لم يكن ما بثته «الجزيرة» كلقاء خاص مع الأمين العام لحزب الله مجرد سبق صحفي انجزه باتقان الاعلامي التونسي المتيمز غسان بن جدو بل كان فعلا درسا في شكل محاضرة لذيذة القاها حسن نصر الله في مادة العلوم السياسية..
تجوّل الرجل كما شاء بين المعاني والتحاليل بهدوء وثقة وعمق وتلقائية ودقة واقناع وسلاسة وفصاحة وعزة وكرامة وموضوعية وتواضع وكبرياء واشياء كثيرة من الصعب ان تجتمع في خطاب ما بمثل ما اجتمعت في حديث «سماحة السيد» كما يحلو لمريديه تسميته.
لم يتعود الخطاب السياسي العربي في لحظات الحرب او السلام على نبرة مثل النبرة التي استعملها حسن نصر الله فلا قصائد حماسية ولا تجييش لفظي فارغ ولا وعود وهمية وكذلك لاخنوع ولا ذل ولا انبطاح مغلف بواقعية كاذبة تثير السخرية.
لم يعد نصر الله مشاهديه بتحرير فلسطين ولا بهزيمة اسرائيل وسحقها ولكنه ايضا رفض بقوة استنقاص حجم المقاومة وقدرتها الردعية في انجاز مهامها الدقيقة في ما رسمته من اهداف.
اعلن انه يريد تحرير الأسرى وافصح عن ثقة جبارة في انه سيفرض على اسرائيل التفاوض غير المباشر كحل وحيد لها لاستعادة جندييها الاسيرين.
ذهب بعيدا في الرد على طعون فرقاء الداخل دون ان يشتم او يسيء لاحد بكياسة من قرر ان يكون حزبه القوي سياسيا وعسكريا وشعبيا فقط مجرد شريك في المشهد اللبناني دون اي خلط او رغبة في الهيمنة والابتلاع بمسؤولية عالية ونضج لا مثيل له في جعل كل الامكانات سلاحا لمواجهة اسرائيل بعيدا عن كل اشكال توظيفها في سياق تجاذبات الداخل اللبناني.
ذروة الدرس ولحظته الدرامية اللذيذة كانت في الكلام الذي خصصه حسن نصر الله لبعض الحكام العرب وخاصة للعواصم العربية التي سارعت لادانة حزب الله في بداية العدوان الاسرائيلي وتحميله مسؤولية ما يحصل ونعته «بفريق المغامرين».
نصر الله اختار دون حذلقة او تصعيد لغوي كلمة مشتقة من قاموس العامية اللبنانية تكاد تشترك فيها كل اللهجات العربية مخاطبا هؤلاء الحكام: «فكوا عنا» باحالة غنية على شبكة من المعاني التي يختزنها المخيال الشعبي تجاه قضايا التضامن والتآزر تلك التي تطلب من العاجز ان يعين الضحية على الأقل بالصمت الذي يمثل في ظروف العجز العربي الراهن اضعف اشكال المساندة والدعم في لحظة عزت فيها حتى مواقف الاستنكار والادانة التقليدية..
لقد جاءنا الزمان فعلا الذي اصبحنا فيه نترحم على مواقف: «ندين» و«نستنكر» تلك التي تبدو اليوم في ظل حديث الادانة للمقاومة زمنا ذهبيا للمواقف العربية المشرفة..
اوغل نصر الله بكلماته المستهزئة في الجرح العربي وهو يعلن انه لم يعد يطلب من النظام الرسمي العربي سوى الصمت كواجب أدنى يمليه معنى التضامن القومي..
تحدث نصر الله كما شاء مبهرا مقنعا، كبيرا بقوة كلماته وهدوء ملمحه واتزان خطابه، بثقة من لا يحتاج الى اجهزة تجسس دقيقة ليدرك ان اقرب اقرباء هؤلاء الحكام على عكس رأي ازواجهم او أباءهم هم مع المقاومة ومع ابطالها.
قوة «سماحة السيد» هذه المرة انه لم يكسب فقط معركة القلوب بل وكسب باستحقاق وامتياز امتحان العقول.

برهان بسيس






Abdelwahab - حياتي أنت
Commentaires
5 de 5 commentaires pour l'article 8450