آخر الدنيا



ماذا يحدث عندما تكون الأخبار أسوأ من أي كاريكاتور لها، أو سخرية أو نقد؟ نكون أمام «آخر الدنيا»، ما يحتاج الى شرح، فأشرح.

زرت لندن أول مرة في بداية الستينات، وفوجئت برجل في شارع أكسفورد يرفع لافتة كبيرة تقول: توبوا، النهاية اقتربت. ووجدت بعد ذلك ان هناك من يرفع لافتة بمثل هذا المعنى في مدن غربية كثيرة.


نهاية العالم عندي نوع من الكاريكاتور عندما تصبح الحقيقة أسوأ من أي نقد لها. هل نحن أمام نهاية العالم، أم «آخر الدنيا» كما أقول أنا؟ جوابي عن السؤال ليس بالضرورة دمار هذا العالم، وإنما رياضة فكرية بمعنى ان ينتهي العالم كما نعرفه، فلا يعود الكاتب يستطيع النقد أو السخرية، لأن ثمة أحداثاً لا تترك زيادة لمستزيد.

هناك علامات، هي عند المسيحيين الصهيونيين حسب فهمهم عبارات قليلة في سفر الرؤيا أن يتبع الناس المسيح الدجال، ثم يأتي المخلص لينقذهم وحدهم، فيما يفنى أهل الأرض الآخرون.

غير أنني لا أريد أن أدخل والقارئ في جدال ديني آخر اليوم، وعلامات «آخر الدنيا» عندي من نوع مختلف.

بين هذه العلامات أن تفوز سويسرا بكأس أميركا، وهي بلد من دون أي منفذ على البحر، والكأس أهم سباق يخوت في العالم، وقد احتفظت به الولايات المتحدة منذ عام 1870، حتى حمل اسمها، وانتزعته استراليا عام 1987، واستردته الولايات المتحدة، ثم انتزعته منها نيوزيلندا، وانتهى عام 2003 بانتصار مدوٍ لسويسرا كررته السنة الماضية.

من علامات آخر الدنيا أيضاً أن يكون أفضل لاعب غولف شاب أسود، هو نايغروودز، مع ان الغولف رياضة البيض، والأثرياء منهم تحديداً.

كنت قررت أن من علامات «آخر الدنيا» أن يكون جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة، فرئيسها رئيس «العالم الحر» (أجده عالماً حراً من الإنسانية والأخلاق، كما في موضوع الفلسطينيين والحرب على العراق). غير ان بوش يضيع داخل مصعد، ولا يعرف كيف يقود حصاناً عطشانَ الى الماء في مزرعته، ويفترض أن يقود العالم.

هو انتدب نفسه لمهمة قبل خمس سنوات وأعلن أنه أنجزها، ولا يزال ينجزها حتى اليوم، ويتحدث عن نجاح على جثث مئات ألوف القتلى من العراقيين، ويبقى العرب يتعاملون معه، ويستقبلونه أو يزورونه ويزورهم، بل هم يستقبلون عميلة الموساد تزيبي ليفني.

لا يستطيع كاتب أن يجد للنقد أسباباً تزيد على الكاريكاتور الحقيقي لسياسة بوش. وأتصور ان صدام حسين سيعاتبه يوماً وهما يلتقيان على بوابة الجحيم، وسيقول له إنه، أي صدام، كان يقتل العراقيين بفعالية كبيرة، فلماذا أطاحه ليمارس القتل نفسه.

هل نحن أمام «نهاية العالم» أو نهاية القدرة على نقد الأحداث، لأن الكاريكاتور فيها يزيد على خيال الكاتب؟

ليس الأمر جورج بوش وحده، وعلى الأقل فجورج الابن لم يخدع أحداً وكنيته «بوش» بمدّ الباء، أي لا شيء، أو صفر، أو خسارة، بالمعنى الشعبي. غير ان هناك «بوشيات» في كل مكان.

الدول العربية غير ديموقراطية، وكثير منها يمنع الأحزاب السياسية، وبعضها فيه حزب حاكم يضيّق الخناق على كل حزب آخر، والحكومة تخاف تحديداً من تعاظم نفوذ الأحزاب الدينية، وتحارب التطرف والمتطرفين، والضالين والمغرر بهم.

اذا استعمل القارئ الفقرة السابقة كخلفية، ثم فكر معي في أن أي مدينة عربية كبرى تضم ألف مسجد، والغالبية العظمى طيبة، ومن المؤمنين، تؤمها للصلاة، غير أن تبقى تلك الفئة الضالة الصغيرة العدد الكبيرة الأذى التي تعقد كل يوم جمعة في المسجد مهرجاناً سياسياً. وفي حين ان الحكومة تعرف خطر التطرف فإنها تفسح المجال للمتطرفين، وتركز على الأحزاب السياسية التي لا تشكل خطراً عليها، ثم تستغرب عدم شعبيتها.

من علامات «آخر الدنيا» الأخرى ان الفلسطينيين قرروا أن أفضل طريق لدحر الاحتلال الإسرائيلي وإعلان دولة مستقلة على 22 في المئة فقط من أرضهم هو أن ينقسموا قسمين. والنتيجة هي ان الفلسطيني لا يحقق طموحاته الوطنية بالمقاومة أو التفاوض، واسرائيل تغتال كل يوم. ونسمع بعد كل شهيد تهديدات برد مزلزل أو مدمر، ما يذكرني بما كنا نعرف في بيروت، فالرجل مطروح أرضاً وخصمه فوقه يوسعه ضرباً وهو يصرخ «شيلوه من فوقي قبل ما أكسّره».

اسرائيل ليست أفضل كمثل على «آخر الدنيا». فالناجون من النازية والمتحدرون منهم أقاموا دولة هي الوحيدة في العالم الآن التي تقوم بممارسات نازية.

وأختتم بالعقيد معمر القذافي الذي يقترب من 40 سنة في حكم ليبيا، فقد كان يتكلم في مؤتمرات القمة العربية، ويبتسم القادة الآخرون توقعاً منهم ان يقول شيئاً غريباً (قال عبارة ذكية جداً في قمة دمشق عندما نبَّه الزعماء الآخرين الى انه لا يجمعهم شيء سوى قاعة المؤتمر).

الأوضاع العربية سيئة، وتسير نحو الأسوأ، وكنت أرى في كلام الأخ العقيد نوعاً من «استراحة الهذر» وهو نوع معروف في الأدب الغربي يتقنه كثيراً شكسبير، فعندما يصبح المشهد الدرامي مشحوناً في شكل لا يطاق، تبرز شخصية تضحك المتفرجين لتخفف الوطأة عليهم.

السياسة العربية تراجيديا إغريقية أين منها مآسي مسرحيات هاملت وماكبث وعطيل، ولكن من دون أن يخفف وطأتها، فقد فقد العقيد لمسته وأصبحنا أمام «آخر الدنيا».
جهاد الخازن
الحياة


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 7953