الباجي قائد السبسي.. يراقص الأفاعي

Credit Photo : Yassine Gaidi/Anadolu Agency


محمد فضل الله الزغلامي

من جديد، يعود الحديث في تونس عن سعي إماراتي متواصل لإجهاض مسار الانتقال الديمقراطي، في وقت تستعد فيه البلاد لاحتضان محطتين انتخابيتين أواخر العام الجاري.


ففي آخر ظهور إعلامي له، قال الرئيس السابق للجمهورية التونسية المنصف المرزوقي إن قاعة عمليات مقرها الإمارات العربية المتحدة، لا يكلّ القابعون بين جدرانها من حياكة المؤامرات ضد أولى ثورات الربيع العربي، وآخرها.

ولئن لا تجد الإمارات العربية المتحدة، من خلال سياساتها ومواقفها، حرجًا في إبداء العداء لتونس، بدعوى رفضها لوجود الإسلام السياسي، إلاّ أنّ هدفها الحقيقيّ هو القضاء على آخر معاقل الدّيمقراطيّة في العالم العربيّ، مخافة أن تُغريَ مشاهد الحرّيّة، باقي الشّعوب المضطهدة في المنطقة.

الخوف من قدرة ثورة تونس على إغراء باقي الشّعوب المضطهدة في المنطقة، لا يقتصر على دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، حيث كشف العميد هشام المؤدّب، النّاطق الأسبق باسم وزارة الدّاخليّة، خلال حضوره في برنامج "شو كيفاش" على قناة "الزّيتونة" بأنّ "دولةً أوروبيّة لها يدٌ، بالإضافة إلى دولةٍ شقيقة وأخرى خليجيّة، في العمليّات الإرهابيّة الّتي شهدتها بلادنا" منذ سقوط نظام الرّئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وبحسب العميد هشام المؤدّب، فإنّ ما دفع البلد الأوروبيّ للتّورّط في زعزعة استقرار تونس، هو ارتفاعُ أصوات مواطنين، مطالبين باسترجاع ثورات وطنهم، المنهوبة، الأمر الّذي قد يغري شعوب إفريقيا، فتنتفض بدوها ضدّ المستعمر.

تصريحات العميد هشام المدّب، لا يحتاج كلّ من استمع إليها ذكاءً خارقًا ليتفطّن إلى أنّ البلد الأوروبيّ المعنيّ، هو فرنسا، وللإشارة، فإنّ سعيد الخرشوفي النّائب سابقًا بالمجلس الوطني التّأسيسي، كشف في مداخلةٍ إذاعيّة أنّ عمليّة اغتيال محمّد البراهمي جاءت بالتّزامن مع قرار لجنة الطّاقة إنشاء "لجنة مشتركة" مع المجتمع المدنيّ ووزارة الصّناعة، للنّظر في مراجعة عقود الطّاقة، ملفتًا إلى أنّه تمّ بعد ذلك إيقاف عمل المجلس التّأسيسي وسحب صلاحيّات النّظر في القوانين، منه.

هكذا إذًا، اجتمعت ولا تزال، الجلابيب الإماراتيّة بالبدلات الفرنسيّة ضدّ دولةٍ تونسيّة ناشئة لا تحتمل تنظيمًا نقابيّا يساهم في تعميق أزمتها، على حدّ تعبير الصّحفيّ العراقيّ عبد الرّحمن الكناني في مقالٍ نشره بخصوص الإضراب العامّ في الوظيفة العموميّة والقطاع العامّ، والّذي شنّه الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل.


ـ الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل.. طوق نجاة اليسار التّونسيّ:
وبالحديث عن الإضراب العامّ الأخير، ولعلّه ليس الآخر، أورد موقع صحيفة "الأندبندنت" البريطانيّة، أنّ "نيّة الاتّحاد العامّ التّونسي للشّغل في القطع مع تقاليده السّابقة والدّخول في معترك الحياة السّياسيّة كانت جليّة يوم الخميس الماضي، 17 جانفي 2019".
بدوره، لفت مراسل صحيفة "لوبوان" الفرنسيّة في تونس، "بنوا دالما"، إلى ما اعتبره "استعراضًا للقوّة الجماهيريّة للاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل في بطحاء "محمّد علي" وجميع ولايات الجمهوريّة التّونسيّة، خلال الإضراب العامّ الأخير، "حيث رُفِعت شعاراتٌ معاديةٌ للحكومة و لراشد الغنّوشي زعيم حركة النّهضة، منوّهًا إلى أنّ المنظّمة الشّغيلة في تونس تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى أكبر حزبٍ سياسيّ معارضٍ في تونس وأنّ تأثيره على نتائج الانتخابات المنتظرة سيكون واضحًا، عبر توجيه قواعده.


