في ''عرايس الخوف'': النوري بوزيد يتحسّس مكابدة العائدات من بؤر التوتر ويتساءل عن مصيرهن



وات - بعد حوالي 13 سنة على آخر مشاركة له في أيام قرطاج السينمائية (دورة 2006) وتتويج فيلمه "آخر فيلم" أو "Making Off" بجائزة التانيت الذهبي، عاد المخرج التونسي النوري بوزيد إلى تسجيل حضوره في أيام قرطاج السينمائية 2019، حيث حظي فيلمه الجديد "عرايس الخوف" بشرف افتتاح هذه التظاهرة السينمائية العريقة.

وهذا الشريط الروائي الطويل هو من اختيار المدير العام لأيام قرطاج السينمائية الفقيد نجيب عياد، وهو من إنتاج مشترك لكلّ من عفاف بن محمود "Mésanges Films" وخليل بن كيران "ليسيا للإنتاج"، وبطولة نور حجري وعفاف بن محمود وجمان ليمام ومهدي حجري وسندس بلحسن وفاطمة بن سعيدان ونعمان حمدة.


يروي الفيلم في 96 دقيقة قصة "زينة" و"دجو" في رحلة عودتهما من سوريا إلى تونس في ديسمبر 2013، وكما جاء في الورقة التقديمية للفيلم، هما شابتان هاربتان من "داعش" لمجتمع يرفض المسامحة، لكل منهما حكايتها ونهايتها، تصارع كل من "زينة" و"دجو" للبقاء وإعادة بناء الذات بمساعدة المحامية "نادية" والطبيبة "درة" ولكن "دجو" تجد في كتاباتها أفضل ملجإ، بينما تختار "زينة" أن تفضي ببؤسها للشاب "المثلي" إدريس رفيق مشوار إثبات الوجود أمام المحكمة.

لم يستعرض النوري بوزيد في عمله الجديد طرق استقطاب الشباب وتسفيره نحو ما يُعرف بـ "الجهاد" في سوريا، فالطريقة هي نفسها كان قد أثارها في فيلمه "آخر فيلم" وتنبّأ بوقوع هذه الأحداث.
كما لم يستعرض أساليب استقطاب النساء لما بات يعرف أيضا بـ "جهاد النكاح لأن الأساليب هي نفسها تقريبا في استقطاب الشباب.
وخيّر في "عرايس الخوف" الخوض في مصير العائدين من سوريا، لا سيما العائدات منهم.

وأثار الفيلم قضايا اجتماعية وسياسية عميقة منها العنف المسلّط على المرأة لفظيا وجسديا ورمزيا داخل العائلة وفي المجتمع، والتعدي على الحريات الفردية وإبراز مظاهر الخوف والعتمة التي تسكن المرأة رغم المكاسب التي تحقّقت لها، ويحذّر من هذه الممارسات التي يمكن أن تعود بالمرأة والمجتمع إلى الوراء.
وللتعبير عن جملة هذه القضايا، اهتمّ المخرج بجمالية الفيلم من الناحية الفنية.
وتجلّى ذلك بوضوح في مشاهد التصوير إذ بدت اللقطات الفيلمية قريبة في مختلف المواقف والأحداث وشملت جميع الشخصيات دون استثناء.

وقد أرفق المخرج جميع الأحداث والشخصيات بلقطات قريبة وتعمّد تغييب المشاهد البعيدة أو المفتوحة، وذلك للتعبير عما يكمن بدواخل الشخصيات وخاصة الشخصيات الرئيسية الثلاثة في الفيلم وهي "زينة" و"دجو" و"إدريس" الشاب المثلي.
وقدت بدت الشخصيات الثلاثة في الفيلم تعيش حالات من التمزّق واليأس والحيرة والوجع والاختناق والانغلاق على الذات والانزواء والسجن، فهي إن بدت شخصيات حية فيزيولوجيا لكنها ميتة نفسيا واجتماعيا.
ولذلك كان النوري بوزيد موفقا في اعتماد اللقطات القريبة طيلة أحداث الفيلم لتكون المشاهد منسجمة مع تطوّر الأحداث ولتبرز "السجن" الذي تعيشه الشخصيات وحالات القلق والحيرة التمزّق والمعاناة.
ولعبت اللقطات الفيلمية القريبة أيضا وظيفة تقريب الجمهور من الشخصيات للاطلاع على بواطنها انطلاقا من جزئيات دقيقة تتمثل في حركة الشخصية ونظراتها وملامح وجهها، فوضعت المتفرّج نفسه يعيش هذه الحالات وهو يتابع أحداث الفيلم ويتحسّس عمق المأساة المسلّطة على المرأة.
واهتمّ النوري بوزيد أيضا بإيقاع الفيلم الذي أخذ منحى تصاعديا.

