اشتعل لبنان ومعه تصاعدت نذور الحرب الإقليمية الشاملة التي تهيئ نفسها للانضمام لقائمة الحروب العربية الإسرائيلية المتعاقبة عبر العقود.
عملية الوعد الصادق المنجزة باتقان وبطولية من حزب اللّه أزعجت هيبة الردع العسكري الاسرائيلي الذي أخرج من جرابه قدراته التدميرية التقليدية ومضى إلى لبنان بنفس العقل والسلوك اللذان دخل بهما البلد سنة 82 ضاربا مدمرا مخربا محاصرا عبر البر والبحر والجو.
عملية حزب اللّه تزامنت بشكل مقصود معه حصار غزة والضغط العسكري الإسرائيلي على المقاومة الفلسطينية واختيار التوقيت منسجم تماما مع مرجعية المقاومة اللبنانية التي لم تتوقف للحظة عن الاصداع بتجذّر صراعها مع إسرائيل وهويتها المقاتلة كجزء من المقاومة العربية للمشروع الصهيوني في المنطقة.

ورغم ذلك تبقى قضايا التوقيت مجالا لتأويلات شتى هي تأويلات من يريد أن يمارس التذاكي السياسي في أوقات لا تحتمل معادلة المواقف النظرية بين ذكاء وحماقة بقدر ما تتطلب التركيز على معادلة الأرض التي اشتعلت بين الصمود والمقاومة أو الطعن والخذلان.
فجأة طلعت بعض العواصم العربية بتحاليل الواقعية والعقلانية والتفكير الاستراتيجي لتنزل بياناتها أكثر وقعا وإيلاما من حمم النار الإسرائيلية النازلة على رؤوس الأبرياء اللبنانيين من المدنيين العزّل في صياغة بدت مع بعضها أكثر تهجّما وسخطا على المقاومة من الموقف الأمريكي نفسه حيث يحفظ للتصريحات الأمريكية على الأقل انشغالها بخطورة التصعيد العكسري للحليف الاسرائيلي وقوّته المبالغة في مقابل التنديد التقليدي بحزب اللّه والمقاومة في حين خلت بعض البيانات العربية حتى من استنكار العدوان الإسرائيلي الذي ردّ كما قال الأمين العام لحزب اللّه على استهداف الدبابة والجندي والموقع العكسري باستهداف الجسر ومولدات الكهرباء وسكان القرى وغيرها من الأهداف المدنية.
باب التحليل والتنظير في مثل هذه الأحداث واسع وفسيح ولهواته مادة ثرية لرصد خيوط المشهد ومده إلى حدود كوريا الشمالية ثم المرور به من إيران وملفها النووي والتعريج به على فزّعة الكمّاشة الشيعية المخيفة لبعض الأنظمة العربية السنيّة وصولا إلى تنقلات دمشق بين حلقات التحالف الإقليمي وضمور حضورها ضمن المحور السعودي المصري لفائدة علاقة استراتيجية أقوى مع طهران وانعكاس كل ذلك على قرار حزب اللّه اللبناني وعملياته الميدانية.
الأكيد أن مادة دسمة تسمح لهواة التفكير الاستراتيجي خاصة منهم المغرمين حديثا بمفاهيم جديدة كالواقعية والموضوعية والعقلانية أن يعيدوا رسم تقاطعات المشهد وخلفية الاشتعال اللبناني بأكثر من طريقة ومنهج ولكني أعتقد أن صوت الرصاصة والقنبلة حين يدوّي يفسد بالضرورة الهدوء المطلوب للتفكير وحينها يضعنا ضجيج المعركة أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن نكون مع أنفسنا، مع مشاعر شعوبنا أو ضدّ أنفسنا مع صقيع عقل بارد يضرّ نفسه وهو يجتهد لكي يكون موضوعيا فإذا به أقرب إلى دائرة الخذلان.
لا بأس من شيء من الوجدان، هل تستطيع أي قوّة على الأرض أن تنزع من قلوب ملايين العرب والمسلمين اعجابها العفوي التلقائي - غير مدفوع الأجر - بالمقاومة اللبنانية ورمزها حسن نصر اللّه، تلك لسوء حظ البعض مشيئة الشعوب ومشاعرها دون أن يكون في الآمر سرّ معقّد:
اننا في حاجة دوما إلى فارس وها هو يأتينا هذه المرّة بعمامة سوداء.

برهان بسيسّ






Abdelwahab - حياتي أنت
Commentaires
11 de 11 commentaires pour l'article 8432