ـ زواج بين اليسار التونسيّ وعيال زايد.. بمقرّ الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل:
يقول سالم الرّياحي القياديّ بحزب الوطنيّين الدّيمقراطيين الموحد، إنّ "الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل هو ورشة لتكوين النّقابيين، ولا يمكن أن يكون إلاّ اجتماعيّا بعيدًا عن التّيّارات اليمينيّة الدّينيّة، خاصّةً الإسلام السّياسي"، وأنّ "الإخوان يضمرون عداوةً تاريخيّة للمنظّمة الشّغّيلة تحت عنوان العداء الأيديولوجي، وهو عداء فطريّ لكلّ الأصوات المؤمنة بالحرّيّة والتّقدّم".
كلماتٌ معدودات، نسف من خلالها القياديّ بحزب الوطنيّين الدّيمقراطيّين الموحّد (الوطد) تلك الشّعارات الّتي تقول بأنّ منظّمة فرحات حشّاد هي لكلّ التّونسيّين، ولم يجد حرجًا في سلب، كلّ من يخالفه الرّأي، حقّه فيها، بل وأكّد سيطرة اليسار عليها من خلال قياداتٍ يبدو أنّها على استعدادٍ للتّحالف حتّى مع من يهدّدون المسار الدّيمقراطيّ في تونس ويعيثون فسادًا في سوريا واليمن.
فشبكة "العين" الإماراتيّة مثلاً، لم تجد أفضل من سامي الطّاهري الأمين العامّ المساعد للاتّحاد العامّ التّونسي للشّغل، لتستغلّ تصريحاته في مقالٍ بشّرت فيه، على خلفيّة الإضراب العامّ، بسقوط حكومة يوسف الشّاهد، فنقلت عنه قوله إنّ "تحالف يوسف الشّاهد والإخوان ألقى بظهره لمطالب الشّعب التّونسيّ"، في تصريحٍ ينمّ عن نزعة إيديولوجيّة واضحة وخطيرة، بل ويضع منظّمة وطنيّة في قيمة الاتّحاد العامّ التّونسي للشّغل في مهبّ رياح التّجاذبات السّياسيّة وعرضة للاختراقات الحزبيّة، وتحت تصرّف عيال زايد بعد أن نفضوا أياديهم عن حلفائهم السّابقين، ليكشفوا عبر أبواقهم الإعلاميّة عن تحالفٍ جديد بينهم وبين أحزابٍ سياسيّةٍ معارضَةٍ، تُدركُ قبل منافسيها، أنّ لا أمل لها في الفوز في المحطّات الانتخابيّة المقبلة على غرار الجبهة الشّعبيّة، والّتي تُعلن في كلّ مرّةٍ دعمها الكامل لقرارت قيادات المنظّمة الشّغيلة وانخراطها في كلّ التّحرّكات الاحتجاجيّة الّتي تقرّها.
نجحت الجبهة الشّعبيّة إذًا في إغراء عيال زايد، عبر سيطرتها على الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل الّذي يمثّل آخر القلاع المتماسكة للمعارضة التّونسيّة، فما كان من شبكة "العين" الإماراتيّة إلاّ أن نشرت مقال غزلٍ تحت عنوان "سامي الطّاهري.. يساري تونسي محنّك يقضّ مضاجع الإخوان".


ـ الباجي قائد السّبسي.. يراقص الأفاعي:
وعلى ما يبدو فإنّ الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل، لا يمثّل الأمل الأخير للإمارات العربيّة المتّحدة والجبهة الشّعبيّة فقط، بل حتّى الباجي قائد السّبسي، رئيس الجمهوريّة، يرى فيه طوق نجاةٍ، أو "جيشًا" كما وصفه برهان بسيّس ذات مرّة، قد يبقي على فرصه في الفوز على يوسف الشّاهد وليّ ذراعِ حركة النّهضة.

