجهوا لوحدهم أهوال المناخ، تحت طبيعة قاسية زاد في قساوتها النظام الذي همّش الجهة وأقصاها بل وحاصرها، فامراض ونزلات البرد تنزل دفعة واحدة، والمدارس والمعاهد تصبح عاجزة عن استيعاب التلاميذ وتتعطّل الدراسة، ولم نتحدّث عن الآلاف الذين يبيتون دون تدفئة وغطاء وحتى غذاء، في ظل واقع فقر وبطالة يفوق المعدّل الوطني بأرقام، فالبطالة تقارب 25% والفقر كذلك أو يفوق.


الدولة المركزية تترك جهاتها المهمشة تحت اهوال الطبيعة، ولا تضع خطّة اغاثة وتدخل فورية، على المستوى الصحي والتدفئة والتغذية ومرافق الكهرباء والماء والتجهيز وغيرها، وتترك مصالح محلية بأدوات ضعيفة وموارد بشرية محدودة العدد، غير قادرة على مواجهة كوارث حادة، تتطلب تدخلا مركزيا ودعما خاصا، وتواجدا وطنيا انقاذيا ولكن اساسا سياسيا لاظهار ان الدولة لم تترك مواطنيها تحت اظطهاد الصقيع والتجمّد والجوع وانقطاع الطرقات والمرافق.


فحتى في التدخلات على المستوى الاتصالي الدولة عاطلة وعاجزة، والحقيقة أنّ اليوم جهات بعينها معزولة طبيعيا، وتنضاف اليها عزلة اجتماعية وأخرى سياسية تنموية ساحقة، تضعها تحت العجز والشلل والمتواصل، ولا تجعلها تتجاوز الهوّة التنموية السّحيقة المتواصلة على امتداد اكثر من ستين سنة على اعلان الاستقلال، ولازالت محور تعامل بمنطق "معونات التضامن الاجتماعي"، لا يسمن ولا يغن من جوع ولا يدثّر من برد قارس، معونات تكرّس الاهانة والزابونية السياسية المقيتة، لجهات تحت خط الكرامة والمواطنة الرسمي، بفوارق عميقة في التعليم والصحّة والتشغيل والمرافق التنموية المختلفة.


واليوم لا بد للدولة من تحويل مقاربتها لهذه الجهات من حالات اجتماعية انسانية عبر المعونات، الى اعتبارها جهات تنتمي لهذا الوطن ولها الحق بالتساوي مع البقية في نفس الحقوق، بل انّ لها أولوية من خلال "التمييز الايجابي" المنصوص عليه في دستور، اليوم ذكرى اصداره الخامسة، بقي مجرّد كلمات لم تتحوّل الى الحد الادنى المطلوب، بل زادت السلطة في ترسيخ الغبن والضيم، لواقع لم يتغيّر في الوقت الذي تم تثقيل اكثر من خمسين مليار دينار ديون جديدة من 2011، يبدو أنّ الفساد ابتلع اكثرها، وتتطلب تدقيقا صارما ومحاسبة لمن قاموا بتدبديها دون استفادة للجهات المهمشة، التي قامت فيها ولأجلها الثورة قبل ثمان سنوات!!


(*) قانوني وناشط حقوقي

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 175742