زغوان : نبتة "النسري" شهرة تاريخية لم تتجاوز مرحلة الاستغلال التقليدي رغم ما تتيحه من إمكانيات الاستثمار صناعيا وتنمويا



وات - يفوح عبقها برمزية تاريخية تستدرج الزائر إلى حقبة الاندلسيين ويستهوي مذاقها السليم والمريض سواء كانت مكوّنا منكّها في الحلويات التقليدية الأشهر في زغوان " كعك الورقة" أو في استعمالات " علاجية" بواسطة مائها الذي تدرّه عملية "التقطير" أي استخلاصه بواسطة "القطّار" ، نظرا لخصائصها المتميّزة وفق الرواية الشعبية في علاج أمراض القلب والمعدة وفي مساعدتها على مقاومة الإرهاق والتوتّر... من هذه الخصائص تستمدّ نبتة النسري خلودها وشهرتها فهي نبتة بيولوجية في شكل شجيرة تثمر زهرات ذات خمس بتلات بيضاء اللون وداخلها أصفر اللّون هو مكمن رائحتها الذكيّة ومذاقها المتميّز وقد توارث زراعتها متساكنو ولاية زغوان بحقولهم منذ قدوم الاندلسيين خلال القرن السابع عشرة لتصبح هذه الزهرة الصغيرة مصدر رزق الكثيرين في الجهة سواء عبر مائها المستخلص منها أو استعماله في صنع الحلويات ذات الجذور الأندلسية المشتهرة بتسمية "كعك الورقة"، لكن استثمارها في هذا المجال لم يتجاوز التعاطي التقليدي والعائلي رغم وجود محاولات للمرور إلى مرحلة التصنيع المكثّف عبر سلسلة قيم التصنيع تنطلق من الغراسة إلى عملية التحويل وهي تجارب قليلة لكنها واعدة لو رافقتها التشجيعات والحوافز فترتقي إلى مستوى الاستثمار الدّائم وذي المردودي مالية واجتماعية عالية.
من ضمن هذه التجارب ما استعرضه تحدث صاحب أكبر ضيعة لشجيرة النسري في ولاية زغوان، يوسف بن والي ل(وات) حيث ذكر أنّ ضيعته تمتد على مساحة هكتارين تضمّ400 شجيرة منتجة و600 شجيرة حديثة الغراسة، مؤكّدا أنه يمارس هذا النشاط منذ 11سنة تقريبا بمساعدة 20 عاملا قارا، في الضيعة وفي ورشته التي تجمع بين فضاء صناعة الحلويات التقليدية وفي مقدمتها "كعك الورقة" ووحدة "تقطير" النسري.

وبيّن ذات المصدر ان مردودية الاستثمار في نبتة النسري تتطلّب غراسة مساحة هكتار واحد على الأقل وأن الهكتار الواحد يستوجب ما يقارب 50 امرأة لقطف زهراتها وهو ما يفسر وجود ضيعتين فقط لغراسة النسري بكامل الولاية في حين تتوزّع بقية الغراسات على عدد من الفلاحين ممّن يستغلّون مساحات صغيرة يتراوح عدد الشجيرات بها بين 6 و 10 شجيرات.

وبخصوص مجالات استعمال زهرة النسري ذكر والي أن ماء النسري يستعمل دواء لأمراض القلب والشرايين وغيرها من خلال شربه خامّا ممّا يجعل ثمن اللتر الواحد يتجاوز 50 دينارا، مؤكّدا أن الحلويات وخاصة "كعك الورقة " رمز الجهة تستأثر النسبة الأوفر من الانتاج والاستعمال نظرا للنكهة المتيّزة التي يضفيها "النسري " على مذاق هذه الحلويات التقليدية والتي يرتفع عليها الطلب رغم سعرها.
ورغم أن هذه النبتة تعد إحدى الخصائص المميزة لمنطقة يقوم محركّها الاقتصادي أساسا على الفلاحة فإن المساحة المخصصة لغراستها تقارب 28 هكتارا من جملة 14 الف هكتار مساحات سقوية مزروعة في حين يقدّر المحصول من زهرة النسري بحوالي 30 طنّا سنويا بحسب ما صرّح به لصحفية (وات) رئيس دائرة الشباك الموحد للفلاحة البيولوجية بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية في زغوان، ماهر ملاوحية .
وأشهرأنواع النسري في الجهة هما النسري الكلابي والنسري المسكي أو العربي والصنف الأوّل زهرته أكبر وأكثر بياضا لكن الصنف الثاني هو الأفضل من حيث الرائحة والأكثر تداولا في زغوان.
وأكّد أنّ إشكاليات القطاع تكمن في نقص المشاتل (صعوبة تشتيل النبتة عبر تقنية الترقيد) مضيفا أنه سيتم تكثير نبتة النسري في المنطقة من خلال البرنامج الإفريقي للتنمية بالاشتراك مع المدرسة العليا للفلاحة في "مقرن" (ولاية زغوان) والمعهد العالي للعلوم الفلاحية في "شط مريم" (ولاية سوسة) في انتظار المصادقة عليه من قبل مجلس النواب.
من ناحيته كشف المندوب الجهوي للصناعات التقليدية بزغوان الطاهر العمري أن عدد الحرفيين المنتجين لــ"كعك الورقة " والمسجّلين لدى إدارة الصناعات التقليدية يتجاوز 100 حرفي فيما لم يتم تحديد بعد عدد الممارسين لهذا النشاط بصفة فعلية حيث " لا يكاد يخلو بيت في زغوان من ممارسة وتعاطي نشاط صناعة " كعك ورقة"وفق قوله.
وأشار إلى أن هذا النشاط شهد خلال السنوات الخمس الأخيرة تسجيل الحرفيات بمنظومة إدارة الصناعات التقليدية ليكون العنصر النسائي حاضرا بقوّة في ممارسة هذه الحرفة كمورد رزق.

وعن آفاق تنظيم القطاع وإدماجه في النسيج الاقتصادي عبر التحفيز على الاستثمار فيه وخلق مواطن شغل ذكر العمري أن المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية تسعى جاهدة لبعث مجلس حرفة يتولّى مراقبة هذا النشاط وتأطيره وهو مشروع لم يدخل حيز التنفيذ في ظل وجود شروط فنّية تعيق تقدم إنجازه ومن ضمنها اشتراط أقدمية 10 سنوات لممارسة هذا النشاط عبر وثائق رسمية وهو ما لم يتوفّر لدى العديد من الحرفيين .
وبخصوص تشجيع الباعثين الشبان خصوصا على الاستثمار في هذا المجال ذكر المسؤول الجهوي أن المساعدات المالية التي تصرف للحرفيين في شكل قروض ميسّرة (في حدود 4 الاف دينار بنسبة فائض لا تتجاوز 5 بالمائة) فضلا عن التمويلات الممنوحة عبر الجمعيات التنموية والبنك التونسي للتضامن.

أخبار "وات" المنشورة على باب نات، تعود حقوق ملكيتها الكاملة أدبيا وماديا في إطار القانون إلى وكالة تونس افريقيا للأنباء . ولا يجوز استخدام تلك المواد والمنتجات، بأية طريقة كانت. وكل اعتداء على حقوق ملكية الوكالة لمنتوجها، يعرض مقترفه، للتتبعات الجزائية طبقا للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 199511