فالباجي قائد السّبسي، ووفق ما جاء في صحيفة "لوموند" الفرنسيّة"، لم يتوانَ مؤخّرا عن حثّ قيادات الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل على التّصعيد ضدّ رئيس الحكومة يوسف الشّاهد والمضيّ قُدُمًا في قرار الإضراب العامّ، محاولاً بذلك استنساخ سيناريو 2014، عندما استغلّ الجبهة الشّعبيّة والاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل، وصنع ما يُسمّى بجبهة الإنقاذ، ليصعد إلى كرسيّ الرّئاسة.

وفي هذا السّياق، حذّر الدّكتور أبو يعرب المرزوقي، رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السّبسي، من أنّ من سيطر عليهم واستعملهم للوصول إلى السّلطة سابقًا، لن يقدر على السّيطرة عليهم هذه المرّة، "ولن يحترموا شيبته.. فهُم لم يعودوا مكتفين بالأكل مع الآكلين.. يريدون أكل الملمة واللى ثمة.. وسيرمونه بمجرّد أن يوصلهم إلى السّلطة..".

وبيّن أبو يعرب المرزقي في مقالٍ توجّه به إلى الباجي قائد السّبسي أنّ هذا الأخير لم يعد ذا سُلطانٍ كافٍ للتّصدّي لمن يتوقون إلى دخول قصر قرطاج بشتّى السّبل، "فحتّى فرنسا لم يعد بوسعه الاعتماد عليها إذ قد أصبح لها كثيرٌ من "القطط للجَلْدِ" كما يقول مثلها.."، مضيفًا أنّ الباجي قائد السّبسي ومن خلال استعماله لنفس وسائل 2014 للانتقام من حركة النّهضة، سيلقى مصير الحبيب بورقيبة ويرمي بتونس بين أياديّ "حفاتر وسيسيّات العبيد لدى الإمارات والسّعوديّة".
ـ أين شعب تونس من كلّ هذا؟
إنّ ما يؤتيه نوّاب الجبهة الشّعبيّة خاصّةً، من أفعالٍ مشينةٍ تحت قبّة البرلمان آخرها لنزار عمامي عندما سبّ ذات الإلهيّة أمام الملايين، دفع بكثير من التّونسيّين إلى التّخلّي عن الاهتمام بالسيّاسة، فإذا ما سألتهم عن السّياسيّين قالوا إنّ البقر تشابه علينا.

وعزائي الوحيد هنا، غيرة عموم الشّعب على الإسلام، ولعلّ رفضه لمشروع المساواة في الميراث خير دليل، وبذلك، أستبعد أن يرضى بأن يُحكم من قبل من يحاول تغيير الفصل الأوّل من الدّستور والقطع مع المساجد وتجريمُ مصطلحاتٍ تثير غضب محمّد بوغلاّب مثل "إن شاء الله".
لذلك، وجب التّذكير، بأنّ الشّيوعيّين، إبّان سيطرة الاتّحاد السّوفياتيّ على دول آسيا الوسطى، كانوا يفصلون الأبناء عن أولياء أمورهم، ليحولوا بين الجيل الجديد وبين تعاليم الإسلام.
وقبل أيّامٍ، شنّ الإعلام في تونس هجومًا شرسّا على مدير إحدى مدارس حمّام الغزاز الابتدائيّة لمجرّد أنّه ذكّر التّلاميذ بضرورة الصّلاة، ومن قبله، أوقف المهندس بمعهد الرّصد الجوّي، عبد الرّزّاق الرّحّال، عن العمل، بعد تصريحٍ وصف فيه ضحيّتيْن من ضحايا نابل بـ"حوريّات الجنّة"، هذا بالإضافة إلى "سلخ" نبيل معلول، المدرّب السّابق للمنتخب الوطني التّونسيّ، بسب ترديده لدعاء السّفر رفقة لاعبيه، قبل شدّ الرّحال إلى روسيا.

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 175670

MedTunisie  (Tunisia)  |Jeudi 24 Janvier 2019 à 21h 01m |           
هذا ما اختاره الشعب التونسي يخدم ساعتين في صنع الفتن