وتجلّى ذلك بقوّة في سير الأحداث نحو ذروتها، وذلك من خلال إقدام "دجو" على الانتحار وإصرار "زينة" على كشف ما يُخالجها والتحلي بالشجاعة لمواجهة "زوجها" الذي أرسلها لـ "جهاد النكاح" بتواطؤ من أبيها، وقرارها أيضا مواجهة أبيها ولو كلّفها ذلك الاعتداء عليه للتحرّر من بطشه.

ومن ناحية أخرى، اختار المخرج أن تكون كاميرا التصوير محمولة، متحركة وغير ثابتة لتبرز حالات التمزّق والاضطراب النفسي التي بدت عليها الشخصيات من ناحية، ولترجمة النسق التصاعدي للأحداث من ناحية أخرى.
تقنيات أخرى اعتمدها النوري بوزيد أيضا بكثافة في الفيلم وهي "الفلاش باك" والعرائس والحبال منها المشدودة بعضها ببعض ومنها المتدلية وكذلك التعبيرات المكتوبة على الحائط.

فـ "الفلاش باك" تعني استحضار الماضي صوتا وصورة، وفي الفيلم لعبت هذه التقنية وظيفة استحضار زينة لماضيها لتفسير سبب معاناتها وأزمتها النفسية والاجتماعية، كما لعبت هذه التقنية أيضا وظيفة إراحة المتفرّج من عناء تتابع الأحداث.
وأما العرائس (الدمى) بما هي وسيلة للترفيه والترويح عن النفس وهي في المقابل رمز للفراغ العاطفي وخواء المشاعر وانعدام الإحساس.
وأما الحبل فقد ظهر مشدودا في مشاهد بيت "إدريس" ويرمز إلى قوة شخصية هذا الفتى وتحديه للعنف المسلط عليه من الآخر.

وأما ظهور الحبل المتدلي في غرفة "دجو" فكان رمزا للحيرة وانعدام التواصل مع الآخر، لذلك كانت تلجأ للكتابة على الحائط لفك عزلتها، لكنها لم تستطع الصمود وعرفت نهاية مأساوية تمثّلت في إقدامها على الانتحار من خلال إلقاء نفسها من مكان مرتفع.
وهي النهاية نفسها التي كادت تصل إليها "زينة" لولا الطمأنينة التي بعثها فيها صديقها "إدريس"، فتطوّرت شيئا فشيئا للكشف عمّا يخالجها وقرارها فضح من تورّط في تسفيرها إلى سوريا.
لقد جعل المخرج شخصية "زينة" مثالا للمرأة الثائرة التي خرجت عن صمتها وتمرّدت عن واقعها وخرجت من قوقعتها نحو عالم الحرية، ووصل بها ذلك حدّ الاعتداء على أبيها الذي كان ضمن المتواطئين مع زوجها الذي أرسلها إلى سوريا.
ومشهد الاعتداء على الأب كان اللقطة القريبة الأخيرة في الفيلم، ليكون المشهد الأخير من "عرايس الخوف" مفتوحا كليا على مكان أخضر وتظهر "زينة" تركض في هذا المكان مبتعدة بحثا عن الحرية والانعتاق.
تجدر الإشارة إلى أن شريط "عرايس الخوف" للمخرج النوري بوزيد، كان قد حاز الجائزة الخاصة لحقوق الإنسان (HRN Award)، خلال عرضه العالمي الأول في الدورة 76 لمهرجان البندقية السينمائي (28 أوت-7 سبتمبر 2019).

أخبار "وات" المنشورة على باب نات، تعود حقوق ملكيتها الكاملة أدبيا وماديا في إطار القانون إلى وكالة تونس افريقيا للأنباء . ولا يجوز استخدام تلك المواد والمنتجات، بأية طريقة كانت. وكل اعتداء على حقوق ملكية الوكالة لمنتوجها، يعرض مقترفه، للتتبعات الجزائية طبقا للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 191684